إيطاليا في أزمة اقتصادية جديدة.. ركود يهدد الديون العامة وإسبانيا تتفوق بفضل المهاجرين والسياحة
بعد فترة انتعاش قصيرة، الاقتصاد الإيطالي يعود للركود مجددًا، وسط مخاوف من تفاقم الديون العامة وتفوق اقتصادي ملحوظ لإسبانيا
إيطاليا تواجه ركودًا اقتصاديًا جديدًا يهدد ديونها العامة وإسبانيا تتصدر المشهد بنمو اقتصادي قوي ..الركود يعيد إيطاليا إلى قائمة أضعف اقتصادات منطقة اليورو.. ودعوات لتعزيز التعليم والبنية التحتية للخروج من الأزمة.
تواجه إيطاليا ركودًا اقتصاديًا مفاجئًا بعد فترة تعافٍ قصيرة من أزمة كورونا، حيث تشير تقديرات مكتب الإحصاء الإيطالي (ISTAT) إلى أن النمو لعام 2024 سيبلغ 0.5% فقط، وهو أقل من هدف الحكومة البالغ 1%. في المقابل، تسجل إسبانيا نموًا ربع سنويًا ثابتًا، مدعومًا بتدفق المهاجرين ونشاط قطاع السياحة. يأتي الركود الإيطالي في ظل أزمة ديون عامة متفاقمة، إذ من المتوقع أن ترتفع نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى 138% بحلول عام 2026. يعزو الاقتصاديون أسباب تراجع الاقتصاد الإيطالي إلى ضعف التعليم، البيروقراطية المرهقة، وضعف القطاع المالي، مؤكدين ضرورة الاستثمار في التعليم والبحث العلمي لتحقيق نمو مستدام.

الركود الاقتصادي يسيطر على إيطاليا وسط توقعات بنمو ضعيف في 2024
بعد تعافٍ اقتصادي قصير أعقب أزمة جائحة كورونا، عادت إيطاليا إلى حالة الركود الاقتصادي بشكل أسرع من المتوقع، وسط قلق متزايد بشأن استقرار ديونها العامة. وأعلن مكتب الإحصاء الوطني الإيطالي (ISTAT) وفقا لما نشرته رويترز ،أن النمو الاقتصادي لعام 2024 لن يتجاوز 0.5%، وهو نصف الهدف الذي حددته الحكومة عند 1%. يأتي هذا التراجع بعد تسجيل نمو صفري في الربع الثالث من عام 2023، مما يعيد إيطاليا إلى قائمة أضعف الاقتصادات في منطقة اليورو.
تدهور ثقة الأعمال وتراجع الخدمات يزيدان من تعقيد الأزمة
تشير البيانات الاقتصادية الأخيرة إلى أن أزمة الثقة التجارية في إيطاليا تزداد سوءًا، حيث وصلت ثقة الأعمال إلى أدنى مستوى لها منذ عام 2021. وأدى التراجع الحاد في قطاع التصنيع إلى مزيد من الضغط على الاقتصاد، في حين انكمش قطاع الخدمات، الذي كان داعمًا رئيسيًا للنمو في النصف الأول من العام. يرى الخبراء أن هذه العوامل مجتمعة تزيد من صعوبة تحقيق أي تعافٍ اقتصادي على المدى القريب.
أزمة الديون تلوح في الأفق.. مخاوف من ارتفاع الدين إلى 138% بحلول 2026
مع تباطؤ النمو الاقتصادي، تزداد المخاوف بشأن قدرة إيطاليا على السيطرة على ديونها العامة، والتي تُعد ثاني أكبر ديون في منطقة اليورو. وتتوقع الحكومة أن تصل نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى 138% بحلول عام 2026، مقارنة بنسبة 135% في عام 2023. إذا لم تتمكن إيطاليا من تحقيق هدف النمو البالغ 1.2% لعام 2025، فقد تتفاقم مشكلة الدين العام، مما يدفع المستثمرين إلى تجنب السندات الإيطالية ورفع تكاليف خدمة الدين.
