اكتشاف مجرة قديمة تكشف عن تعقيد غير متوقع في بداية الكون
باستخدام تلسكوب جيمس ويب، كشف علماء الفلك عن مجرة قديمة تُظهر تعقيدًا كيميائيًا مفاجئًا، ما يعيد النظر في الجدول الزمني لتشكل المجرات.
اكتشاف مذهل يثير التساؤلات: مجرة قديمة في بداية الكون تظهر تعقيدًا غير متوقع، هل يغير هذا فهمنا لتاريخ الكون؟
في اكتشاف غير مسبوق، كشف علماء الفلك عن مجرة بعيدة تسمى JADES-GS-z14-0 التي وُجدت عندما كان عمر الكون أقل من 300 مليون سنة. ورُصدت باستخدام تلسكوب جيمس ويب، حيث أظهرت المجرة حجمًا ضخمًا وتركيبًا كيميائيًا معقدًا يتضمن كميات غير متوقعة من الأوكسجين، مما يشير إلى تطور النجوم والمجرات في وقت أبكر مما كان يُعتقد. هذا الاكتشاف يعيد النظر في النماذج الحالية حول تشكل النجوم والمجرات في الكون المبكر ويفتح أفقًا جديدًا لفهم تاريخ الكون.

مجرة متطورة بشكل غير متوقع في بداية الكون
في دراسة جديدة نُشرت في مجلة Nature Astronomy، كشف علماء الفلك من جامعة أريزونا عن تفاصيل غير مسبوقة لمجرة بعيدة تُعرف باسم JADES-GS-z14-0، والتي وُجدت عندما كان عمر الكون أقل من 300 مليون سنة فقط، أي حوالي 2% من عمره الحالي. ورُصدت هذه المجرة بواسطة تلسكوب جيمس ويب الفضائي التابع لناسا، حيث أظهرت لمعانًا استثنائيًا وتركيبًا كيميائيًا معقدًا مقارنة بالمجرات الأخرى في هذه الحقبة البدائية.
نظرة فريدة إلى الفصل الأول من تاريخ الكون
تُعد هذه الدراسة امتدادًا لاكتشاف سابق أُعلن عنه في عام 2024، حيث سُجلت JADES-GS-z14-0 كأبعد مجرة تمت ملاحظتها حتى الآن. ورغم أن البحث الأولي ركّز على تأكيد المسافة واللمعان غير المتوقع للمجرة، فإن الدراسة الجديدة تذهب إلى أبعد من ذلك، إذ تكشف عن تفاصيل كيميائية مهمة وحالة تطورية معقدة لها. وتم تنفيذ هذا العمل كجزء من مشروع JWST Advanced Deep Extragalactic Survey (JADES)، وهو برنامج رئيسي لتلسكوب جيمس ويب يهدف إلى دراسة المجرات البعيدة. وأوضح كيفن هاينلاين، الأستاذ الباحث في مرصد ستيوارد بجامعة أريزونا وأحد المشاركين في الدراسة، أن هذا الاكتشاف لم يكن مجرد مصادفة، حيث كان المسح مصممًا خصيصًا للعثور على المجرات البعيدة، لكن هذه المجرة تخطت التوقعات من حيث شدة لمعانها وتعقيدها الكيميائي.
مجرة ضخمة بشكل غير متوقع في بداية الزمن
أحد الجوانب المذهلة في هذه المجرة هو حجمها الكبير نسبة إلى الزمن الذي نشأت فيه. يوضح هاينلاين: "إنها ليست مجرد نقطة صغيرة في الفضاء، بل هي مجرة ساطعة وواسعة بشكل غير متوقع لعمر الكون عند رصدها." ومن جانبه، أشار الباحث الرئيسي في الدراسة، جاكوب هيلتون، إلى أن العثور على مثل هذه المجرة في جزء صغير جدًا من السماء يوحي بأن هناك المزيد من المجرات المشابهة التي لم يتم اكتشافها بعد. وأضاف: "لو تمكنا من مسح السماء بأكملها، وهو أمر غير ممكن باستخدام جيمس ويب، لوجدنا المزيد من هذه الأجسام الغريبة."
