"التقنية الحيوية في خدمة البيئة: ميكروبات تحول ثاني أكسيد الكربون إلى مواد قيمة"
"ابتكار ميكروبي لتحويل ثاني أكسيد الكربون إلى لبنات بناء صناعية"
الميكروبات كمصانع حية
تلعب الميكروبات أدوارًا متناقضة في حياتنا، فهي قادرة على التسبب في الأمراض أو إفساد الطعام، بينما يعتبر البعض منها أساسيًا لبقائنا. ومع تقدم العلم، أصبح من الممكن هندسة هذه الكائنات الدقيقة لإنتاج جزيئات محددة تُستخدم في مجالات متعددة. في دراسة نُشرت في مجلة ACS Sustainable Chemistry & Engineering، أعلن الباحثون عن إعادة برمجة نوع معين من الميكروبات لمعالجة مشكلة الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي، حيث يمكن لهذا الميكروب امتصاص غاز ثاني أكسيد الكربون (CO2) وتحويله إلى ميفالونات، وهي مادة أساسية مهمة في الصناعات الصيدلانية.
تحديات الاحتباس الحراري وحلول الميكروبات
أدى الارتفاع المتزايد في تركيز الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي إلى تفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري. وللتصدي لهذا التحدي البيئي، يُعد تقليل انبعاثات الغازات الدفيئة، وبالأخص ثاني أكسيد الكربون، أولوية قصوى. بالإضافة إلى تقليل الانبعاثات، هناك حاجة لإيجاد طرق فعّالة لإزالة CO2 الموجود بالفعل في الغلاف الجوي. في هذا السياق، تأتي الميكروبات كحل واعد. من خلال الهندسة الوراثية، يمكن تعديل المسارات البيوسنتية الطبيعية لهذه الميكروبات، مما يحولها إلى مصانع بيولوجية قادرة على إنتاج مواد متنوعة، مثل الأنسولين.
تحسين استقرار البلازميد
من بين الخيارات المثيرة للاهتمام في مجال الهندسة الوراثية للميكروبات، يبرز ميكروب Cupriavidus necator H16 كمرشح واعد. يتميز هذا الميكروب بقدرته على العيش في بيئات محدودة الموارد، حيث يمكنه البقاء على قيد الحياة بوجود غاز ثاني أكسيد الكربون وغاز الهيدروجين فقط. هذا يجعله مرشحًا مثاليًا لعملية تحويل الغازات إلى جزيئات أكبر مفيدة. ومع ذلك، تكمن مشكلة هذا الميكروب في قدرته المحدودة على الحفاظ على التعليمات الوراثية الجديدة على المدى الطويل، حيث تميل البلازميدات—المسؤولة عن حمل التعليمات الوراثية—إلى فقدان استقرارها بمرور الوقت. ولذلك، سعت كاتالين كوفاتس وزملاؤها إلى تحسين قدرة C. necator على الحفاظ على هذه التعليمات الوراثية، وبالتالي تحسين قدرته على إنتاج لبنات بناء كربونية من CO2.
تعديلات جينية جديدة
بدأ الفريق البحثي في تعديل المسارات الكيميائية الحيوية للميكروب C. necator، والتي تُسهم في تحويل CO2 إلى جزيئات أكبر تحتوي على ست ذرات كربون. كان المفتاح لتحسين استقرار البلازميد يكمن في إنزيم يُدعى RubisCo، الذي يسمح للبكتيريا باستخدام CO2. وقد ابتكر الفريق طريقة لربط البلازميد الجديد بالإنزيم، بحيث تموت الخلايا التي تفشل في تذكر التعليمات الجديدة لعدم قدرتها على إنتاج RubisCo، بينما تبقى الخلايا القادرة على تذكر التعليمات وتنمو وتتكاثر، ناقلة البلازميد معها.
نتائج واعدة
أظهرت التجارب أن الميكروبات المعدلة حديثًا قادرة على إنتاج كميات كبيرة من جزيء الميفالونات، مقارنة بالسلالة الأصلية. يُعد الميفالونات مادة أساسية في تركيب العديد من الجزيئات الحيوية والصناعية، بما في ذلك الكوليسترول وجزيئات الستيرويد الأخرى المستخدمة في الأدوية. وتعد هذه الدراسة إنجازًا كبيرًا، حيث نجح الباحثون في إنتاج أكبر كمية من الميفالونات باستخدام CO2 أو مواد تفاعلية أحادية الكربون عبر الميكروبات حتى الآن. يشير الباحثون إلى أن هذا النظام لتثبيت الكربون يعد أكثر جدوى اقتصاديًا من الأنظمة السابقة، ويمكن تطبيقه على سلالات ميكروبية أخرى في المستقبل.
