رئيس مجلس الإدارة
نيفين منصور
رئيس التحرير
إبراهيم مصطفى
11:20 ص calendar السبت 18 يوليو 2026

محمد علي باشا البقلي: أول مصري يرأس مدرسة طب قصر العيني ورائد الطب الحديث في مصر

من زاوية البقلي إلى رئاسة الطب والجراحة في مصر… سيرة محمد علي باشا البقلي.. أحد أعظم أطباء القرن التاسع عشر.

سيرة محمد علي باشا
سيرة محمد علي باشا البقلي..أول طبيب مصري يقود مدرسة طب قصر العيني - Illustration

    ملخص

    محمد علي باشا البقلي يُعد واحدًا من أبرز رموز الطب والجراحة في مصر خلال القرن التاسع عشر، وهو أول مصري يتولى إدارة مدرسة طب قصر العيني بعد احتكار طويل للأجانب. وُلد في قرية زاوية البقلي بالمنوفية، وبدأ رحلته بحفظ القرآن قبل أن ينتقل إلى مدرسة أبي زعبل، ومنها إلى بعثة باريس عام 1832، حيث تفوق في الطب الحديث وأصبح رائدًا في جراحة العيون. ترك بصمة قوية في تاريخ الطب المصري من خلال تعريب العلوم، تأسيس مجلة “اليعسوب” الطبية، ومكافحة الأوبئة، خاصة الكوليرا. توفي خلال مهمة طبية بالحبشة عام 1876، تاركًا إرثًا علميًا وإنسانيًا نادر المثال في سجل الطب المصري الحديث.

    محمد علي باشا البقلي - Illustration
    محمد علي باشا البقلي - Illustration

    يُعرف محمد علي باشا البقلي، واسمه الكامل محمد علي بن السيد علي الفقيه البقلي بن السيد محمد الفقيه البقلي، بصفته واحدًا من أبرز أعلام الطب والجراحة في مصر الحديثة. واشتهر بعدة ألقاب منها “محمد علي البقلي باشا” و”محمد علي باشا الحكيم” بسبب إنجازاته الطبية،  صعد من قلب الريف المصري معتمدًا على العلم والكفاءة، ليصل إلى مناصب رفيعة في الدولة.

    نشأة محمد علي البقلي وتكوينه الديني في زاوية البقلي بالمنوفية

     

    وُلد محمد علي البقلي حوالي عام 1813 في قرية زاوية البقلي، التي تقع اليوم ضمن مركز الشهداء بمحافظة المنوفية بدلتا مصر. نشأ في بيئة دينية تقليدية، حيث أُرسل منذ صغره إلى الكُتّاب لحفظ القرآن الكريم وتعلّم الكتابة والقراءة. وقد أكمل حفظ المصحف وهو في سن مبكرة، ما رسّخ لديه انضباطًا فكريًا وروحيًا ساعده لاحقًا في مسيرته العلمية. هذه النشأة التقليدية ميزته عن أغلب زملائه من الجيل الطبي الحديث الذين تلقوا تعليمهم مباشرة عبر البعثات، بينما جمع هو بين التكوين الديني التقليدي والتعليم الأوروبي الحديث.

    التحاق محمد علي البقلي بمدرسة أبي زعبل وانتقاله إلى مدرسة الطب الحديثة

     

    في سن التاسعة تقريبًا، انتقل محمد علي البقلي إلى القاهرة بصحبة قريبه أحمد أفندي البقلي، الذي أدخله مدرسة أبي زعبل، وهي المؤسسة التي أسسها محمد علي باشا الكبير لإعداد الكوادر العلمية. هناك أمضى البقلي ثلاث سنوات أتم فيها حفظ القرآن وتلقى العلوم اللغوية. ثم نُقل إلى المدرسة التجهيزية، التي كانت تمثل المرحلة الثانوية المؤهلة للعلوم الحديثة، حيث أبدى نبوغًا ملحوظًا جعله محط إعجاب أساتذته. أخيرًا، التحق بمدرسة الطب التي أنشأها الطبيب الفرنسي الشهير أنطوان كلوت، المعروف باسم كلوت بك، عام 1827، ليصبح أحد ألمع طلابها.

