الموسيقى أثناء التمرين قد تحسن التحمل عالي الشدة بنحو 20 بالمئة
الموسيقى ليست مجرد خلفية للرياضة، إذ تكشف نتائج جديدة أنها قد تساعد المتدربين على تجاوز التعب النفسي والاستمرار في التمارين الشاقة وقتًا أطول.
ملخص
قد يكون تأثير الموسيقى أثناء التمرين أكبر مما يبدو، ليس فقط على المزاج، بل حتى على القدرة على الاستمرار تحت الجهد البدني المرتفع. هذا ما تشير إليه دراسة جديدة نُشرت في مجلة Psychology of Sport & Exercise، بعدما أظهرت أن الاستماع إلى الموسيقى المفضلة قد يساعد على تحسين التحمل الرياضي بشكل ملحوظ خلال التمارين عالية الشدة.
اعتمد باحثون من جامعة يوفاسكولا والمعهد الفنلندي للرياضة عالية الأداء وكلية سبرينغفيلد على اختبارات شملت 29 شخصًا يتمتعون بنشاط بدني منتظم، طُلب منهم أداء تمارين ركوب دراجة ثابتة عند شدة تقارب 80 بالمئة من قدرتهم القصوى.
وخلال التجربة، خاض المشاركون جلسة تدريب في صمت، وأخرى أثناء الاستماع إلى موسيقى اختاروها بأنفسهم، وغالبًا بإيقاع سريع يتراوح بين 120 و140 نبضة في الدقيقة. واللافت أن المشاركين تمكنوا من الاستمرار في التمرين لنحو ست دقائق إضافية في المتوسط عند الاستماع إلى الموسيقى، وهو فارق اعتبره الباحثون ملحوظًا في هذا النوع من التمارين المرهقة.
ورغم هذا التحسن، لم تُظهر المؤشرات الفسيولوجية الأساسية اختلافات كبيرة بين الحالتين، إذ بقيت معدلات ضربات القلب ومستويات اللاكتات متقاربة. وهذا يشير إلى أن الموسيقى لم تجعل التمرين أسهل من الناحية الجسدية، لكنها ربما ساعدت المشاركين على تحمل الشعور بالإرهاق والانزعاج لفترة أطول.
ويرى الباحثون أن هذه النتائج قد تفسر سبب اعتماد كثير من الرياضيين على الموسيقى خلال التدريبات المكثفة، كما قد تمنح الأشخاص العاديين وسيلة بسيطة تجعل الالتزام بالتمارين أكثر قابلية للاستمرار مع الوقت.

كيف تغيّر الموسيقى أثناء التمرين قدرة التحمل
في الدقائق الأخيرة من التمرين الشاق، لا يكون التحدي في العضلات وحدها. كثيرون يتوقفون لأن الجهد يصبح ثقيلًا نفسيًا، أو لأن الإحساس بالتعب يبدأ في السيطرة قبل أن يصل الجسم فعليًا إلى حدوده. هنا تصبح الموسيقى أكثر من مجرد خلفية ممتعة، إذ قد تساعد الشخص على البقاء داخل الجهد مدة أطول.
لفهم هذا التأثير بصورة أدق، أجرى باحثون من جامعة يوفاسكولا (University of Jyväskylä)، بالتعاون مع كليتَي العلوم الإنسانية والاجتماعية وعلوم الرياضة والصحة في الجامعة، والمعهد الفنلندي للرياضة عالية الأداء (Finnish Institute of High Performance Sport, KIHU)، وكلية سبرينغفيلد (Springfield College)، دراسة نُشرت في Psychology of Sport & Exercise. وركزت الدراسة على تأثير الموسيقى التي يختارها المشاركون بأنفسهم في قدرة البالغين النشطين ترفيهيًا على الاستمرار خلال ركوب الدراجة بشدة عالية.
ومع الموسيقى التي اختاروها بأنفسهم، استطاع المشاركون مواصلة التمرين لما يقرب من ست دقائق إضافية مقارنة بالتمرين في صمت، مع تحسن في التحمل بلغ نحو 20 بالمئة.
اختيار الموسيقى بنفسك قد يزيد تحمل التمرين
ركزت الدراسة على بالغين نشطين بدنيًا بشكل ترفيهي، أي أنهم يمارسون الرياضة لكنهم ليسوا بالضرورة رياضيين محترفين. خضع المشاركون لاختبارات ركوب دراجة عند شدة عالية، وفي إحدى الجولات استمعوا إلى الموسيقى التي اختاروها بأنفسهم، بينما أدوا جولة أخرى في صمت.
