رئيس مجلس الإدارة
نيفين منصور
رئيس التحرير
إبراهيم مصطفى
01:50 م calendar السبت 18 يوليو 2026

التدخين في رمضان: حكمه الشرعي وأثره على الصوم

دار الإفتاء المصرية تُوضح حكم التدخين في نهار رمضان وتؤكد أنه يُفسد الصيام بكل أشكاله.

التدخين في رمضان
التدخين في رمضان

دار الإفتاء تحسم الجدل: التدخين في نهار رمضان يُفطر الصائم وفق الأدلة الشرعية والطبية.

أوضحت دار الإفتاء المصرية في فتوى رسمية أن التدخين في نهار رمضان يُعتبر من المفطرات، إذ يُدخل الدخان إلى الجوف مما يُفسد الصوم. استندت الفتوى إلى الأدلة الشرعية والعلمية، مؤكدة أن التدخين بجميع أشكاله، سواء السجائر أو الشيشة، يُفطر الصائم. كما أجمع الفقهاء من مدارس الفقه المختلفة على ضرورة الامتناع عن التدخين أثناء الصيام لضمان صحة الصوم.


هل التدخين يبطل الصيام؟
هل التدخين يبطل الصيام؟

 فتوى التدخين في نهار رمضان 

 

نشرت دار الإفتاء المصرية فتوى بعنوان "حكم التدخين في نهار رمضان للصائم"، حيث أوضح المفتي الأستاذ الدكتور شوقي إبراهيم علام أن التدخين في نهار رمضان يُعد من المفطرات. وأكد الدكتور علام أن الصائم ملزم بالامتناع عن التدخين بأي صورة كانت، سواء كان ذلك عبر سجائر أو الشيشة أو غيرها من أساليب التدخين؛ إذ إن إدخال الدخان إلى حلق المدخن وجوفه يؤدي إلى إفساد صومه. كما جاء في الفتوى تنبيهٌ لرفض الاستشهاد بآراء من تدعي عكس ذلك؛ إذ إن القول بأن تدخين السجائر لا يُفطر يعد ادعاءً بغير دليل شرعي وطبي، خاصةً وأن الدراسات والأبحاث المتخصصة تؤكد أن التدخين يحتوي على مواد ضارة تُدخل إلى الجسم وتُفسد الصوم.

الدليل الشرعي على تحريم التدخين في رمضان 

 

يرتكز الشرع الإسلامي على ضرورة الامتناع عن المفطرات في نهار رمضان، والتي تشمل الطعام والشراب والجماع. وقد استندت دار الإفتاء في فتواها إلى الآية الكريمة:  ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183].  وفي هذا السياق، أشار الإمام الواحدي في كتابه "الوجيز في تفسير الكتاب العزيز" إلى أن هذه الآية تعني فرض صيام شهر رمضان على المؤمنين، ليس فقط بالامتناع عن الطعام والشراب، بل بكافة ما يُدخل إلى الجوف، سواء كان مغذيًا أم لا، وذلك لبلوغ المقصد الأسمى من التقوى والالتزام بما شرعه الله تعالى.

طبيعة التدخين وآثاره على الصوم 

 

يُعرف "المعجم الوسيط" لمعجم اللغة العربية السيجارة بأنها "قدر من التبغ المفري يُلف في ورقة رقيقة ليدخن". ويُعتبر التدخين بمختلف أنواعه – سواء كان سجائر التبغ التقليدية أو الشيشة أو السجائر الإلكترونية – من العوامل التي تُفسد الصوم. يرجع ذلك إلى احتواء الدخان على مواد مثل النيكوتين والقطران والفينول وأول أكسيد الكربون، بالإضافة إلى العديد من المواد الكيميائية الأخرى. هذه المواد تنتقل عبر الدخان الذي يملأ رئتي المدخن إلى الدم عن طريق الغشاء الفاصل بين الحويصلات الرئوية والشعيرات الدموية، مما يؤدي إلى إبطال الصوم بصفة مباشرة.

