الدكتور سلامة داود: التقويم الهجري أكثر من مجرد حساب شهري، بل هو نظام رباني لضبط العبادة وتعزيز الوعي الإسلامي بمواقيت الشعائر والمعاملات
رئيس جامعة الأزهر يفسر معنى الأهلة في القرآن ويوضح كيف تحوّلت الظاهرة الفلكية إلى دليل عملي يضبط العبادات ويعزز الهوية الإسلامية عبر التقويم الهجري.
رئيس جامعة الأزهر يوضح كيف وجه القرآن اهتمام الصحابة من الظاهرة الكونية إلى التقويم الهجري كوسيلة لضبط الشعائر وحفظ الهوية الإسلامية.
في تفسير عميق لقول الله تعالى: “يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج”، أوضح الدكتور سلامة داود، رئيس جامعة الأزهر في تصريحات متلفزة ، أن القرآن الكريم حوّل اهتمام السائلين من الشكل العلمي لتغير شكل القمر إلى الهدف العملي من هذه الظاهرة، وهو ضبط مواقيت العبادات والمعاملات. وأكد أن التقويم الهجري ليس مجرد وسيلة حسابية، بل هو شريان روحي يربط المسلم بشعائره وهويته. وبين أن العلماء في تراثنا اختلفوا بأدب حول تفسير الآية، مشيرًا إلى ضرورة إحياء الارتباط بالشهور الهجرية في الحياة اليومية لتقوية الوعي الديني والهوية الثقافية للمجتمع الإسلامي.

سؤال الصحابة عن الأهلة وتحول الإجابة من علم الفلك إلى حكمة الشعائر
فسر الدكتور سلامة داود، رئيس جامعة الأزهر، الآية الكريمة “يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج”، مشيرًا إلى أن الصحابة سألوا النبي ﷺ عن ظاهرة تغير شكل القمر، من هلال إلى بدر ثم إلى محاق. وبالرغم من أن السؤال كان علميًا، فإن الإجابة الإلهية لم تُعطِ تفسيرًا فلكيًا، بل لفتت النظر إلى الغرض العملي من هذا التغير، وهو تحديد مواقيت الناس وشعائرهم.
العلم الذي لا يُترجم إلى عمل لا نفع فيه
أوضح داود أن هذا الأسلوب القرآني يعطينا درسًا عظيمًا في ربط العلم بالعمل، موضحًا أن الله جل جلاله أراد أن يُعلمنا أن العلم الحقيقي هو الذي يخدم الحياة ويضبط العبادة. وذكر أن الإمام الشاطبي قال: “عدل الله عن الجواب العلمي إلى الغرض العملي لتعليم الناس أن العلم الذي لا يُثمر عملًا لا يُنتفع به”، كما نقل رأي عبد الله دراز الذي أكد أن التفسير العلمي لا يتعارض مع المقصد العملي، بل يعززه، مؤكدًا أن التفكر في الكون من أسباب الإيمان.
الهداية في معرفة مواقيت العبادات من الأهلة
أشار داود إلى أن الأهلة ليست مجرد ظواهر فلكية، بل علامات سماوية جعلها الله لضبط العبادات من صيام، وحج، وعدة نساء، ووقت زكاة. وتخصيص ذكر الحج في الآية، بعد ذكر “الناس”، يُبرز أهمية الشعائر الكبرى ويحث على التمسك بالتقويم القمري في كل تفاصيل الحياة الإسلامية.

لماذا التقويم الهجري ضروري في حياة المسلم؟
أكد رئيس جامعة الأزهر أن التقويم الهجري ليس وسيلة لحساب الأيام فقط، بل هو نظام رباني يُرشد إلى مواعيد العبادة، ويُظهر الروح الإسلامية في حياة المسلم. واستشهد بقوله تعالى على لسان شعيب: “على أن تأجرني ثماني حجج”. فلم يقل “سنوات”، بل “حجج”، ليُربط الزمن بالشعائر.
العادات الشعبية وتاريخ الأمة مرتبط بالتقويم الهجري
أشار داود إلى أن المصريين قديمًا كانوا يربطون الزمن بالأحداث الدينية، كأن يقولوا: “مع طلعة المحمل” أو “عند قدوم الحجيج”، ما يدل على أن الشعائر الإسلامية كانت توقيتًا حضاريًا ومعنويًا لحياة الناس. وأضاف: “حين نحيا بالشهور العربية، فإننا لا نحفظ التاريخ فقط، بل نحفظ عقيدتنا ونورث أبناءنا الارتباط بالإسلام”.
دعوة لإعادة الاعتبار للتقويم الهجري في حياتنا
اختتم الدكتور داود حديثه بدعوة صريحة لإعادة التقويم الهجري إلى مركز الحياة اليومية، مشيرًا إلى أن شهور الإسلام ليست أرقامًا فارغة، بل علامات للعبادة، ومعالم للهوية، ودروس في الانتماء إلى أمة أراد الله لها أن تضبط وقتها بشموس الإيمان لا بساعات الزمن المجردة.




