رئيس مجلس الإدارة
نيفين منصور
رئيس التحرير
إبراهيم مصطفى
01:44 م calendar السبت 18 يوليو 2026

“دراسة تكشف قدرة البكتيريا على وراثة الذكريات عبر الأجيال دون تغيير الحمض النووي”

"اكتشاف مذهل: البكتيريا تخزن المعلومات البيئية وتنقلها للأجيال القادمة"

البيولوجية البكتيرية
البيولوجية البكتيرية

نتائج الدراسة تكشف قدرة البكتيريا على “تذكر” التغيرات

 

كشفت دراسة جديدة أجرتها جامعة نورثوسترن وجامعة تكساس - ساوثويسترن عن اكتشاف مهم يتمثل في قدرة الخلايا البكتيرية على “تذكر” التغيرات المؤقتة التي تحدث في أجسامها وفي البيئة المحيطة بها. وعلى الرغم من أن هذه التغيرات لا يتم تشفيرها في الجينات، إلا أنها تُنقل إلى الأجيال التالية. يمثل هذا الاكتشاف تحدياً للفرضيات القديمة المتعلقة بكيفية انتقال الكائنات الحية البسيطة للصفات الجسدية ووراثتها، ويفتح الباب أمام تطبيقات طبية جديدة. على سبيل المثال، يمكن للباحثين استغلال هذا الاكتشاف للتغلب على مقاومة المضادات الحيوية من خلال إجراء تعديلات طفيفة على البكتيريا الممرضة لجعل الأجيال اللاحقة منها أكثر حساسية للعلاجات. وقد نشرت الدراسة في مجلة “Science Advances” يوم الأربعاء، 28 أغسطس.

 

رؤية جديدة حول الوراثة

 

صرح أديلسون موتتر، المؤلف الرئيسي للدراسة وأستاذ الفيزياء في كلية واينبرغ للفنون والعلوم بجامعة نورثوسترن ومدير مركز ديناميات الشبكات، بأن “الافتراض الأساسي في علم البكتيريا كان يتمثل في أن الخصائص الفيزيائية القابلة للوراثة تُحدد بشكل أساسي بواسطة الحمض النووي.” وأضاف: “لكن من منظور الأنظمة المعقدة، نعلم أن المعلومات يمكن أيضًا أن تُخزن على مستوى شبكة العلاقات التنظيمية بين الجينات. أردنا استكشاف إمكانية انتقال خصائص وراثية لا تُشفَر في الحمض النووي، بل تُنقل عبر الشبكة التنظيمية نفسها. وجدنا أن التغيرات المؤقتة في تنظيم الجينات قد تترك تغييرات دائمة في الشبكة تنتقل إلى النسل، بينما يظل الحمض النووي دون تغيير.”

 

وراثة غير جينية: من البشر إلى البكتيريا

 

منذ اكتشاف الأسس الجزيئية للشفرة الجينية في الخمسينيات من القرن الماضي، كان يُفترض أن السمات تُنتقل بشكل أساسي عبر الحمض النووي. لكن بعد إتمام مشروع الجينوم البشري في عام 2001، أعاد الباحثون النظر في هذا الافتراض. يُشير توماس ويتوك، الزميل ما بعد الدكتوراه والمؤلف المشارك في الدراسة، إلى المجاعة الهولندية خلال الحرب العالمية الثانية كمثال يشير إلى إمكانية وجود وراثة غير جينية في البشر. فقد أظهرت دراسة حديثة أن أطفال الرجال الذين تعرضوا للمجاعة في الرحم أظهروا ميلًا متزايدًا لزيادة الوزن كبالغين. ومع ذلك، كان من الصعب عزل الأسباب النهائية لهذا النوع من الوراثة في البشر. وعلق موتتر قائلاً: “في حالة الكائنات الحية المعقدة، يكمن التحدي في فك تشابك العوامل المؤثرة مثل تحيز الناجين، لكن ربما يمكننا عزل أسباب الوراثة غير الجينية في أبسط الكائنات الحية أحادية الخلية، حيث يمكننا التحكم في بيئتها وفحص جيناتها بدقة. إذا لاحظنا شيئًا في هذه الحالة، يمكننا أن نعزو أصل الوراثة غير الجينية إلى عدد محدود من الاحتمالات - خصوصًا التغيرات في تنظيم الجينات.”

