رئيس مجلس الإدارة
نيفين منصور
رئيس التحرير
إبراهيم مصطفى
10:05 ص calendar السبت 18 يوليو 2026

    يا من اعتدت الخوض في أعراض الناس، ويا من جعلت من الغيبة سلوتك، ومن سوء الظن منهجًا تتكئ عليه في أحكامك على البشر... اعلم أنك قد جلست، برضاك واختيارك، إلى مائدة مُخزية، مائدة قُدّمت عليها لحوم بشرية ميتة، لا طَعم فيها إلا مرارة الذنوب، ولا رائحة إلا نتن المعصية. قال الله عز وجل في كتابه الكريم، الذي لا يأتيه الباطل:
    {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُمْ بَعْضًا، أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ، وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ}. فما أعظمها من صورة تهزّ القلب، وتخضّ الوجدان! الغيبة في الإسلام ليست مجرد خطأ، بل جريمة تُشبه في بشاعتها أن تأكل من جسد أخيك بعدما فارق الحياة. تُرى، أي قلب سليم يرضى بذلك؟!

    الاختيارات التي يتخذها الإنسان بإرادته، وإن بدت عابرة، قد تكون حبلًا يُسحب به إلى الندم في يوم لا تنفع فيه التوبة. كثير من الناس، ويا للأسف، لا تطيب لهم المجالس إلا إذا امتزجت بـ"نكهة الغيبة"، معتقدين أن لهم الحق في تصنيف الناس، وتجريدهم من احترامهم، دون أن يدركوا أنهم بذلك يُشهرون سيوف التعدي على ما أمر الله بحفظه من الكرامة الإنسانية.

    ما أبشع أن يُغتاب المرء دون أن يكون حاضرًا، وما أظلم أن يُساء الظن به دون أن يُعطى الفرصة ليُبرر فعله! الغيبة ليست مجرد كلمات تُقال في غياب أحدهم، بل هي طعن في شرفه وغياب عن مراقبة الله. أما سوء الظن، فهو أول الخيط الذي يقود إلى التجسس، فالتجسس بدوره يفتح الباب للغيبة، ثم للسخرية، ثم للتنمر.

    إنّ التنمر في الإسلام مرفوض بكل صوره، سواء كان بالتلميح أو بالتصريح، في الخفاء أو في العلن. وما أكثر من جعلوا من السخرية من الآخرين متعةً يتلهون بها، متناسين قوله تعالى:
    {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ، وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ، وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ، وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ، بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ}.

    ما أحوجنا في هذا العصر إلى فضيلة حسن الظن! إلى أن نتوقف لحظة قبل إصدار الأحكام، إلى أن نكبح جماح ألسنتنا ونُعلّمها الرحمة. إنّ احترام الآخرين لا يعني بالضرورة الموافقة على كل أفعالهم، بل يعني أن نُدرك أن لكل إنسان قصة لا نعلم تفاصيلها، وخفايا لا تُرى إلا بعين الله.

    فالقلوب بيد الرحمن، ومن نحن حتى نحكم على عباده بما لا نعلم؟ إنّ الحكم على الآخرين استنادًا إلى مظاهرهم أو إلى إشاعات ملفقة، هو جهل يتستر بلباس الحكمة، وظلم يُغلف نفسه بمظهر العدل.

    تأمل في قصة نبي الله موسى عليه السلام حين رافق الخضر، ورأى من أفعاله ما لم يفهمه، فاستنكر وتساءل، حتى كشف له الخضر ما خفي عليه من حكمة الرب في كل فعل. كذلك نحن، نجهل الدوافع، ونبصر الظاهر، فنقع في فخ الظلم وسوء الفهم.

    الحياة الدنيا، مهما طالت، فهي ظل عابر، وامتحان قصير في طريق أبدي. وعندما يُقبض الروح، لا يحمل الإنسان معه إلا عمله، ويُعرض على الديان الذي لا يموت، فيُحاسب عن كل كلمة قالها، وكل غيبة همس بها، وكل ظن سيء تركه ينبت في قلبه حتى صار حطبًا للنار. عندها، لا تنفع المبررات، ولا يُجدي الندم. عقوبة الغيبة لا تنتهي عند حدود الدنيا، بل تتجاوزها إلى الآخرة، حيث تؤخذ الحسنات وتُمنح للمظلوم، أو تُحمّل السيئات إن لم تكن هناك حسنات تُعطى.

    أوقف لسانك قبل أن يخوض في أعراض الناس، وعلّم قلبك التواضع، وعينك أن ترى الجمال في الآخرين بدلًا من فضح الزلات. تذكّر دومًا أن من راقب الله في سره وعلنه، سلِم من الذنوب وارتفع في مراتب الإيمان.

    فهلّا جعلنا من ألسنتنا طريقًا للسلام لا سهامًا للعدوان؟ وهلّا تذكّرنا أن من يُغتاب اليوم، قد يكون هو الأقرب إلى الله غدًا؟

    الاكثر مشاهدة

    تم نسخ الرابط