رئيس مجلس الإدارة
نيفين منصور
رئيس التحرير
إبراهيم مصطفى
11:23 ص calendar السبت 18 يوليو 2026

كيف يرى الدماغ البشري المشهد ويدرك إمكانياته الحركية بشكل لا يستطيع تقليده الذكاء الصناعي؟

دراسة جديدة تكشف كيف يستخدم الدماغ البشري آليات تلقائية لإدراك إمكانيات الحركة حتى دون تفكير واعٍ.

هل يفهم الذكاء الاصطناعي
هل يفهم الذكاء الاصطناعي البيئة كما يفعل البشر؟ - illustration

    من مجرد نظرة، يحدد الدماغ البشري إن كان المكان يسمح بالمشي أو القيادة أو حتى التسلق… وهذا أسرع من أي ذكاء اصطناعي!

    توصل باحثون من جامعة أمستردام إلى أن الدماغ البشري يقيّم إمكانيات الحركة في البيئات المختلفة بطريقة تلقائية وسريعة، باستخدام مناطق بصرية تُحلل الأفعال الممكنة مثل المشي أو السباحة. وعلى عكس الذكاء الاصطناعي، يعتمد هذا الإدراك على خبرة جسدية وتجريبية لا واعية. تكشف الدراسة الفجوة بين وعي الإنسان والإدراك الحسي لدى الأنظمة الذكية، وتدعو إلى تصميم ذكاء اصطناعي أكثر قربًا من الإدراك الحركي البشري وفعاليته العالية.


    كيف يُحلل الدماغ إمكانيات الحركة تلقائيًا؟
    كيف يُحلل الدماغ إمكانيات الحركة تلقائيًا؟ - illustration

    دراسة جديدة تكشف كيف يميز الدماغ البشري إمكانيات الحركة في البيئة المحيطة

     

    في دراسة حديثة نُشرت في مجلة Proceedings of the National Academy of Sciences، كشف باحثون من جامعة أمستردام عن وجود أنماط عصبية مميزة داخل الدماغ البشري تساعد على إدراك إمكانيات الحركة في البيئات المختلفة، حتى تلك غير المألوفة. وتشير النتائج إلى أن الدماغ يمتلك آلية تلقائية لتحليل البيئة المحيطة من حيث ما يمكن فعله فيها، وهو ما يُعد خطوة متقدمة في فهم الإدراك البشري مقارنة بأنظمة الذكاء الاصطناعي الحديثة.

    الدماغ البشري يقيّم إمكانيات التنقل تلقائيًا قبل التفكير الواعي

     

    أظهرت الدراسة أن الإنسان قادر على تقييم طرق الحركة الممكنة في أي بيئة بمجرد النظر إليها. فعند عرض صور لأماكن مثل شوارع مزدحمة أو أنهار أو ممرات جبلية، يتمكن الدماغ من تحديد إمكانية المشي أو السباحة أو حتى ملاحظة استحالة التقدم في المسار. اللافت في الأمر أن هذه التقييمات لا تتم عن طريق التفكير الواعي، بل من خلال عمليات عصبية سريعة تحدث تلقائيًا دون تدخل إدراكي مباشر.

    التصوير بالرنين المغناطيسي يكشف كيفية معالجة الدماغ للفرص الحركية

     

    قاد فريق البحث طالِب الدكتوراه كليمنس بارتنيك، تحت إشراف عالمة الأعصاب الحسابية إيريس غرون، حيث استخدموا التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي لمراقبة نشاط الدماغ أثناء مشاهدة المشاركين لصور متنوعة تمثل بيئات داخلية وخارجية. طُلب من المشاركين تحديد ما إذا كانت البيئة تسمح بالحركة باستخدام المشي أو ركوب الدراجة أو القيادة أو السباحة أو التسلق أو الإبحار، بينما كانت أدمغتهم تخضع للفحص الدقيق. وأتاح ذلك للفريق تتبع المناطق المسؤولة عن الإدراك الحركي في الدماغ البشري.