التمويل الأوروبي لا يكفي.. وإسبانيا تحقق نجاحًا اقتصاديًا أكبر
على الرغم من حصول إيطاليا على مليارات اليوروهات من صندوق التعافي الأوروبي بعد أزمة كورونا، فإن هذه الأموال لم تنجح في تحفيز النمو الاقتصادي بشكل مستدام. بالمقارنة، أظهرت إسبانيا أداءً اقتصاديًا أفضل بكثير، حيث يُتوقع أن تحقق نموًا بنسبة 3% في 2024. يعود هذا النجاح إلى تدفق المهاجرين الذي دعم سوق العمل الإسباني، إلى جانب الأداء القوي لقطاعي السياحة والخدمات. وأوضح أنخيل تالافيرا، رئيس الأبحاث الأوروبية في “أوكسفورد إيكونوميكس”، أن “إسبانيا استفادت من المهاجرين الذين دعموا الاقتصاد، في حين أن المهاجرين في إيطاليا غالبًا ما يعملون في الاقتصاد غير الرسمي ولا يساهمون في النمو بنفس القدر”.

قطاع البناء في إيطاليا.. محفزات قصيرة الأجل تنقلب إلى عبء مالي
كان قطاع البناء أحد المحفزات الرئيسية للنمو في إيطاليا خلال عامي 2021 و2022، حيث أدى برنامج “السوبر بونوس” الذي قدمته الحكومة إلى طفرة استثمارية في القطاع. لكن مع انتهاء البرنامج، توقف النمو في هذا القطاع، مما تسبب في انتكاسة كبيرة للاقتصاد. يعزو المحللون هذه الأزمة إلى الاعتماد المفرط على الإجراءات المالية قصيرة الأجل، بدلاً من تبني خطط مستدامة للنمو.
الفارق بين النموذجين الإيطالي والإسباني.. الخدمات والتصنيع في قلب الصراع
في الوقت الذي تعتمد فيه إسبانيا على قطاع الخدمات والسياحة كركيزة أساسية لنموها، تواصل إيطاليا الاعتماد على قطاع التصنيع، الذي يعاني من انخفاض تنافسيته على المستوى الدولي. وأوضح تالافيرا أن “إسبانيا نجحت في تحديث بنيتها التحتية وخدماتها العامة، بينما تعثرت إيطاليا في تحديث قطاعي التصنيع والبنية التحتية”. وبحسب المراقبين، فإن هذا الفارق الجوهري يفسر الفجوة الكبيرة بين الأداء الاقتصادي للدولتين.
التعليم في صدارة توصيات الخبراء لإنقاذ الاقتصاد الإيطالي
يتفق الاقتصاديون على أن الاستثمار في التعليم والبحث العلمي هو الحل الأبرز لمعالجة الأزمة الاقتصادية في إيطاليا. ويرى روبرتو بيروتي، أستاذ الاقتصاد بجامعة بوكوني في ميلانو، أن ضعف التعليم وعدم كفاءة القطاع العام من أبرز العقبات أمام النمو الاقتصادي. وأكد لورينزو بيني سماغي، عضو سابق في البنك المركزي الأوروبي، أن تعزيز التعليم والبحث العلمي يمكن أن يخلق قاعدة قوية للنمو المستدام. دعا الخبراء أيضًا إلى إصلاح النظام المصرفي، وتحديث القوانين الخاصة بالأسواق المالية، وإصلاح النظام القضائي، لضمان بيئة استثمار أكثر استقرارًا.
ما هي الخيارات المطروحة أمام إيطاليا؟
تشكل أزمة الديون والركود الاقتصادي تحديات مزدوجة للحكومة الإيطالية، التي باتت مطالبة باتخاذ إجراءات حاسمة، بدءًا من إصلاح التعليم وزيادة الإنفاق على البحث العلمي، وصولًا إلى خفض الدين العام وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد. في الوقت الذي تنجح فيه إسبانيا في تعزيز نموها بفضل استثمارات ذكية واستغلال تدفق المهاجرين، تبدو إيطاليا بحاجة إلى رؤية جديدة لتجنب الانزلاق إلى أزمة ديون أعمق.