آراء الفقهاء في تأثير دخان التدخين على الصوم

 

يُقر جمهور الفقهاء بأن أي مادة تدخل إلى الحلق أو الجوف مما يُمكن تجنبه تُفسد الصوم، إذ إن المبدأ الأساسي في الأحكام الشرعية أن الصائم ملزم بالإمساك عن كل ما يصل إلى جسده عن عمد، سواء كان ذلك طعامًا أو مادة غير مغذية. وقد جاء هذا المبدأ في تفسير الإمام البابرتي الحنفي في "العناية شرح الهداية"، حيث بيَّن أن وصول مادة، حتى وإن كانت عبارة عن دواء يابس أو رطب، إلى الجوف يؤدي إلى إبطال الصوم إذا كان بالإمكان الاحتراز من ذلك. وبذلك، يكون الهدف الحفاظ على نقاء الصوم والابتعاد عن أي ما يُمكن أن يُدخل إلى الجسم بشكل متعمد.

التفصيل في آراء العلماء من مدارس الفقه المختلفة

 

أكد الإمام الكاساني في "بدائع الصنائع" على ضرورة تجنب الصائم لتذوّق مواد مثل العسل أو السمن أو الزيت عن طريق اللسان للتأكد من جودتها، وذلك خوفًا من وصول جزء منها إلى الحلق مما يُفسد الصوم، وقد نص هذا الرأي على أنه ينبغي على المرأة أيضًا الامتناع عن تذوّق المرقة للتحقق من مذاقها، خوفاً من وصول مادة قد تُفطر. في هذا السياق، تُظهر الآراء أن الاختلاف في طبيعة المادة – سواء كانت مغذية أو غير مغذية – لا يُغير من حكم إبطال الصوم إذا وصل جزء منها إلى الجسم بوسائل يُمكن تجنبها.

آراء الفقهاء في تأثير دخان التدخين على الصوم
آراء الفقهاء في تأثير دخان التدخين على الصوم

من جهة أخرى، تناول الإمام الزبيدي  في "الجوهرة النيرة" حالة دخول غبار الطاحونة أو غبار العدس أو حتى الدخان الذي قد يتطاير من التراب بفعل الريح إلى الحلق، وأوضح أنه إذا دخلت مثل هذه المواد التي لا يمكن الاحتراز منها، فلا يُفسد ذلك الصوم؛ لأن ما يدخل عن غير عمد لا يُعتد به في سياق المبدأ الشرعي. إلا أن هذا التمييز بين ما هو محتمل تجنبه وما هو خارج عن إرادة الصائم أصبح محور نقاش فيما يتعلق بالدخان الناتج عن التدخين، إذ أن المدخن يتعمد استنشاقه.

وقد أشار الإمام العيني الحنفي في "البناية شرح الهداية" إلى أن تبخر الدواء وإدخال طعم الدخان إلى الحلق يُعد سببًا لإبطال الصوم، وهو ما يضع حداً واضحاً على قبول الصائم لأي مادة تصل إلى جسده عن عمد. وفي نفس السياق، صرح العلامة الشرنبلالي الحنفي في حاشيته على "درر الحكام للملا خسرو" بأن وصول الدخان إلى الحلق، مهما كان نوعه أو مصدره، يُفسد الصوم إذا كان بالإمكان تجنبه؛ فهو يرى أن الإدخال المتعمد للدخان يعتبر من الأمور التي يجب الإمساك عنها تمامًا.

وأكد العلامة ابن عابدين الحنفي في " الدر المختار" أن أي صورة من صور إدخال الدخان، حتى وإن حدث تبخراً كالبخور الذي يُتَأوَّه به الصائم لنفسه، فإنها تُفطر؛ لأنه في هذه الحالة يكون الصائم قد أتاح المجال لوصول مادة يمكن التحكم فيها، مما يتعارض مع مقصود الصوم الذي يقوم على التحفظ عن كل ما يصل إلى الجوف.