كميات غير متوقعة من الأوكسجين في مجرة بدائية
استخدم فريق البحث عدة أدوات على متن تلسكوب جيمس ويب، من بينها كاميرا الأشعة تحت الحمراء القريبة (NIRCam)، التي أشرفت على تصميمها البروفيسورة مارشا ريكي من جامعة أريزونا، وأداة الأشعة تحت الحمراء المتوسطة (MIRI)، والتي كشفت عن مفاجأة مذهلة: وجود كميات كبيرة من عنصر الأوكسجين في المجرة. وفي علم الفلك، يُطلق على أي عنصر أثقل من الهيليوم مصطلح "معدن"، وهو أمر لافت لأن المعادن تتطلب أجيالًا متعددة من النجوم لتتشكل. في بداية الكون، كانت العناصر الأساسية الموجودة هي الهيدروجين والهيليوم، مع كميات ضئيلة من الليثيوم. لذا، فإن وجود الأوكسجين بكميات كبيرة في JADES-GS-z14-0 يشير إلى أن المجرة كانت تُشكّل النجوم لفترة تصل إلى 100 مليون سنة قبل أن تُرصد.

إعادة النظر في الجدول الزمني لنشوء المجرات
يؤكد جورج ريكي، أستاذ علم الفلك في جامعة أريزونا والمؤلف الرئيسي للدراسة، أن هذا الاكتشاف يعيد تشكيل فهمنا لتاريخ تشكل النجوم في الكون المبكر. ويقول: "لكي يتواجد الأوكسجين بهذه الكميات، لا بد أن المجرة قد بدأت في تكوين النجوم في وقت مبكر جدًا. فالنجوم الأولى كان عليها أن تتطور، ثم تنفجر على شكل مستعرات عظمى (سوبرنوفا) لتطلق الأوكسجين إلى الفضاء، والذي بدوره ساهم في تكوين نجوم جديدة." هذه الدورة المعقدة تشير إلى أن تكون النجوم والمجرات بدأ في فترة أقدم بكثير مما كان يُعتقد سابقًا، مما قد يؤدي إلى إعادة النظر في النماذج النظرية لتشكل المجرات بعد الانفجار العظيم.
نافذة صغيرة تكشف أسرارًا كبيرة
استغرق الرصد ما يقرب من تسعة أيام من وقت التلسكوب، حيث تضمن 167 ساعة من التصوير بواسطة NIRCam و43 ساعة من التصوير باستخدام MIRI، وكل ذلك على جزء ضئيل جدًا من السماء. يوضح هيلتون مدى ضآلة المنطقة التي تم رصدها بقوله: "تخيل أن لديك حبة رمل تمسكها بطرف ذراعك، هذه هي المساحة التي درسناها من السماء." وكان العلماء محظوظين بوجود المجرة في المنطقة المناسبة تمامًا للرصد بأداة MIRI، حيث أن توجيه التلسكوب بفارق طفيف جدًا كان من الممكن أن يؤدي إلى تفويت البيانات المهمة.
أفق جديد في علم الفلك
يعد هذا الاكتشاف اختبارًا قويًا للنماذج النظرية الحالية حول كيفية نشوء المجرات الأولى، ويعزز مكانة جامعة أريزونا كإحدى المؤسسات الرائدة في علم الفلك بالأشعة تحت الحمراء منذ الستينيات، عندما بدأت العمل على هذا المجال مع علماء بارزين مثل جيرارد كويبر، وفرانك لو، وهارولد جونسون.
وفي ظل التطورات التقنية التي تسمح للبشرية برؤية وفهم أقدم المجرات، فإن هذا يفتح الباب أمام رؤى جديدة حول تطور الكون، من العناصر البسيطة إلى الكيمياء المعقدة الضرورية للحياة. ويعلق هاينلاين على أهمية هذا العصر في علم الفلك قائلاً: "نحن نعيش في لحظة مذهلة في تاريخ العلوم، حيث أصبحنا قادرين على دراسة مجرات أبعد مما حلم به أي إنسان من قبل، والتعمق في فهمها بطرق غير مسبوقة. وهذا بحق، أشبه بالسحر."








