رئيس مجلس الإدارة
نيفين منصور
رئيس التحرير
إبراهيم مصطفى
01:18 م calendar السبت 18 يوليو 2026

هل تصبح بيانات الهواتف الذكية أداة تشخيص نفسي في المستقبل؟

اكتشاف علمي جديد يُظهر أن الهواتف الذكية قد تصبح أدوات فعّالة لرصد مؤشرات الصحة النفسية دون تدخل مباشر.

من الهاتف إلى العقل:
من الهاتف إلى العقل: ربط البيانات السلوكية بالصحة النفسية - illustration

    من مدة بقاءك في المنزل إلى عدد مكالماتك، بيانات الهواتف الذكية تفتح نافذة غير مسبوقة على حالتك النفسية اليومية.

    في اكتشاف جديد نشرته JAMA Network Open، كشفت دراسة بقيادة جامعات أمريكية أن بيانات الهواتف الذكية مثل مدة البقاء بالمنزل أو عدد المكالمات ترتبط بأنماط سلوكية تشير إلى أعراض نفسية تتجاوز حدود التشخيصات التقليدية. باستخدام تقنيات الاستشعار السلبي، تمكّن الباحثون من تتبع مؤشرات لحالات مثل الاكتئاب والانسحاب الاجتماعي، مما يفتح الباب أمام أدوات تقييم داعمة وغير تدخّلية تعكس الحالة النفسية اليومية بواقعية أدق من الاستبيانات.


    تحليل بيانات الهاتف يكشف أنماطًا سلوكية لأعراض نفسية عابرة للتشخيص
    كيف تغيّر بيانات الهواتف الذكية فهمنا للصحة النفسية؟ - أرشيفية 

    بيانات الهواتف الذكية تكشف أنماطًا سلوكية مرتبطة بأعراض نفسية عابرة للتشخيص

     

    نشرت JAMA Network Open  نتائج دراسة تُظهر أن البيانات المُجمَّعة سلبيًا من حساسات الهواتف الذكية قادرة على التعرف إلى سلوكيات مرتبطة بطيف واسع من أعراض الاضطرابات النفسية، وليس اضطرابًا واحدًا بعينه. شارك في قيادة هذا العمل كولين إي. فايز، أستاذ مساعد في قسم علم النفس بكلية كينيث ب. ديتريش للعلوم والآداب بجامعة بيتسبرغ (Kenneth P. Dietrich School of Arts and Sciences, University of Pittsburgh)، فيما قادت الدراسة الباحثة الأولى ويتني رينغوالد، أستاذة في جامعة مينيسوتا (University of Minnesota) التي أتمّت تدريبها في الدراسات العليا بجامعة بيتسبرغ. وضمّ الفريق أيضًا الأستاذ السابق في بيتسبرغ آيدن رايت المنتقل إلى جامعة ميشيغان (University of Michigan)، وغرانت كينغ، أحد طلاب رايت في الدراسات العليا. ويؤكد فايز أن النتائج تمثّل خطوة مهمة إلى الأمام، مع الإشارة إلى أن الطريق ما زال طويلًا قبل ترجمة وعود الاستخدام السريري لهذه البيانات.

    البيانات السلوكية من الهواتف الذكية كأداة مكمّلة للتقييم السريري

     

    تتخيّل الدراسة، من حيث المبدأ، تطبيقًا يزوّد الأطباء ببيانات أكثر وأدق عن حياة المرضى بين الزيارات. فالتقييمات الذاتية قد تتأثر بالنسيان والتحيز، بينما يتيح الاستشعار السلبي جمع معلومات يومية بطريقة غير تدخليّة ومن دون إثقال الأشخاص بالأسئلة. الفكرة هنا ليست الاستبدال، بل الإسناد؛ أي إضافة أداة جديدة إلى "صندوق أدوات" الأخصائي لدعم التقييم والمتابعة.