    محمد علي باشا البقلي - Illustration
    محمد علي باشا البقلي - Illustration

    بعثته العلمية إلى فرنسا ونبوغه المبكر في باريس في جراحة العيون

     

    في عام 1832 تم اختيار محمد علي البقلي ضمن نخبة من اثني عشر طالبًا من مدرسة الطب للسفر في بعثة علمية إلى باريس لاستكمال دراساتهم الطبية. كان أصغرهم سنًا، لكنه نال إعجاب أساتذته الفرنسيين بذكائه وتفوقه العلمي. وخلال دراسته في باريس، حافظ البقلي على صلته بأسرته، إذ كان يتقاضى 150 قرشًا شهريًا من الحكومة المصرية، وكان يرسل منها 50 قرشًا لوالدته. وعند اقتراب انتهاء دراسته، طُلب من كل طالب إعداد رسالة طبية، فاختار البقلي موضوع “الرمد الصديدي في مصر” وكتب فيه بحثًا علميًا نال به إعجاب لجنة التحكيم. وبناءً عليه، مُنح شهادة الطب الرسمية وعاد إلى مصر عام 1837 بعد اجتياز الامتحان التحريري النهائي.

    صعوده المهني في مصر وتولّيه رئاسة مدرسة الطب بقصر العيني

     

    بعد عودته من فرنسا، عُيّن محمد علي البقلي باش جراحًا وأستاذًا للجراحة والتشريح الجراحي في مستشفى ومدرسة قصر العيني، وهي أعلى جهة طبية في البلاد آنذاك. وتدرّج سريعًا ليصبح أول مدير مصري لمدرسة الطب، وهو منصب ظل لعقود حكرًا على الأطباء الأوروبيين. كما شغل منصب رئيس أطباء المستشفى، وتقلد رتبًا عسكرية رفيعة منها “صاغقول أغاسي” ثم “بكباشي”، ما يعكس تداخُل السلك الطبي والعسكري في تلك الحقبة. عُرف البقلي بكفاءته وحنكته الإدارية والعلمية، وكان معلمًا للأجيال الجديدة من الأطباء المصريين الذين ساروا على نهجه.

    محمد علي باشا البقلي - Illustration
    محمد علي باشا البقلي - Illustration

    مكافحة الكوليرا ودور محمد علي باشا البقلي في مواجهة الأوبئة في مصر

     

    حين اجتاحت وباء الكوليرا مصر عام 1865، في واحدة من أسوأ موجات الأوبئة التي عرفها القرن التاسع عشر، والتي عُرفت وقتها باسم “الهواء الأصفر”، تصدّى محمد علي باشا البقلي للموقف باعتباره أحد كبار الأطباء المصريين في ذلك العصر. لم تكن مواجهته للكوليرا تقليدية أو عشوائية، بل اعتمد على خلفيته العلمية الدقيقة التي اكتسبها من دراسته في باريس، ونفّذ نظمًا حديثة في الوقاية والعلاج والرعاية الصحية الميدانية. كان من أوائل من استخدموا منهجًا علميًا لمكافحة العدوى في مصر، مخالفًا للمفاهيم الشعبية والطبية المتأخرة السائدة حينها. ونتيجة لمجهوده الفعّال الذي ساهم في الحد من انتشار المرض وإنقاذ حياة آلاف المصريين، مُنح البقلي وسام النيشان المجيدي من الدرجة الثانية، وهو من أعلى الأوسمة العثمانية التي تُمنح للعلماء والضباط الكبار. ويُعد هذا التكريم تتويجًا رسميًا لدوره في حماية الصحة العامة، ويُرسّخ مكانته كأحد أبرز روّاد الطب الوقائي في تاريخ مصر الحديث.

    محمد علي باشا البقلي
    محمد علي باشا البقلي

    إسهامات محمد علي باشا البقلي في تأسيس أول مجلة طبية عربية بمصر

     