    مناطق بصرية في الدماغ تحلل إمكانيات الفعل وليس فقط شكل المشهد

     

    واحدة من أبرز نتائج الدراسة كانت في اكتشاف أن مناطق محددة في القشرة البصرية لا تكتفي برصد الألوان أو الأجسام، بل تنشط بناءً على ما يمكن فعله في البيئة المعروضة. هذا المفهوم، المعروف باسم "الفرص الحركية" (affordances)، يعني أن الدماغ يتعامل مع المشاهد ليس فقط بصريًا، بل أيضًا من حيث الإمكانيات الحركية المرتبطة بها. وتشير غرون إلى أن هذه المناطق تُظهر استجابات حتى من دون أن يُطلب من المشاركين التفكير في الفعل المناسب، ما يدل على أن معالجة هذه المعلومات تحدث على مستوى لا واعٍ.

    الفجوة المعرفية بين إدراك الإنسان والذكاء الاصطناعي

     

    لمعرفة مدى قدرة الذكاء الاصطناعي على تقليد هذه المهارة الإدراكية، قارن الباحثون أداء الإنسان بأنظمة ذكاء اصطناعي مثل GPT-4 ونماذج تصنيف الصور. وجدت الدراسة أن هذه النماذج لم تتمكن من الوصول إلى نفس دقة الدماغ البشري في تحليل إمكانيات الحركة. على الرغم من تدريبها خصيصًا على التعرف على الأفعال، لم تُظهر الأنظمة الذكية توافقًا مع الأنماط العصبية الطبيعية. وأوضحت غرون أن إدراك الإنسان للبيئة مرتبط بتجربته الجسدية، وهو عنصر مفقود تمامًا لدى الذكاء الاصطناعي الذي يفتقر إلى جسد أو تجربة حقيقية في العالم المادي.

    كيف يعرف دماغك ما يمكنك فعله في بيئة ما؟
    لماذا يتفوق دماغ الإنسان على الذكاء الاصطناعي بالحركة؟ - illustration

    أثر فهم الإدراك الحركي على تصميم الذكاء الاصطناعي المستقبلي

     

    تُظهر هذه النتائج أهمية إدراك الإمكانيات الحركية في تصميم الأنظمة الذكية، خاصة في تطبيقات مثل الروبوتات المخصصة للإنقاذ أو المركبات ذاتية القيادة التي تحتاج إلى تقييم البيئة المادية باستمرار. وتوضح غرون أن هذه القدرة ضرورية، إذ إن روبوتًا يتحرك في منطقة مدمرة يجب أن يدرك ما إذا كان يمكنه تسلق الركام أو عبور ممر ضيق، وهي معلومات تتطلب نوعًا من الوعي الحركي الذي لا يتوفر حاليًا في معظم الأنظمة الذكية.

    كفاءة الدماغ ودروسه في بناء نماذج ذكاء اصطناعي أكثر استدامة

     

    إلى جانب الفروقات الإدراكية، تتناول الدراسة أيضًا البعد البيئي والاقتصادي في تطوير الذكاء الاصطناعي. حيث تشير غرون إلى أن تدريب النماذج الذكية يستهلك كميات هائلة من الطاقة، مما يجعلها مكلفة وغير مستدامة. في المقابل، يعمل الدماغ البشري بكفاءة مذهلة، مما يفتح الباب لإعادة تصميم الذكاء الاصطناعي بطرق أكثر اقتصادية وإنسانية. من خلال فهم كيفية معالجة الدماغ للبيئة بكفاءة وفعالية، يمكن للمطورين بناء نماذج قادرة على محاكاة هذا الأداء دون الحاجة إلى طاقة هائلة أو موارد ضخمة.

    نحو تطوير ذكاء اصطناعي يحاكي الإدراك الحركي البشري بعمق

     

    تُعد هذه الدراسة خطوة رائدة نحو تطوير ذكاء اصطناعي يقترب أكثر من الإدراك البشري الحقيقي، ليس فقط من خلال تحليل الصور أو النصوص، بل من خلال فهم "ما يمكن فعله" في البيئة المحيطة. هذه القدرة الفطرية لدى الإنسان على استشعار إمكانيات الحركة تشكل فارقًا جوهريًا بين الوعي البشري والأنظمة الذكية الحالية، وتضع أسسًا علمية جديدة لبناء نماذج ذكاء اصطناعي أكثر واقعية وكفاءة في المستقبل.

    الاكثر مشاهدة

    تم نسخ الرابط