رئيس مجلس الإدارة
نيفين منصور
رئيس التحرير
إبراهيم مصطفى
05:38 م calendar السبت 18 يوليو 2026

"حليب الأم: سلاح غير مرئي ضد الربو لدى الرضع"

"الرضاعة الطبيعية: درع الحماية ضد الربو في مرحلة الطفولة"

الأطفال الرضع
الأطفال الرضع

حليب الأم ودوره في تنظيم ميكروبيوم الطفل

 

يُعتبر حليب الأم عنصرًا أساسيًا في تنظيم ميكروبات الطفل أو ما يُعرف بالميكروبيوم خلال السنة الأولى من حياة الرضيع. ووفقًا لدراسة حديثة، فإن هذا التنظيم يسهم في تقليل خطر الإصابة بالربو لدى الطفل في المستقبل.

 

دراسة تقودها جامعة مانيتوبا ومركز NYU Langone الصحي

 

قاد هذه الدراسة فريق من الباحثين من مركز NYU Langone الصحي وجامعة مانيتوبا، حيث أظهرت نتائجها أن الرضاعة الطبيعية لأكثر من ثلاثة أشهر تدعم النضج التدريجي للميكروبيوم في كل من الجهاز الهضمي والتجويف الأنفي للرضيع. ويعد الجهاز التنفسي العلوي أحد الأماكن الرئيسية التي يتأثر بها الميكروبيوم. على الجانب الآخر، فإن التوقف المبكر عن الرضاعة قبل إكمال ثلاثة أشهر يعطّل هذا التطور الطبيعي للميكروبيوم، مما يزيد من خطر الإصابة بالربو في مرحلة الطفولة المبكرة قبل دخول المدرسة.

 

تأثير مكونات حليب الأم على ميكروبات الطفل

 

يتضمن حليب الأم بعض المكونات الأساسية التي تلعب دورًا كبيرًا في دعم تطور ميكروبيوم الرضيع، من أبرز هذه المكونات السكريات المعقدة التي تُعرف بـ”أوليغوسكاريد حليب الأم”. هذه السكريات لا يمكن تكسيرها إلا بواسطة ميكروبات معينة موجودة في جسم الرضيع. وبالتالي، فإن الرضاعة الطبيعية تمنح ميزة تنافسية لهذه الميكروبات التي تستطيع هضم هذه السكريات.

 

أثر الفطام المبكر على ميكروبيوم الطفل

 

أما في الحالات التي يتم فيها فطام الطفل قبل ثلاثة أشهر والاعتماد على الحليب الصناعي فقط، فإن جسم الرضيع يصبح موطنًا لمجموعة أخرى من الميكروبات التي تتكيف مع الحليب الصناعي. على الرغم من أن هذه الميكروبات قد تتواجد في جميع الأطفال في النهاية، إلا أن الدراسات أظهرت أن وصول هذه الميكروبات في وقت مبكر يزيد من خطر الإصابة بالربو.

 

تفسير العلماء: التوقيت والترتيب في تطور الميكروبيوم

 

تشرح الدكتورة ليئات شينهاف، الباحثة الرئيسية في هذه الدراسة وعالمة البيولوجيا الحاسوبية، أهمية توقيت وترتيب استعمار الميكروبات لجسم الرضيع. وتقول:

 

“تمامًا كما ينظم جهاز تنظيم ضربات القلب إيقاع القلب، فإن الرضاعة الطبيعية وحليب الأم يحددان وتيرة وترتيب استعمار الميكروبات في أمعاء وتجويف أنف الرضيع، مما يضمن أن هذه العملية تحدث بشكل منظم وفي الوقت المناسب.”

 

ميكروبيوم صحي: الترتيب والتوقيت

 

تضيف الدكتورة شينهاف، وهي أستاذة مساعدة في كلية جروسمان للطب بجامعة نيويورك (NYU) ومعهدها لعلم الوراثة النظم وقسم الميكروبيولوجيا بالكلية، قائلة:

 

“إن تطوير ميكروبيوم صحي لا يتعلق فقط بوجود الميكروبات المناسبة، بل يتطلب أن تصل هذه الميكروبات في الترتيب الصحيح وفي الوقت المناسب، لتحقيق أقصى فائدة لصحة الطفل”.

 

تؤكد هذه الدراسة على أهمية الرضاعة الطبيعية في تطوير ميكروبيوم صحي للطفل، مما يسهم بشكل كبير في حماية الطفل من الأمراض التنفسية مثل الربو في المستقبل. كما تشير إلى أن التغذية المبكرة تلعب دورًا حاسمًا في تشكيل ميكروبيوم الطفل بطريقة تعزز صحته على المدى الطويل.

 

التعاون البحثي بين شينهاف وأزاد

 

في إطار هذه الدراسة، تعاونت الدكتورة ليئات شينهاف مع الدكتورة ميغان أزاد، الباحثة الرئيسية المشاركة ومديرة مركز مانيتوبا متعدد التخصصات للرضاعة الطبيعية. كما أنها أستاذة طب الأطفال وصحة الطفل في جامعة مانيتوبا، مما يعكس مدى أهمية هذا التعاون في تعزيز نتائج البحث.

