“أجهزة المشي المصغرة: ثورة علمية في فهم التحكم العصبي بحركة الحيوانات”
“ابتكار علمي يسهم في كشف أسرار الحركة العصبية”
رؤى جديدة من أجهزة المشي المصغرة: دراسة ثورية تكشف آليات التحكم العصبي في الحركة
في تطور جديد لعالم الأبحاث العصبية، تمكّن العلماء باستخدام أجهزة مشي مصغرة خاصة بذباب الفاكهة من اكتساب فهم أعمق لكيفية تمكين الجهاز العصبي للحيوانات من التحكم في الحركة في بيئات غير متوقعة ومعقدة. كشفت مجلة Current Biology التابعة لـ Cell Press في تقريرها الصادر بتاريخ 30 أغسطس عن نتائج هذه الدراسة المذهلة، التي تُعد نقطة تحول في دراسة التحكم العصبي لدى الكائنات الحية.
ابتكار أجهزة المشي: تصميم بسيط واكتشافات معقدة
قام براندون جي. برات، الحاصل على دكتوراه حديثة في علم الفسيولوجيا والبيوفيزيكس من كلية الطب بجامعة واشنطن، بتصميم أجهزة المشي الصغيرة هذه باستخدام مكونات غير مكلفة، استنادًا إلى نموذج أولي صممه ماكس ماور، خريج الهندسة الميكانيكية من جامعة واشنطن. تُظهر الأجهزة قدرة الحيوانات، بما في ذلك الحشرات مثل ذباب الفاكهة والبشر، على التكيف مع التغيرات غير المتوقعة تحت أقدامهم، وهي مهارة حيوية لتجنب السقوط والحوادث التي قد تُعرّضهم للإصابات.
استكشاف آليات الوعي الجسدي
يركز مختبر الأبحاث بقيادة الأستاذ المشارك جون توثيل في قسم علم الفسيولوجيا والبيوفيزيكس بجامعة واشنطن على فهم آليات الوعي الجسدي، وهو النظام الذي يسمح للحيوانات والبشر بمعرفة مواضع أجسادهم وحركاتها بشكل مستمر. تُعتبر هذه العمليات المعقدة مفتاحًا لتنسيق الحركة، والتي إذا اختلت قد تجعل المهام البسيطة مثل المشي أو الإمساك بكوب ماء صعبة جدًا. وقد أجرى برات بحثه للدكتوراه تحت إشراف توثيل، بمشاركة زملاء المختبر سوي-يي ج. لي وجرانت م. شو.
أجهزة المشي: نافذة على آليات الحركة
تاريخيًا، استخدمت أجهزة المشي لدراسة كيفية تأثير الجهاز العصبي على الحركة في الحيوانات بعد التعرض لاضطرابات عصبية. ومنذ فترة طويلة، قدمت هذه الأجهزة رؤى مهمة حول التحكم العصبي لدى اللافقاريات مثل الصراصير، بالإضافة إلى الفقاريات مثل القوارض والقطط وحتى البشر. كانت هذه الأجهزة بمثابة أداة حيوية في دراسة حركة الأرجل وتنسيقها، وخاصة في الحالات التي تتحرك فيها أرجل على جانب واحد من الجسم بسرعات مختلفة عن الأرجل في الجانب الآخر. وقد ساعدت هذه الدراسات على تقديم تطبيقات سريرية هامة، مثل تقييم المرضى بعد الإصابة بالسكتات الدماغية.
تطبيقات جديدة في دراسة ذباب الفاكهة
دفعت نجاحات أجهزة المشي الأكبر الباحثين في مختبر توثيل إلى تصميم نسخ مصغرة تناسب دراسة حركة ذباب الفاكهة. هذه الحشرات الصغيرة تمثل نموذجًا مثاليًا لدراسة التحكم العصبي بفضل النظام العصبي البسيط والمفهوم تمامًا الذي تتمتع به، إضافة إلى توفر أدوات جينية متطورة تتيح للعلماء التلاعب بالجينات الدقيقة التي تتحكم في الحركة.
من خلال أجهزة المشي الخطية التي طوّرها المختبر، أصبح بإمكان الباحثين إجبار الذباب على السير ومراقبته بتقنية ثلاثية الأبعاد على مدار فترات زمنية طويلة. وقد أظهرت التجارب أن ذباب الفاكهة قادر على تعديل سرعته اعتمادًا على سرعة الحزام في أجهزة المشي، حيث ارتفع ارتفاع أجسادهم عند المشي بسرعة أكبر، وهو ما يتشابه مع سلوك البشر والصراصير.
تحليل دقيق لتأثير أجهزة المشي على الحركة العصبية
أحد أبرز نتائج هذه التجارب هو أن الذباب الفاكهة تمكن من تجاوز سرعة مشي بلغت 50 مليمترًا في الثانية. وفي إحدى التجارب، قام الباحثون بإسكات بعض الجينات المسؤولة عن الوعي الجسدي، ولاحظوا أن الحشرات قامت بخطوات أطول ولكن أقل تكرارًا. المثير للاهتمام أن التنسيق بين الأرجل لم يتأثر بشكل كبير، مما يشير إلى احتمالية أن الجهاز العصبي قادر على التعويض عن غياب بعض التغذية الراجعة الحسية.
أما جهاز المشي ذو الحزامين المنفصلين، فقد أظهر تأثيرًا ضئيلاً على تنسيق الأرجل. ومع ذلك، قام الذباب بتغيير المسافات بين خطوات أرجلهم الوسطى بشكل ملحوظ عند تحرك الحزامين بسرعات مختلفة. يقترح الباحثون أن الذباب يقوم بتعديل خطواته بشكل يتناسب مع اضطرابات الحركة للحفاظ على مساره المستقيم.
مصدر مفتوح للعلماء: تصميمات برمجيات وأجهزة مجانية
بفضل هذه الابتكارات، أوضح الباحثون أن أجهزة المشي المصغرة تملأ فجوة هامة في دراسة آليات الحركة بين السير الحر والتجارب المربوطة. ومن اللافت أن الفريق قرر توفير جميع تصميمات البرمجيات والأجهزة كمصدر مفتوح، مما يتيح للعلماء الآخرين الاستفادة من هذه التكنولوجيا المتقدمة وتطبيقها في دراساتهم.
