العوامل الوراثية وتأثيرها على توقيت مشي الطفل: دراسة حديثة تعيد صياغة فهمنا لتطور الرضع
توقيت المشي ليس صدفة… باحثون يحددون 11 جينًا تتحكم في هذه المرحلة المحورية من حياة الطفل
ملخص
توقيت مشي الطفل يكشف عن تأثير كبير للعوامل الوراثية في تحديد لحظة الخطوة الأولى، وفق دراسة منشورة في Nature Human Behaviour. فقد حدد الباحثون 11 علامة جينية مرتبطة مباشرة بموعد بدء المشي، بعد تحليل بيانات أكثر من 70 ألف رضيع. أظهرت النتائج أن نحو 25٪ من الفروق في توقيت المشي تعود للجينات، لا للبيئة أو أساليب التربية فقط. وتشير الدراسة إلى أن المشي ليس إنجازًا عضليًا فحسب، بل يرتبط بتطور القشرة المخية المسؤولة عن الوظائف الإدراكية. هذا التفاوت بين الأطفال طبيعي ويعكس التنوع الجيني، ما يساعد الأهل على فهم النمو الحركي والمعرفي دون قلق مبالغ فيه.

توقيت بداية المشي عند الأطفال ليس عشوائيًا: دراسة تكشف الدور الحاسم للجينات
كشفت دراسة حديثة نُشرت في مجلة Nature Human Behaviour أن توقيت مشي الطفل لأول مرة لا يتحدد فقط بالعوامل البيئية أو طرق التربية، بل يتأثر بشكل كبير بالعوامل الوراثية. وأوضحت الدراسة التي أجراها باحثون من جامعة سري أن الاستعداد الجيني يلعب دورًا أساسيًا في تحديد موعد الخطوة الأولى، في تحول لافت في الفهم العلمي لتطور الأطفال.
تحليل جينات أكثر من 70 ألف رضيع يكشف أسرار توقيت المشي
اعتمد الفريق البحثي على دراسة شاملة شملت المعلومات الوراثية لأكثر من 70 ألف طفل رضيع، وهو ما يجعلها الدراسة الأضخم من نوعها حتى اليوم. من خلال هذا التحليل، تم تحديد 11 علامة جينية ترتبط مباشرة بتوقيت بداية المشي عند الأطفال، وهو ما يفتح الباب أمام دراسات مستقبلية حول تطور المهارات الحركية لدى الرضع وربطها بالنمو العصبي والمعرفي.
الجينات تفسر 25% من التفاوت في توقيت المشي بين الأطفال
أظهرت النتائج أن ما يقرب من ربع الفروقات في توقيت مشي الأطفال يعود لأسباب جينية. هذا يعني أن بعض الأطفال قد يمشون مبكرًا أو متأخرًا عن أقرانهم دون أن يكون هناك أي خلل صحي، بل فقط بسبب طبيعتهم الوراثية. وتُعد هذه النتائج تطورًا مهمًا في فهم الأسباب التي تؤدي إلى تأخر المشي عند الأطفال، حيث كان يُنظر إليه في السابق باعتباره مشكلة بيئية أو تربوية بحتة.
بين 8 و24 شهرًا: ما هو العمر الطبيعي لبدء المشي؟
أكدت البروفيسورة أنجيليكا رونالد، الباحثة الرئيسية في الدراسة، أن معظم الأطفال يبدأون المشي ما بين عمر 8 إلى 24 شهرًا، وهو نطاق طبيعي واسع يعكس الفروقات الفردية. وشددت على أن هذا التفاوت ليس مدعاة للقلق، بل يعكس التنوع الجيني الطبيعي بين الأطفال. كما أشارت إلى أن معرفة هذا النمط الوراثي قد تساعد الأهل على تجاوز القلق غير المبرر حيال توقيت مشي الطفل، خاصة عند مقارنته بغيره من الأطفال.

المشي المتأخر لا يعني وجود مشكلة صحية دائمًا
من جانبها، أوضحت الدكتورة آنا غوي، الباحثة المشاركة في الدراسة من جامعتي بيركبيك وروما، أن قلق الأهل حول تأخر مشي أطفالهم كثيرًا ما يكون مبالغًا فيه. فنتائج الدراسة تؤكد أن العوامل الوراثية تؤثر بشكل مباشر على هذه المرحلة، وبالتالي لا يجب أن يُفسّر التأخر البسيط باعتباره دليلاً على وجود خلل في الرعاية أو إشارة لمشكلة في النمو الجسدي.
ارتباط وراثي بين توقيت المشي وتطور الدماغ
من أبرز ما توصلت إليه الدراسة أن بعض الجينات المسؤولة عن توقيت بداية المشي عند الطفل ترتبط أيضًا بتطور القشرة المخية، وهي السطح الخارجي للدماغ المرتبط بالوظائف الإدراكية. وهذا يشير إلى أن المشي ليس فقط تطورًا عضليًا، بل هو مرتبط أيضًا بآليات دماغية معقدة. ولفتت الدراسة إلى أن المشي المتأخر – ضمن الحدود الطبيعية – قد يكون مرتبطًا بانخفاض خطر الإصابة باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD)، بل وأيضًا بتحصيل علمي أعلى في بعض الحالات، حسب تركيبة الطفل الجينية.
نحو فهم أعمق وتقديم دعم أفضل للأطفال
أعربت البروفيسورة رونالد عن أملها في أن تساهم هذه النتائج في تطوير أدوات فحص مبكر لتحديد الأطفال الذين قد يحتاجون إلى دعم خاص في المهارات الحركية أو التعلم. وأكدت أن التأخر البسيط في توقيت مشي الرضيع ليس مؤشرًا على مشاكل صحية في أغلب الحالات، بل قد يكون ببساطة نتيجة لتكوين جيني فريد.
النمو الحركي والمعرفي: علاقة أعمق مما نعتقد
تؤكد هذه الدراسة أن أولى خطوات الطفل لا تمثل فقط إنجازًا حركيًا، بل قد تعكس أيضًا استعدادًا معرفيًا وتطورًا في البنية الدماغية. وهذا يعزز الفرضية العلمية التي تربط بين النمو الحركي والمعرفي، ويدفع نحو تبني فهم أوسع لمراحل تطور الطفل، لا يعتمد فقط على الجداول الزمنية، بل يشمل التنوع الوراثي الطبيعي.