 

ظهور بكتيريا Ruminococcus gnavus وتأثيرها

 

تظهر النتائج الرئيسية الأخرى للدراسة أن الأنواع البكتيرية Ruminococcus gnavus تتواجد في أمعاء الأطفال الذين تم فطامهم مبكرًا من حليب الأم بشكل أسرع بكثير مقارنة بأولئك الذين تم إرضاعهم حصريًا. تُعرف هذه البكتيريا بأنها تساهم في إنتاج جزيئات الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة، كما تلعب دورًا في تشكيل وتفكك الحمض الأميني التربتوفان. وقد تم الربط بين التربتوفان ومشتقاته وتنظيم الجهاز المناعي، بالإضافة إلى الاضطرابات المتعلقة به، بما في ذلك زيادة خطر الإصابة بالربو. وأكد مؤلفو الدراسة على أن الميكروبيوم لدى الرضيع يلعب دورًا حاسمًا في تطوير جهاز المناعة بجانب مساعدته في عملية الهضم.

 

نشر الدراسة في مجلة Cell

 

نُشرت هذه الدراسة في مجلة Cell في 19 سبتمبر، حيث تتبعت تغيرات الميكروبات في أمعاء وأنوف الرضع خلال السنة الأولى من حياتهم. كما تضمنت تفاصيل دقيقة حول الرضاعة الطبيعية وتكوين حليب الأمهات. جميع الأطفال وأمهاتهم الذين شاركوا في الدراسة كانوا جزءًا من دراسة CHILD Cohort، وهو مشروع بحثي طويل الأمد يهدف إلى دراسة 3500 طفل كندي عبر مراحل مختلفة من الحياة، بدءًا من فترة الحمل وحتى مرحلة المراهقة.

 

أهمية بيانات دراسة CHILD Cohort

 

تمكنت البيانات المقدمة من دراسة CHILD Cohort الباحثين من فصل تأثير الرضاعة الطبيعية على ميكروبيوم الرضيع عن مجموعة من العوامل البيئية الأخرى. شملت هذه العوامل التعرض للدخان قبل الولادة، استخدام المضادات الحيوية، وتاريخ الربو لدى الأم.

 

تأثير مدة الرضاعة الطبيعية على تكوين الميكروبات

 

حتى عند أخذ مجموعة من العوامل الأخرى بعين الاعتبار، وجد الباحثون أن مدة الرضاعة الطبيعية تظل عاملاً قويًا في تحديد تكوين الميكروبات لدى الأطفال مع مرور الوقت. وقد أظهرت النتائج أن الرضاعة الطبيعية تلعب دورًا حاسمًا في تشكيل ميكروبيوم الرضيع، مما يؤثر بشكل مباشر على صحته.

 

نموذج التعلم الآلي وتوقع مخاطر الربو

 

استخدم الباحثون ديناميكيات الميكروبات وبيانات مكونات الحليب لتدريب نموذج تعلم آلي، والذي تمكن من توقع خطر الإصابة بالربو بدقة لعدة سنوات قادمة. هذه النتائج تشير إلى العلاقة الوثيقة بين التغذية الصحية وتطور ميكروبيوم الرضيع، مما يعزز أهمية الرضاعة الطبيعية.

 

فهم العلاقات السببية

 

علاوة على ذلك، قام الفريق بتطوير نموذج إحصائي لفهم العلاقات السببية بين الرضاعة الطبيعية وتكوين الميكروبات. وقد أظهر هذا النموذج أن الطريقة الرئيسية التي تقلل بها الرضاعة الطبيعية من خطر الإصابة بالربو هي من خلال تشكيل ميكروبيوم الرضيع بشكل صحي.

 

الرؤى المقدمة من الخوارزميات

 

وقالت شينهاف: “تقدم الخوارزميات التي طورناها رؤى قيمة حول ديناميات الميكروبات خلال السنة الأولى من حياة الرضيع وكيف تفاعلت هذه الميكروبات مع الرضيع”. وأضافت: “سمحت لنا هذه الرؤى بتجاوز تحديد الارتباطات، مما عزز قدرتنا على إجراء التنبؤات واستكشاف العلاقات السببية”.

 

التأثيرات الوقائية لحليب الأم

 

أشارت شينهاف إلى أن “أبحاثنا تُبرز التأثير العميق للرضاعة الطبيعية على ميكروبيوم الرضيع والدور الأساسي للرضاعة الطبيعية في دعم الصحة التنفسية”. من خلال كشف الآليات التي تفسر التأثيرات الوقائية لحليب الأم، كما هو موضح في هذه الدراسة، تسعى الأبحاث إلى إبلاغ الإرشادات الوطنية حول الرضاعة الطبيعية وفطام الرضع بطريقة قائمة على البيانات.

 

آفاق المستقبل في بحث الربو

 

اختتمت شينهاف بالقول: “مع المزيد من الأبحاث، يمكن أن تسهم نتائجنا أيضًا في تطوير استراتيجيات لمنع الربو لدى الأطفال الذين لا يمكن إرضاعهم لمدة ثلاثة أشهر على الأقل”. هذه الخطوة تشير إلى أهمية مواصلة البحث في تأثيرات الرضاعة الطبيعية والتغذية على صحة الأطفال بشكل عام.

 

تقدم هذه الدراسة رؤى مهمة حول كيفية تأثير الرضاعة الطبيعية في تشكيل الميكروبيوم لدى الرضع، مما يعزز الفهم حول دورها في تقوية الجهاز المناعي وتقليل مخاطر الإصابة بالربو. النتائج تشير إلى أهمية إجراء أبحاث طويلة الأمد تأخذ في الاعتبار العوامل البيئية المتعددة لتقديم صورة شاملة عن تأثير التغذية في السنوات الأولى من حياة الطفل.

 

تم نسخ الرابط