كيف يخزن الدماغ المعلومات فعليًا؟ وما القواعد التي يستخدمها للتعلم؟
دراسة جديدة تقلب الموازين: الدماغ لا يخزن المعلومات عشوائيًا بل يتبع استراتيجيات دقيقة ومتزامنة
ملخص
كشفت دراسة جديدة نُشرت في مجلة Science أن الدماغ البشري لا يتعلم بطريقة واحدة، بل يستخدم قواعد متعددة للتعلم والتخزين العصبي في آنٍ واحد. ووفقًا لعلماء من جامعة كاليفورنيا سان دييغو، فإن هذا الاكتشاف يعيد رسم خريطة اللدونة العصبية ويشرح كيف تتكيف الخلايا العصبية مع المعلومات الجديدة. يُتوقع أن تفتح هذه النتائج آفاقًا لتطوير الذكاء الاصطناعي وعلاج الأمراض العصبية مثل الزهايمر والتوحد. تعتبر هذه الدراسة ثورية حيث تكشف أن الدماغ أكثر ذكاءً وتنظيمًا مما كنا نظن.

كيف يخزن الدماغ معلومات جديدة؟
في دراسة جديدة نشرت في مجلة Science، تمكن باحثون من جامعة كاليفورنيا سان دييغو (University of California San Diego) من كشف تفاصيل دقيقة عن كيفية تعلم الدماغ وتخزينه للمعلومات الجديدة، موضحين أن ما كان يُعتقد سابقًا عن طريقة عمل الخلايا العصبية أثناء التعلم غير دقيق، وأن الواقع أكثر تعقيدًا بكثير مما توقع العلماء سابقًا.
ما الذي يحدث في الدماغ عندما نتعلم شيئًا جديدًا؟
عند محاولة تعلم كلمات أغنية جديدة، أو حفظ الاتجاهات إلى منزل صديق، أو حتى إنجاز مهام في وظيفة جديدة، فإن الدماغ يمر بسلسلة معقدة من التغيرات العصبية، تُسمى علميًا «اللدونة المشبكية» (Synaptic Plasticity)، وتتم هذه التغيرات تحديدًا في الوصلات العصبية المعروفة بالمشابك، وهي نقاط الاتصال بين الخلايا العصبية (العصبونات).
وتحدث هذه التغيرات على مستوى تريليونات من المشابك العصبية، حيث تتقوى بعض المشابك وتتراجع قوة البعض الآخر استجابةً للمعلومات الجديدة المكتسبة. ورغم معرفة العلماء لهذه العملية سابقًا، إلا أن تحديد قواعد وأسس اختيار المشابك التي تخضع لهذه التغيرات ظل لغزًا يحير العلماء، وهو ما يُطلق عليه في علم الأعصاب «مشكلة تحديد الفضل» (Credit Assignment Problem).
تفاصيل الدراسة ومنهجيتها المبتكرة
قاد هذه الدراسة الباحثون ويليام "جيك" رايت، وناثان هيدريك، والأستاذ تاكاكي كومياما، وجرى تمويلها بشكل رئيسي من خلال عدة مِنح بحثية قدمتها معاهد الصحة الوطنية الأمريكية (National Institutes of Health). واعتمد الفريق في بحثه على تقنيات حديثة ومتطورة في تصوير الدماغ، أبرزها التصوير ثنائي الفوتون (Two-photon imaging)، الذي مكّن الباحثين من مراقبة التغيرات التي تحدث داخل الخلايا العصبية في الفئران خلال عمليات التعلم بدقة عالية غير مسبوقة.
وخلال عملية الرصد هذه، توصل الفريق إلى اكتشاف مفاجئ، حيث تبين أن العصبونات لا تتبع قاعدة واحدة موحدة عند حدوث التعلم، بل هناك عدة قواعد مختلفة تعمل معًا في الوقت ذاته، وتتوزع هذه القواعد في أجزاء مختلفة داخل الخلية العصبية نفسها، مما يعني أن الدماغ يستخدم استراتيجيات متعددة في الوقت ذاته للتكيف مع المعلومات الجديدة.
الدماغ يستخدم قواعد متعددة وليست قاعدة واحدة
أوضح الباحث ويليام رايت، الباحث ما بعد الدكتوراه في كلية العلوم البيولوجية والمؤلف الأول للدراسة، أنه من المعتاد النظر إلى اللدونة المشبكية باعتبارها عملية موحدة ومتجانسة، لكن ما كشفته الدراسة الجديدة هو أن الواقع مختلف تمامًا، وأن هذه المرونة العصبية متعددة الأوجه، وتخضع لقواعد متنوعة داخل الخلايا العصبية الفردية ذاتها. وقد أكّد البروفيسور تاكاكي كومياما، الباحث الرئيسي في الدراسة وأستاذ البيولوجيا العصبية وعلم الأعصاب، أن هذه النتائج تغير المفهوم التقليدي لكيفية حل الدماغ لمشكلة تحديد الفضل، حيث أصبح من الواضح الآن أن العصبونات تقوم بعمليات حسابية متعددة بشكل متزامن في أجزاء مختلفة داخل الخلية الواحدة، وليس على مستوى موحد.

تطبيقات مستقبلية واعدة للذكاء الاصطناعي
ومن النتائج التي طرحتها الدراسة، أن هذه الاكتشافات يمكنها أن تساهم في تطوير مجالات تقنية متقدمة مثل الذكاء الاصطناعي، إذ إن أنظمة الشبكات العصبية الاصطناعية الحالية عادةً ما تعتمد على قاعدة واحدة في اللدونة، ولكن مع هذه النتائج يمكن تصميم شبكات عصبية أكثر تطورًا تعمل بقواعد متعددة في وقت واحد، مما يزيد من كفاءتها وفعاليتها في معالجة المعلومات. كما ستؤثر هذه الاكتشافات إيجابيًا على فهمنا ومعالجتنا لعدد من الأمراض العصبية والنفسية مثل الزهايمر واضطرابات ما بعد الصدمة والإدمان، بالإضافة إلى اضطرابات النمو العصبي مثل التوحد، التي قد تكون مرتبطة بخلل في اللدونة العصبية.
خطوات بحثية قادمة في الأفق
ومن خلال هذه الاكتشافات الجديدة، يتجه الباحثون الآن نحو مزيد من الأبحاث والتجارب لفهم أعمق لكيفية تطبيق الخلايا العصبية قواعد متعددة بشكل متزامن، وما الفائدة التي تحصل عليها العصبونات من استخدام استراتيجيات متعددة بدلاً من استراتيجية واحدة. وأكد الباحثون أن هذه الخطوة تمهد الطريق أمام توضيح أعمق لكيفية عمل الدماغ البشري الطبيعي، وبالتالي ستقود في المستقبل إلى علاجات أكثر دقة وفعالية للأمراض العصبية والنفسية. وتُعد هذه الدراسة واحدة من الخطوات المهمة في مجال علوم الأعصاب، خاصة وأنها تكشف عن تفاصيل لم تكن معروفة من قبل، قد تُحدث تغييرًا جذريًا في طريقة فهم العلماء لآليات عمل الدماغ، وكيفية استثماره في مجالات حيوية مختلفة في المستقبل.