    تصميم الدراسة والعينة ومصادر بيانات الاستشعار السلبي

     

    بدأ الباحثون باختبار ما إذا كان بالإمكان الاستدلال على سلوكيات مرتبطة بأعراض نفسية معيّنة اعتمادًا على بيانات حساسات الهواتف من دون مطالبة المشاركين بتقارير مطوّلة. استخدم الفريق أداة التحليل الإحصائي (Mplus) للبحث عن روابط بين بيانات الاستشعار والأعراض التي أبلغ عنها المشاركون في خط الأساس، ثم فحصوا ما إذا كانت هذه الروابط تمتد إلى مجموعة أوسع من أبعاد الأعراض المستندة إلى الأدلة. ولجمع البيانات، اعتمدوا دراسة "التحقيق الطولي المكثف لأبعاد تشخيصية بديلة" في بيتسبرغ خلال ربيع 2023، المعروفة اختصارًا باسم (ILIADD). شملت العينة 557 شخصًا قدّموا تقييمات ذاتية وشاركوا بيانات هواتفهم، بما يتضمن بيانات نظام تحديد المواقع التي تُظهر مدة البقاء في المنزل وأقصى مسافة مبتعدة عنه، والوقت المقضي في المشي والركض وحالات السكون، ومدة تشغيل الشاشة، وعدد المكالمات الواردة والصادرة، وحالة البطارية، ووقت النوم. وباستخدام تطبيق طوّره باحثون في جامعة أوريغون (University of Oregon)، ربط الفريق بيانات الحساسات بمؤشرات الأعراض النفسية، ثم قارن النتائج باستبيانات المشاركين.

    دراسة: بيانات الهاتف تتيح فهماً جديداً لأعراض نفسية متعددة
    هل تصبح بيانات الهواتف الذكية أداة تشخيص نفسي في المستقبل؟ أرشيفية 

    الأبعاد الستة للأعراض والمؤشر العام المشترك للصحة النفسية

     

    إلى جانب تحليل الاضطرابات المحددة، اختبر الباحثون ستة أبعاد واسعة التمثيل للأعراض: الأعراض الداخلية، والانسحاب الاجتماعي، وضعف الضبط، والتعارضية، واضطراب التفكير، والأعراض الجسدية غير المفسرة. أظهرت النتائج وجود ارتباطات ملموسة بين بيانات الحساسات وهذه الأبعاد الستة، ما يدعم مقاربة عابرة للتشخيص تلتقط سمات مشتركة تتجاوز الملصقات التصنيفية التقليدية. كما فحص الفريق ما يُعرف بالمؤشر العام المشترك للأعراض النفسية (p-factor)، وهو ليس سلوكًا بعينه، بل سمة عامة يمكن تشبيهها بمنطقة التداخل في مخطط "فن" حيث تتقاطع دوائر الأعراض المتعددة. وقد تبين أن بيانات الحساسات ترتبط أيضًا بهذا المؤشر العام، بما يشير إلى إمكانية التقاط ملامح مشتركة عميقة لا تنتمي إلى تشخيص واحد.

    نتائج رئيسية ودلالات علاجية محتملة

     

    تظهر النتائج أن عددًا من السلوكيات اليومية قد يرتبط بأعراض تمتد عبر اضطرابات مختلفة، وأن أشخاصًا يشتركون في التشخيص ذاته قد يبدون أنماطًا سلوكية ومشاعر متباينة. من هذا المنظور، يقدّم التحليل المستند إلى الحساسات صورة أدق للأعراض كما تتبدّى في الحياة اليومية، وقد يساعد لاحقًا في فهم عروض حالات لا تنطبق عليها قوالب تشخيصية ضيقة. ومع ذلك، تشدد الدراسة على أن المعطيات المتاحة تتعامل مع المتوسطات الإحصائية ولا تصدر أحكامًا فردية، وأن السلوك الإنساني متغير بشدة، وقد تصف التحليلات بعض الأشخاص بدقة أكبر من غيرهم. لهذا يرى فايز أن مثل هذه التقنيات لن تحل محل الإكلينيكي البشري، بل قد تُستخدم كأداة إضافية تعزّز الرعاية القائمة.

    حدود الاستخدام وخطوات لازمة قبل التطبيقات العملية

     

    يوسّع هذا العمل نطاق بحوث سابقة ربطت الاستشعار السلبي باحتمالات اضطرابات محددة مثل الاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة، موضحًا أن الإشارات السلوكية يمكن ربطها بأعراض عريضة غير مقتصرة على تشخيص واحد. ومع ذلك، يشدد الباحثون على ضرورة مزيد من العمل قبل الوصول إلى الاستخدام السريري الروتيني، بما في ذلك تحسين النماذج والتحقق من فاعليتها عبر عينات أوسع وسياقات متعددة. وبحسب فايز، فإن الهدف هو الوصول إلى نقطة يمكن فيها لهذه التقنيات أن "تعزّز أو تكمّل" الرعاية الحالية، لا أن تحل محل العلاج أو التقييم الإكلينيكي.

    تم نسخ الرابط