وبالإضافة إلى ذلك، جاء الإمام القرافي المالكي في "الذخيرة" بموقف مماثل، إذ أكد أن تبخر الدواء وظهور طعم الدخان في الحلق يؤديان إلى إبطال الصوم، مما يعكس اتفاقاً واسعاً بين العلماء على ضرورة تجنب ما يُدخل إلى جسم الإنسان عن عمد. كما تناول الإمام ابن رشد الحفيد المالكي في "بداية المجتهد ونهاية المقتصد" مسألة الإمساك عن المطعوم والمشروب والجماع خلال ساعات الصوم، مشيرًا إلى أن هناك خلافاً في بعض المسائل الفرعية، إلا أن الإجماع قائم على وجوب الاحتراز من دخول ما يصل إلى الجوف، سواء كان ذلك عبر منفذ الطعام أو الشراب.

وفي مدرسة الحنبلة، أوضح الإمام ابن قدامة في "المغني" أن أي مادة تصل إلى جوف الإنسان – سواء كانت من خلال الدماغ أو الحلق أو غير ذلك – تُعتبر كأنها طعام وتُفطر الصائم إذا وصل إليها الاختيار. هذا الرأي يدعم فكرة أن الصائم يجب أن يتوخى الحذر في ما يدخل جسده بأي وسيلة كانت، سواء كانت عبر الفم أو الأنف أو غيرهما من المنافذ.

التدخين في نهار رمضان
التدخين في نهار رمضان 

التوحيد بين مدارس الفقه في حكم التدخين خلال الصوم

 

توحَّد فقهاء الحنفية والمالكية والشافعية في نصوصهم على أن دخان السجائر وأشباهه يُعدّ مما يُفسد الصوم بشكل قطعي، كما بينه العلامة ابن عابدين في "رد المحتار". وأكد أيضًا أن ما جاء في "شرح الوهبانية" للشرنبلالي يُمنع فيه بيع الدخان وشربه أثناء الصوم، مما يُضفي بعداً آخر على مسألة التدخين ليس فقط من الناحية الشرعية، بل والأخلاقية والاجتماعية أيضًا.

وفي إطار تناول هذه القضية، تناول العدوي المالكي في "شرح الخرشي لمختصر خليل" مسألة أن الدخان الذي يُشرب – أي الذي يصل إلى الحلق والجوف – يُعتبر مفطرًا، وذلك لما له من تأثير في تغيير حالة الصوم. كما أشار الإمام الشرواني الشافعي في "حاشيته على تحفة المحتاج" إلى أن الدخان المعروف باسم "التتن" ومثله من التدخينات يؤدي إلى إبطال الصوم، نظرًا لآثاره الملموسة التي تشبه تأثير المواد الغذائية عند وصولها إلى الجسم.

رفض المزاعم المخالفة 

 

من الجدير بالذكر أن بعض الأصوات تدعي بأن تدخين السجائر لا يُفطر على خلاف الشيشة، إلا أن هذه المزاعم تُعارض النصوص الشرعية والأدلة الطبية على حد سواء. إذ أن كافة أنواع التدخين، سواء كانت سجائر تقليدية أو شيشة أو حتى السجائر الإلكترونية، تصل عبرها المواد الضارة إلى الحلق والجوف مما يؤدي إلى إبطال الصوم. وتُعتبر هذه الحقائق جزءاً من المفهوم الشامل الذي يجسد عبارة "التدخين آفة العصر من الألف إلى الياء"، وهو ما أكده العلامة الدردير المالكي في "الشرح الكبير"، حيث بيَّن أن الدخان المتصاعد من حرق العود أو القدر إذا وصل إلى الحلق فإنه يوجب القضاء.

بهذا يتجلى أن جميع المدارس الفقهية تتفق على أن التدخين خلال نهار رمضان، لما ينطوي عليه من إدخال لمواد يمكن تجنبها، يُعد من الممارسات التي تُفسد الصوم. ويُظهر هذا الاتفاق الشامل حرص العلماء على حماية مفهوم الصوم من أي ما يُخل بتجربته الروحية والصحية، مؤكدين على ضرورة التزام الصائمين بالإمساك عن كل ما يصل إلى أجسامهم من مواد غير مرغوبة. وتظل هذه القضية نموذجًا على تفاعل الفقه مع التطورات العلمية والطبية في سبيل تحقيق مقاصد الشريعة الإسلامية في حماية الفرد والمجتمع من المخاطر الصحية والروحية.

الاكثر مشاهدة

تم نسخ الرابط