معظم المقاطع التي اختارها المشاركون جاءت بإيقاع يتراوح بين 120 و140 نبضة في الدقيقة تقريبًا. ومع أن هذا النطاق السريع يناسب التمرين المكثف، فإن النقطة الأهم كانت أن الموسيقى جاءت من اختيار المشاركين أنفسهم. فالأغنية التي يختارها الشخص لأنها تحفزه أو ترفع طاقته قد تؤثر فيه بطريقة مختلفة عن قائمة لم يخترها بنفسه.
لذلك لا يبدو اختيار الأغاني قبل التمرين تفصيلًا ترفيهيًا فقط، بل جزءًا من طريقة تعامل الشخص مع الجهد. ومن هنا تبدو قائمة موسيقية للتمرين، مبنية على ما يحبه المتدرب فعلًا، أداة بسيطة قد تجعل الحصص الشاقة أكثر قابلية للاستمرار.
كيف صممت تجربة ركوب الدراجة عالية الشدة
شملت الدراسة 29 بالغًا، وأكمل كل مشارك اختبارين منفصلين على الدراجة عند مستوى الشدة نفسه، بما يعادل نحو 80 بالمئة من القدرة القصوى المسجلة لهم على الدراجة. في اختبار واحد تمرن المشاركون في صمت، وفي الاختبار الآخر استمعوا إلى الموسيقى التي يفضلونها.
بهذا التصميم بقي الجهد ثابتًا تقريبًا، بينما تغيّر وجود الموسيقى فقط. لم يكن السؤال هنا ما إذا كانت الموسيقى تجعل التمرين أسهل على الجسم، بل ما إذا كانت تساعد الشخص على تحمل الجهد نفسه لمدة أطول خلال ركوب الدراجة عالية الشدة.
عند الاستماع إلى الموسيقى، واصل المشاركون ركوب الدراجة في المتوسط لمدة 35.6 دقيقة. أما في الصمت، فانخفض متوسط الوقت إلى 29.8 دقيقة. وبذلك أضافت الموسيقى ما يقرب من ست دقائق إلى قدرة المشاركين على الاستمرار، وهو فارق يعادل تحسنًا يقارب 20 بالمئة في التحمل.

الموسيقى لم تقلل الجهد لكنها ساعدت على تحمله
رغم أن المشاركين تمرنوا مدة أطول واستهلكوا طاقة أكثر عند الاستماع إلى الموسيقى، فإن معدل ضربات القلب ومستويات اللاكتات في نهاية الاختبارين كانت متشابهة. واللاكتات مؤشر يرتبط بالجهد العضلي خلال التمارين المكثفة، لذلك تساعد هذه النتيجة في توضيح ما فعلته الموسيقى وما لم تفعله.
الموسيقى لم تخفف المتطلبات البدنية للتمرين نفسه. الجهد ظل موجودًا، والقلب لم يعمل بصورة مختلفة جذريًا، لكن المشاركين استطاعوا البقاء مع هذا الجهد مدة أطول. بهذا المعنى، لا يرتبط تأثير الموسيقى أثناء التمرين بتقليل الصعوبة الجسدية، بل بتحسين قدرة الشخص على تحملها.
وأشار الباحثون إلى أن الموسيقى ساعدت المتدربين على البقاء مدة أطول في منطقة الانزعاج المرتبطة بالجهد الشديد، من دون أن يشعروا بأن نهاية التمرين أصبحت أكثر قسوة مقارنة بالتمرين في صمت.
لماذا تساعد الموسيقى المفضلة أثناء التمرين
يرى الباحث الرئيسي أندرو دانسو (Andrew Danso)، من مركز التميز في الموسيقى والعقل والجسم والدماغ بجامعة يوفاسكولا، أن النتائج تحمل قيمة عملية للرياضيين والمدربين وكل من يحاول الالتزام بروتين رياضي. فالموسيقى التي يختارها الشخص لا ترفع مستوى لياقته فورًا، ولا تجعل القلب يعمل بقوة أكبر بشكل ملحوظ، لكنها تساعده على احتمال الجهد المستمر لفترة أطول.
وبحسب دانسو، يجد كثير من الناس صعوبة في الاستمرار في التدريب الشاق لأن الإحساس بالإرهاق يظهر مبكرًا. لذلك قد تساعد الموسيقى المفضلة أثناء التمرين على جمع وقت تدريبي أفضل، وهو ما قد ينعكس لاحقًا على مكاسب اللياقة والالتزام بالبرامج الرياضية.
