رئيس مجلس الإدارة
نيفين منصور
رئيس التحرير
إبراهيم مصطفى
01:51 م calendar السبت 18 يوليو 2026

وباء الرقص في ستراسبورغ 1518: جنون جماعي أم وباء غامض؟

حين تحوّل الرقص إلى مأساة في شوارع أوروبا.

وباء الرقص في ستراسبورغ
وباء الرقص في ستراسبورغ 1518، الوباء الذي جعل الناس يرقصون حتى الموت - Illustration

    حقائق تاريخية مثيرة حول وباء الرقص في ستراسبورغ 1518 تبين الرابط بين الضغوط الاجتماعية والهستيريا الجماعية.

    في صيف عام 1518، شهدت مدينة ستراسبورغ حادثة تاريخية غير مسبوقة، حيث أصيبت عشرات النساء والرجال بحالة غير مفهومة من الرقص المتواصل، استمرت لأيام بل لأسابيع، دون توقف أو تفسير طبي دقيق. تُعرف هذه الظاهرة اليوم باسم “وباء الرقص”، ويُعتقد أنها واحدة من أوضح حالات الهستيريا الجماعية المسجلة في التاريخ الأوروبي. رغم مرور أكثر من خمسة قرون، لا يزال هذا الحدث يثير اهتمام المؤرخين والعلماء، خاصة لما له من دلالات حول تأثير الضغوط النفسية والاجتماعية والدينية على السلوك البشري.


    وباء الرقص في ستراسبورغ 1518 - Illustration
    وباء الرقص في ستراسبورغ 1518 - Illustration 

    بداية الرقص: السيدة التي أشعلت جنون المدينة

     

    في يوليو 1518، خرجت امرأة تُدعى فراو تروفيا إلى أحد شوارع مدينة ستراسبورغ وبدأت بالرقص بلا سبب واضح. لم تكن ترقص فرحًا، بل بحركات متكررة أقرب إلى العذاب منها إلى الطرب. استمرت في الرقص لساعات، ثم لأيام، دون توقف يُذكر. خلال أسبوع، انضم إليها العشرات، حتى بلغ عدد المصابين أكثر من 400 شخص، بحسب بعض التقديرات.

    رد فعل السلطات: موسيقى لمعالجة الوباء

     

    اعتقدت السلطات أن الحل يكمن في الاستمرار، فبنيت ساحات للرقص، وتم استدعاء موسيقيين ومشجعين لمواصلة هذا “العلاج”. ظنّوا أن الراقصين سيمرّون بالنوبة حتى الإنهاك، لكن النتيجة كانت مدمرة. توفي عدد من المشاركين بسبب النوبات القلبية، السكتات الدماغية، أو الإرهاق الشديد.

    نظريات التفسير: هستيريا جماعية أم تسمم طبيعي؟

     

    أحد التفسيرات الأكثر رواجًا يقدّمه المؤرخ الطبي جون والر، ويشير إلى أن الحدث كان نتيجة هستيريا جماعية مرتبطة بضغط نفسي هائل. في تلك الحقبة، عانت المنطقة من المجاعة، والأمراض، والاضطرابات الاجتماعية. كانت هناك أيضًا معتقدات دينية بأن القديس فيتوس قد يعاقب الناس بالرقص اللاإرادي.
    هناك أيضًا فرضية “الإرغوت” وهو فطر سام يُصيب الحبوب ويُسبب أعراضًا مشابهة للهلاوس. لكن كثيرين يرفضون هذه الفرضية لأن الإرغوت لا يسبب حركة جسدية مستمرة، بل عادة ما يصيب الجسم بالشلل أو التشنجات المؤلمة.

    وباء الرقص في ستراسبورغ 1518 - Illustration
    وباء الرقص في ستراسبورغ 1518 - Illustration 


    العامل الديني: الخوف من لعنة القديسين

     

    في ذلك العصر، كان الناس يؤمنون إيمانًا عميقًا بأن بعض القديسين لديهم القدرة على إرسال لعنات جسدية. القديس فيتوس، على وجه الخصوص، كان معروفًا بإصابته للناس بـ”الرقص اللاإرادي”. كان يُعتقد أن من يصاب بهذا النوع من الجنون، عليه إرضاء القديس بالرقص حتى يرضى عنه. هذا الاعتقاد، وفقًا لكثير من المؤرخين، غذّى الحالة الجماعية ودفع الآخرين للانخراط بها.

    التحليل الحديث: المرض النفسي والاجتماعي في التاريخ الأوروبي

     

    اليوم، يُنظر إلى حادثة وباء الرقص في ستراسبورغ 1518 كدراسة حالة استثنائية للهستيريا الجماعية المرتبطة بالضغط المجتمعي والديني. تشير التحليلات الحديثة إلى أن السياق التاريخي والبيئة المشحونة بالخوف، وسوء الفهم الطبي، كلها تفاعلت لتنتج واحدة من أكثر الظواهر غرابة في التاريخ الإنساني.

    ماذا تبقى من وباء الرقص؟

     

    رغم مرور أكثر من خمسة قرون، لا تزال قصة وباء الرقص تثير فضول الباحثين. لا يوجد حتى الآن تفسير علمي قطعي. لكن المؤكد أن الحادثة تفتح نافذة لفهم العلاقة المعقدة بين النفس الجماعية، والإيمان، والمرض، وتدفعنا للتساؤل: إلى أي مدى يمكن أن يقود الإيمان والخوف إلى فقدان السيطرة على الجسد؟

    الاكثر مشاهدة

    تم نسخ الرابط