هل النساء أكثر حديثًا من الرجال؟ العمر والتكنولوجيا يغيران الصورة
ما الذي يقف وراء اختلاف الحديث بين الرجال والنساء؟ دراسة تفتح الباب لفهم هذه الظاهرة وأثر التكنولوجيا في تقليل الكلمات.
ملخص
هل النساء أكثر حديثًا من الرجال؟
كشفت دراسة حديثة نتائج مثيرة حول الفروق في عدد الكلمات اليومية بين الجنسين، حيث أظهرت أن النساء يتحدثن أكثر من الرجال في فئات عمرية محددة، خاصة بين 25 و65 عامًا. وأوضحت الدراسة أن هذا الاختلاف لا يعود فقط للجنس، بل يتأثر بعوامل أخرى مثل نمط الحياة، الفردية، واستخدام التكنولوجيا الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي، التي ساهمت في تقليص عدد الكلمات المستخدمة يوميًا لدى الجميع. وأكد الباحثون أن السمات الشخصية تلعب دورًا أكبر من الفروق البيولوجية في تحديد مستوى الحديث، ما يفتح آفاقًا جديدة لفهم العلاقة بين التواصل الاجتماعي والصحة النفسية والجسدية للإنسان.

دراسة تكشف حقيقة الاختلافات بين الجنسين في الحديث: هل النساء أكثر حديثًا من الرجال؟
في دراسة نُشرت في Journal of Personality and Social Psychology، قام باحثون من جامعة أريزونا بإجراء متابعة لدراسة سابقة أجريت في عام 2007، والتي كانت قد نفت الفكرة الشائعة بأن النساء يتحدثن أكثر من الرجال. الدراسة الأصلية، التي أُجريت بواسطة عالم النفس ماتياس ميله، خلصت إلى أن كل من الرجال والنساء يتحدثون تقريبًا نفس عدد الكلمات يوميًا، وهو حوالي 16,000 كلمة. لكن الدراسة الجديدة التي أُجريت على عينة أكبر من المشاركين تقدم صورة أكثر تعقيدًا.
النساء يتحدثن أكثر في مراحل معينة من الحياة
كشف الباحثون في هذه الدراسة أن النساء بين سن 25 و 65 عامًا – وهي المرحلة التي تشمل مرحلة البلوغ المبكر والمتوسط – يتحدثن بشكل متوسط حوالي 3,000 كلمة أكثر يوميًا مقارنة بالرجال. ومع ذلك، لم تظهر فروق كبيرة بين الجنسين في الفئات العمرية الأخرى مثل المراهقة (من 10 إلى 17 عامًا)، أو مرحلة الشباب المتطور (من 18 إلى 24 عامًا)، أو البلوغ المتأخر (من 65 عامًا فما فوق).
كما اكتشف الباحثون أن هناك انخفاضًا عامًا في عدد الكلمات التي يُتحدث بها يوميًا بين الأشخاص بشكل عام، وهو ما يربطونه بزيادة الاعتماد على وسائل الاتصال الرقمية مثل الرسائل النصية ووسائل التواصل الاجتماعي.
استنساخ نتائج الدراسة السابقة بتوسع أكبر
في عام 2007، قام ماتياس ميله بفحص الافتراض الشائع بأن النساء أكثر حديثًا من الرجال من خلال تحليل بيانات تم جمعها من 500 مشارك باستخدام جهاز تسجيل محمول يسمى EAR (مسجل مفعّل إلكترونيًا)، والذي يُشغّل عشوائيًا لالتقاط مقاطع من المحادثات اليومية. وعندما أظهرت تحليلاته عدم وجود اختلافات كبيرة بين الجنسين، أحدثت الدراسة ضجة إعلامية واسعة. ومع ذلك، شابت الدراسة بعض الانتقادات بسبب محدودياتها، مثل حقيقة أن معظم المشاركين كانوا من طلاب الجامعات وكانوا يعيشون في نفس المدينة. وبعد مرور 18 عامًا، قام ماتياس ميله وزملاؤه، بمن فيهم كولين تيدويل وفاليريا فيفير وألكسندر دانفرز، بإعادة اختبار النتائج الأصلية باستخدام عينة أكبر وأكثر تنوعًا. تم تحليل 630,000 تسجيل من 22 دراسة منفصلة في أربعة بلدان، مع 2,197 مشاركًا تتراوح أعمارهم من 10 إلى 94 عامًا.
النتائج: النساء يتحدثن أكثر في سن النضوج
ظهر الاختلاف الكبير في الحديث بين الجنسين في مرحلة البلوغ المبكر والمتوسط (من 25 إلى 64 عامًا). في هذه المرحلة، تحدثت النساء في المتوسط 21,845 كلمة يوميًا، في حين تحدث الرجال حوالي 18,570 كلمة يوميًا. يعتقد الباحثون أن هذه الفترة العمرية تشمل سنوات تربية الأطفال، حيث قد تكون النساء، اللواتي غالبًا ما يتحملن دور الراعي الأساسي للأطفال، يتحدثن أكثر من الرجال في هذه المرحلة.
الاختلافات الفردية بين الأشخاص تتجاوز الفروق بين الجنسين
من المهم أن نلاحظ أن هذه الدراسة تُظهر أيضًا أن هناك اختلافًا كبيرًا في مستوى الحديث بين الأفراد بغض النظر عن جنسهم. على سبيل المثال، أقل الأشخاص تحدثًا في الدراسة كان رجلًا تحدث بحوالي 100 كلمة فقط يوميًا، في حين أن الشخص الأكثر تحدثًا وكان أيضًا رجلًا تحدث أكثر من 120,000 كلمة يوميًا.

انخفاض عدد الكلمات اليومية على مر السنين
بالإضافة إلى ذلك، وجد الباحثون أن متوسط عدد الكلمات التي يتحدث بها الشخص يوميًا انخفض على مر السنين. تم جمع البيانات بين عامي 2005 و2018، وخلال هذه الفترة انخفض العدد المتوسط للكلمات من حوالي 16,000 كلمة إلى حوالي 13,000 كلمة يوميًا.
هل التكنولوجيا الرقمية مسؤولة عن تراجع عدد الكلمات؟
فيما يتعلق بالتقليل الواضح في الكلمات المنطوقة، يعتقد الباحثون أن ذلك قد يرتبط بالاعتماد المتزايد على وسائل الاتصال الرقمية مثل الرسائل النصية ووسائل التواصل الاجتماعي. وأشار ميله إلى أنه من المحتمل أن تكون هذه الوسائل قد أثرت على كيفية تواصل الأشخاص وبالتالي على عدد الكلمات التي يتحدثون بها يوميًا.
دور التواصل الاجتماعي في الصحة العامة
أشار ميله إلى أن المزيد من البحث مطلوب لفهم العلاقة بين مستويات الحديث الاجتماعي وصحة الإنسان ورفاهيته. وهو يعمل حاليًا على تطوير جهاز جديد يُسمى "SocialBit"، والذي يشبه جهاز "Fitbit" في وظيفته ولكنه يركز على قياس دقائق المحادثات اليومية بدلاً من تتبع الأنشطة البدنية.
الاستنتاجات والآفاق المستقبلية
على الرغم من أن النساء قد يتحدثن أكثر من الرجال في بعض المراحل العمرية، تؤكد هذه الدراسة أن هناك العديد من المتغيرات التي تؤثر على هذه الفروق، مثل تربية الأطفال والاعتماد المتزايد على التكنولوجيا. إن هذه النتائج تفتح الباب أمام المزيد من الدراسات حول تأثير التواصل الاجتماعي على الصحة العامة.