وهذه الفكرة مهمة لأنها لا تحتاج إلى تجهيزات معقدة أو تكلفة إضافية. قائمة موسيقية للتمرين، يختارها الشخص من الأغاني التي تحفزه، قد تكون وسيلة بسيطة تجعل الحصص عالية الشدة أكثر قابلية للاستمرار، خاصة لمن يتوقفون سريعًا عندما يصبح الجهد مزعجًا.
ما الذي تعنيه النتائج للرياضيين والهواة
بالنسبة للرياضيين والمدربين، تشير النتائج إلى أن اختيار الموسيقى يمكن أن يكون جزءًا من التحضير النفسي للحصة التدريبية، لا مجرد تفصيل جانبي. فإذا كان الهدف هو إطالة مدة العمل عند شدة عالية، فقد تساعد الموسيقى المفضلة على جعل الدقائق الأخيرة أكثر احتمالًا.
أما بالنسبة لمن يمارسون الرياضة للحفاظ على النشاط والصحة، فالرسالة أبسط. إذا كان التمرين يبدو ثقيلًا أو مرهقًا بسرعة، فقد تجعل الموسيقى أثناء التمرين الجلسة أكثر متعة وأسهل في الاستمرار. وهذا قد يدعم الالتزام بالنشاط البدني، خصوصًا لدى من يجدون صعوبة في تجاوز اللحظات الأولى من التعب.
وتزداد أهمية هذه الفكرة في سياق أوسع، إذ تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن نحو 1.8 مليار بالغ حول العالم لم يحققوا المستويات الموصى بها من النشاط البدني في عام 2022. لذلك، إذا كانت الموسيقى المفضلة أثناء التمرين تساعد بعض الناس على الاستمرار مدة أطول، فقد تكون أداة بسيطة تدعم الالتزام بالحركة، لا بديلًا عن التدريب نفسه.
ومن هذه الزاوية، لا تبدو النتائج مهمة للرياضيين وحدهم. فإذا كان جزء من صعوبة النشاط البدني يرتبط بالملل أو الانزعاج أو الإحساس بأن الجهد طويل، فإن الموسيقى المفضلة أثناء التمرين قد تمنح بعض الناس طريقة أسهل للبقاء داخل الجلسة حتى نهايتها.
حدود الدراسة قبل تعميم النتائج
رغم أن النتائج واعدة، فإنها جاءت من تجربة محددة على 29 بالغًا نشطًا ترفيهيًا أثناء ركوب الدراجة بشدة عالية. لذلك لا تعني بالضرورة أن التأثير سيكون مطابقًا لدى كل الأشخاص، أو في كل أنواع التمارين، أو مع كل أنماط الموسيقى.
كما أن الدراسة لا تقول إن الموسيقى بديل عن التدريب أو عن بناء اللياقة تدريجيًا. ما تقترحه ببساطة هو أن الموسيقى التي يختارها الشخص قد تساعده على تحمل الجهد نفسه لمدة أطول، من دون أن تجعل نهاية التمرين أشد من الناحية الشعورية.
لذلك قد تكون الموسيقى المفضلة أثناء التمرين أداة بسيطة لتحسين التحمل الرياضي، خصوصًا في الحصص عالية الشدة. هي لا تصنع اللياقة وحدها، لكنها قد تجعل الطريق إليها أكثر احتمالًا ومتعة، وفي بعض التمارين قد تكون الدقائق الإضافية هي الفارق بين التوقف المبكر والبقاء قليلًا بعد اللحظة التي يبدأ فيها الجسم بطلب الراحة.
أسئلة شائعة (FAQ):
##هل تساعد الموسيقى أثناء التمرين على تحسين الأداء؟
تشير بعض الدراسات إلى أن الموسيقى قد تساعد على زيادة التحمل وتحسين القدرة على الاستمرار في التمارين، خاصة أثناء النشاطات عالية الشدة.
##لماذا تجعل الموسيقى التمارين أكثر احتمالًا؟
قد تساعد الموسيقى على تقليل الإحساس النفسي بالإرهاق والانزعاج، ما يجعل الشخص أكثر قدرة على تحمل الجهد لفترة أطول.
##هل نوع الموسيقى يؤثر في التمارين الرياضية؟
نعم، يفضل كثير من الأشخاص الموسيقى السريعة أو المحفزة أثناء التمارين، كما قد يكون لاختيار الموسيقى المفضلة تأثير أكبر في التحفيز والتحمل.