    من أبرز إنجازات محمد علي باشا البقلي الفكرية إطلاقه لأول مجلة طبية دورية باللغة العربية في مصر والعالم العربي تحت اسم “اليعسوب” عام 1865. جاءت هذه المبادرة في زمن كانت فيه المعرفة الطبية حكرًا على اللغات الأوروبية، وجاءت المجلة كأداة لتعريب الطب ونقل العلوم الحديثة للجمهور والطلاّب والأطباء باللغة الأم. عمل البقلي على تحرير المجلة بالتعاون مع الشيخ إبراهيم الدسوقي، وهو أزهري ومصحح في المطبعة الأميرية، لتظهر المجلة بشكل علمي وأنيق شهريًا على مدى أحد عشر عامًا، حتى وفاة البقلي عام 1876. اختار البقلي للمجلة شعارًا من القرآن الكريم: «يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ»، ليُعبّر عن رسالتها العلمية والإنسانية. وقد تناولت المجلة موضوعات متعددة في الطب الحديث، وشرحت مصطلحاته بلغة بسيطة وسلسة، مما مهد الطريق لتعريب العلوم الطبية قبل انطلاق هذه الدعوة في بلاد الشام بسنوات طويلة. وتُعد مجلة “اليعسوب” اليوم مرجعًا مؤسسًا في تاريخ الصحافة الطبية العربية، ودليلًا على ريادة البقلي في نشر المعرفة الطبية بين الناطقين بالعربية.

    المنجزات العلمية لمحمد علي البقلي في تأليف كتب الطب والجراحة

     

    إلى جانب دوره العملي في التعليم الطبي وممارسة الجراحة، أولى محمد علي البقلي أهمية كبيرة لتوثيق خبراته ونقلها للأجيال القادمة، من خلال تأليف مجموعة من الكتب الطبية والجراحية باللغة العربية. من أشهر مؤلفاته التي تركت أثرًا بارزًا في تاريخ الطب العربي الحديث، كتاب “غاية الفلاح في فن الجراح”، الذي صدر في جزأين عام 1864، ويُعتبر مرجعًا تعليميًا متقدّمًا للجراحين. كما ألّف كتاب “غرر النجاح في أعمال الجراح”، والذي صدر في مجلدين عام 1846، وسبقه كتاب “روضة النجاح الكبرى في العمليات الجراحية الصغرى” عام 1843. تميزت هذه الكتب بأسلوب علمي دقيق، يجمع بين اللغة الطبية الحديثة والأسلوب العربي الفصيح، مما ساهم في توسيع قاعدة فهم الطب لدى الدارسين المصريين والعرب. لم يقتصر البقلي على التأليف الطبي، بل حاول أن يؤسس مشروعًا فكريًا موسوعيًا، فبدأ تأليف كتب أخرى في مجالات متنوعة، منها “قانون في الطب”، و”قانون في الألفاظ الشرعية”، و”المصطلحات السياسية”، لكن بعضها لم يُستكمل. يُظهر هذا التوجّه مدى اتساع اهتماماته، حيث جمع بين الطب والدين والسياسة، وقدم نموذجًا متكاملاً للعالم المصري الحديث.

    المهمة العسكرية الأخيرة ونهاية محمد علي باشا البقلي في الحبشة

     

    في نهاية مسيرته الطبية الطويلة، وتحديدًا عام 1875، استُدعي محمد علي باشا البقلي لمرافقة الحملة العسكرية المصرية إلى الحبشة، بصفته كبير الأطباء المشاركين في تأمين الحملة صحيًا. وقد رافق الأمير حسن باشا، نجل الخديوي إسماعيل، في هذه المهمة الطبية العسكرية، التي استهدفت تأمين منابع النيل ضمن حملة مصرية كبرى في الهضبة الإثيوبية. ولكن ما بدأ كمهمة وطنية تطبيبية تحولت إلى فصل مأساوي في حياة البقلي، حيث توفي عام 1876 في ظروف شديدة القسوة. بعض الروايات التاريخية تشير إلى أن القوات المصرية تعرّضت لهجوم مباغت، وكان البقلي مسنًا غير قادر على الهرب، فطلب من أحد الجنود أن يُنهي حياته حتى لا يقع أسيرًا. بينما تشير روايات أخرى إلى أنه تُوفي بشكل طبيعي ودفن في بلدة جراع، حيث أقام له الأهالي المحليون قُبة كبيرة أصبحت مزارًا روحيًا يزوره الأحباش بمختلف طوائفهم، تقديرًا لمكانته الإنسانية والعلمية. وبذلك تكون نهاية محمد علي باشا البقلي تجسيدًا لفكرة العالم الذي أفنى حياته في خدمة وطنه وعلمه، حتى لحظاته الأخيرة خارج حدود بلاده.

    الاكثر مشاهدة

    تم نسخ الرابط