 

الشبكة التنظيمية: مفاتيح جديدة لفهم الوراثة

 

تُشبه الشبكة التنظيمية شبكة اتصالات تستخدمها الجينات للتأثير على بعضها البعض. وقد افترض فريق البحث أن هذه الشبكة قد تكون مفتاحًا لنقل السمات الوراثية إلى الأجيال القادمة. لاستكشاف هذه الفرضية، لجأ موتتر وفريقه إلى دراسة البكتيريا الإشريكية القولونية (E. coli)، وهي بكتيريا شائعة ونموذج دراسي جيد. وأوضح ويتوك: “في حالة E. coli، الكائن الحي بأكمله هو خلية واحدة، ولديها عدد أقل بكثير من الجينات مقارنة بالخلية البشرية، حوالي 4000 جين مقابل 20000 جين. كما تفتقر إلى الهياكل الداخلية المعروفة التي تدعم استمرارية تنظيم الحمض النووي في الكائنات الحية الأعلى. نظرًا لأن E. coli تُعتبر نموذجًا دراسيًا جيدًا، فإننا نعرف تنظيم شبكة الجينات فيها بتفصيل معين.”

 

تأثيرات التغيرات المؤقتة وتطبيقاتها المستقبلية

 

استخدم فريق البحث نموذجًا رياضيًا للشبكة التنظيمية لمحاكاة إيقاف (ثم إعادة تشغيل) جينات فردية في E. coli مؤقتًا. واكتشفوا أن هذه الاضطرابات العابرة يمكن أن تولد تغييرات دائمة تُورث عبر الأجيال. يعمل الفريق حاليًا على التحقق من صحة نتائجهم في تجارب مختبرية باستخدام تقنية CRISPR، التي تتيح إيقاف الجينات مؤقتًا بدلاً من بشكل دائم. ومع ذلك، إذا كانت التغييرات مشفرة في الشبكة التنظيمية بدلاً من الحمض النووي، تساءل فريق البحث كيف يمكن للخلية نقلها عبر الأجيال. يقترحون أن الاضطراب القابل للعكس يثير سلسلة من ردود الفعل غير القابلة للعكس داخل الشبكة التنظيمية. عندما يتوقف أحد الجينات، يؤثر في الجين المجاور له في الشبكة، وبحلول الوقت الذي يُعاد فيه تشغيل الجين الأول، تكون السلسلة بالفعل في كامل نشاطها، حيث تُشكل الجينات دوائر ذاتية الاستدامة تصبح منيعة ضد التأثيرات الخارجية بمجرد تنشيطها. وقال موتتر، الخبير في سلوكيات الأنظمة المعقدة: “إنها ظاهرة شبكية. الجينات تتفاعل مع بعضها البعض. إذا قمت بتنشيط جين واحد، فإنه يؤثر على الآخرين.”

 

وعلى الرغم من أن فريق البحث يختبر إيقاف الجينات كجزء من الفرضية، فإن موتتر أوضح أن أنواعًا مختلفة من الاضطرابات قد تسبب تأثيرًا مشابهًا. وأضاف: “يمكن أيضًا أن نكون قد غيرنا بيئة الخلية، سواء كان ذلك في درجة الحرارة، أو توفر العناصر الغذائية، أو درجة الحموضة.” وتُشير الدراسة إلى أن الكائنات الأخرى قد تمتلك العناصر اللازمة لعرض الوراثة غير الجينية. وعلق موتتر قائلاً: “في علم الأحياء، من الخطير افتراض أن أي شيء هو عالمي، لكن، بشكل بديهي، أتوقع أن يكون التأثير شائعًا لأن شبكة تنظيم E. coli تشبه أو أبسط من تلك الموجودة في الكائنات الأخرى.”

تم نسخ الرابط