كيف نجح غان إركه في إعادة إحياء “فن الطلاء الصيني” الذي كاد يندثر؟ قصة إبداع وتراث عابر للأجيال والحدود!
في قلب مدينة هوانغشان، يعيد غان إركه إحياء فن الطلاء الصيني العريق، بإبداع معاصر يلفت أنظار العالم نحو التراث الصيني.
غان إركه.. سيد الطلاء الصيني العريق الذي يمزج التراث بالإبداع المعاصر.. إرث عمره آلاف السنين يعود إلى الواجهة بفضل “جلد وحيد القرن” وإبداعات جديدة تجذب المتاحف العالمية.
في ورشته بمدينة هوانغشان، يكرّس الفنان الصيني غان إركه حياته لإحياء حرفة الطلاء اللكي الصينية العريقة، المعروفة بجمالها ودقتها. يعمل إركه على استعادة تقنيات تقليدية مهددة بالاندثار، أبرزها “طلاء جلد وحيد القرن”، التي وصفها الفنان الصيني دونغ كيتشانغ في حقبة مينغ بأنها “أعظم روائع الطلاء”. عبر مزج الطبقات التقليدية وإدخال مواد جديدة مثل الذهب، ابتكر إركه قطعًا فنية تُعرض في أبرز المتاحف العالمية مثل المتحف البريطاني ومتحف متروبوليتان للفنون في نيويورك. بفضل جهوده، أصبح الطلاء الصيني سفيرًا عالميًا للثقافة الصينية، حيث يسعى غان إلى تدريب أجيال جديدة لضمان استمرار هذا الإرث الفني.

فنان يعيد إحياء التراث الصيني بحرفية وإبداع
في قلب مدينة هوانغشان بمقاطعة أنهوي الصينية، يقع استوديو فني فريد من نوعه، حيث يعمل غان إركه، أحد أبرز أساتذة فن الطلاء اللكي الصيني، على إحياء التراث القديم وابتكار لمسات حديثة تضيف بريقًا معاصرًا إلى هذا الفن العريق. غان هو وريث تقنية زخرفة الطلاء في هوى تشو، وهي تقنية معترف بها كتراث ثقافي غير مادي على المستوى الوطني في الصين.
رحلة إركه في عالم الطلاء.. من تلميذ إلى سيد الحرفة
بدأ غان إركه مسيرته الفنية في أواخر السبعينيات، عندما عمل في مصنع للفنون والحرف بين عامي 1979 و1986، حيث تعرّف على أسرار الطلاء الصيني وأدرك مدى تعقيد هذه الحرفة، التي تتطلب دقة وصبرًا كبيرين. لاحظ غان فجوة في مستوى الطلاء الصيني مقارنة بالأعمال اليابانية المعاصرة، وهو ما دفعه للانطلاق في رحلة بحثية معمقة، كان هدفها إعادة الطلاء الصيني إلى الصدارة العالمية.

“طلاء جلد وحيد القرن”.. إحياء تحفة فنية من عصر مينغ
أبرز إنجازات غان كانت إحياء تقنية طلاء جلد وحيد القرن، التي كانت تُعتبر في عهد أسرة مينغ (1368-1644) ذروة فن الطلاء الصيني. استوحى غان التقنية من نص تاريخي موجز في كتاب “تقرير عن فن الطلاء” (شيوشي لو) الذي وصف الألوان والنقوش كالسحب العائمة والزهور المستديرة. بدأت محاولاته بفكرة صنع صندوق حبر بأسلوب عتيق، إلا أن العملية لم تكن سهلة، حيث تطلب الأمر محاولات متكررة تخللتها إعادة الطلاء مرات لا تُحصى. في النهاية، نجح غان في إعادة إنتاج الطلاء التقليدي، ولكن مع تطوير ملموس بإضافة طبقات متعددة تصل إلى 102 طبقة بدلاً من 6 طبقات فقط، ما أضفى على القطع عمقًا وحيوية غير مسبوقة.
ابتكارات غان.. من التقليدي إلى المعاصر
لم يكتف غان بإحياء التقاليد، بل حرص على ابتكار أساليب جديدة، حيث أدخل الذهب بدلاً من الأصفر التقليدي، ما أضاف لمسة من البريق الملكي لأعماله. كما طور تقنية الطلاء الداخلية للمرايا، ما جعل الأسطح الداخلية لأعماله عاكسة كالمرايا البرونزية القديمة، وهو ما لم يكن ممكنًا حتى في عصور ازدهار الطلاء الصيني.

رحلة الأعمال الفنية نحو المتاحف العالمية
لم تقتصر إنجازات غان على الصين، بل وصلت أعماله إلى أرقى المتاحف العالمية، حيث تعرض متحف القصر في بكين أحد صناديقه المستديرة المطلية بأسلوب جلد وحيد القرن، كما بيعت أعماله في مزادات كريستيز في 2014 و2015. واحتفت باريس بإبداعاته في معرض بمتحف الفنون الزخرفية، بينما تضم المتحف البريطاني ومتحف متروبوليتان للفنون بعضًا من أبرز أعماله.
نقل الحرفة إلى الأجيال القادمة.. مهمة غان المستمرة
لا يقتصر هدف غان على إنتاج القطع الفنية فقط، بل يسعى إلى نقل الحرفة إلى الأجيال الجديدة. من خلال دوره كأستاذ زائر في أكاديمية الفنون الجميلة المركزية وجامعتي تسينغهوا وتونغجي، يشرف غان على تدريب الطلاب وتعريفهم بفن الطلاء. ويعمل مع فريق من 18 حرفيًا في ورشته، حيث يُسمح للهواة والمهتمين بزيارة الورشة، والتعرف على خطوات صناعة القطع المطلية عن كثب.
صوت الصين في العالم.. الطلاء الصيني بين التراث والعالمية
من خلال عمله المتقن، يهدف غان إلى إبراز القوة الثقافية للصين عالميًا. يقول: “نريد أن يرى العالم الجمال العميق للطلاء الصيني، وأن يدركوا أن هذا الفن يمكن أن ينافس نظراءه في اليابان وأي مكان آخر”. ويشير إلى أن الفن الحقيقي، إذا وصل إلى قمته، فإنه يتجاوز الحدود الجغرافية، ويأسر قلوب الجميع.
رسالة غان.. الحفاظ على التراث واستمرارية الإبداع
يرى غان إركه أن عمله يتجاوز حدود الحرفة ليكون رسالة حضارية. فبينما يسعى لإحياء تقنيات الأجداد، يطمح إلى ابتكار أشكال جديدة من الجمال تجمع بين الأصالة والحداثة. يقول: “الماضي مليء بالروائع، لكننا نسعى إلى ما هو أعظم. كل جيل يجب أن يضيف بصمته على هذا الإرث”.




