رئيس مجلس الإدارة
نيفين منصور
رئيس التحرير
إبراهيم مصطفى
10:05 ص calendar السبت 18 يوليو 2026

    تابعتُ مسلسل لام شمسية الذي عُرض خلال شهر رمضان، ووجدته تجربة جديدة على الدراما المصرية، حيث يتناول قضية حساسة وشديدة الخطورة، لا تمسّ المجتمع المصري فقط، بل تمتد إلى العالم بأسره. اختيار مثل هذا الموضوع بحد ذاته خطوة جريئة، وإن جاءت متأخرة بعد سنوات طويلة من التهرب من مناقشة مثل هذه القضايا في الأعمال الفنية.

    ذكرني هذا المسلسل ببعض الأعمال السينمائية القديمة التي كانت تهدف إلى توجيه رسائل قوية للأسرة والمجتمع، حيث تُعرض المشكلة، ثم تُبرز معاناة من يعيشها، ليكون المشاهد في النهاية أمام رؤية واضحة للعبرة المستفادة. من بين تلك الأعمال الخالدة أولاد الشوارع، الذي سبق زمانه بطرحه الجريء لكيفية تأثير البيئة المحيطة على الطفل وسلوكه ومستقبله، مما جعله واحدًا من أقوى الأفلام التوعوية التي سجلها التاريخ الفني.

    لكن مع مرور السنوات، تراجعت هذه النوعية من الأعمال، وحلّت مكانها دراما تجارية تفتقر إلى البعد التوعوي، تركز على الربح دون اكتراث بتأثير محتواها على المجتمع، خاصة على الأجيال الناشئة. باتت هذه الأعمال ترسّخ سلوكيات خطيرة، حتى صار الجمهور يتقبلها وكأنها واقع طبيعي يمكن تكراره وتقليده. استمر هذا الاتجاه لعقود، مما أرهق الذوق العام وأضعف رسالة الفن، حتى جاء لام شمسية ليحاول تغيير المسار، مقدّمًا قضية يخشى الكثيرون التطرق إليها علنًا، خوفًا من الجدل الاجتماعي وردود الأفعال المتباينة.

    بين قوة الفكرة وضعف المعالجة

     

    رغم أهمية الفكرة التي يعالجها المسلسل، فإن بعض عناصر الحبكة لم تكن مقنعة تمامًا، خاصة فيما يتعلق بشخصية نيللي، التي أدتها الفنانة أمينة خليل. صحيح أن التعرض لصدمة نفسية في الطفولة يمكن أن يترك أثرًا عميقًا يدوم طيلة الحياة، لكن السياق الدرامي لم يكن كافيًا لتبرير تطور حالتها النفسية بهذا الشكل. وفقًا للأحداث، تعرضت نيللي في طفولتها لحادث تحرش من طفلة تكبرها، لكنها نسيت الحادث تمامًا، ولم تستعد ذكرياته إلا بعد تعرض الطفل يوسف لحادث مشابه، ثم تذكرت الفاعل فجأة عند زيارتها للإسكندرية ودخولها الغرفة المرتبطة بالذكرى. هذا الطرح بدا غير مقنع، لأن الذاكرة البشرية لا تعمل بهذه الطريقة، خاصة أن الحدث لم يكن مرتبطًا بصدمة لحظية، بل كان “لعبة مستمرة” بين طفلتين، وفقًا لرواية العمل.

    الأطفال لديهم ردود فعل غريزية تجاه ما يشعرون أنه غير طبيعي، فهم إما أن يعتادوا عليه ويتقبلوه، أو يرفضوه ويشعروا بالنفور منه، كما ظهر في رد فعل يوسف أثناء حديثه مع الطبيب النفسي، حين عبّر عن إحساسه بكلمة “مُحرج”، وهو تعبير طبيعي ومُقنع للمشاهد. على العكس، جاءت معاناة نيللي غير مبررة دراميًا، خاصة أنها شخصية قوية، جريئة، وتدافع بشراسة عن قناعاتها، فكيف يتحول أمر عاشته كـ”لعبة” في طفولتها إلى مرض نفسي مزمن يطاردها حتى بعد النسيان؟ هذا التسلسل لم يكن منطقيًا.

    الأمر نفسه ينطبق على شخصية رباب، التي قدمتها الفنانة يسرا اللوزي، إذ ظهرت وكأنها تمتلك وعيًا كافيًا حول ما حدث لها، لكنها رغم ذلك ترفض الواقع حتى تصل إلى الاكتئاب والانهيار النفسي والرغبة في الانتحار. ومع ذلك، جاءت الأحداث التي تلت ذلك دون تبرير كافٍ لهذا التطور العاطفي الحاد، مما جعل حالتها تبدو غير متسقة مع السياق العام للمسلسل. على النقيض، كان أداء شخصية وسام أكثر انسجامًا مع القصة، فجاءت ردود أفعاله متوافقة مع خط الأحداث، مما جعله أكثر إقناعًا للمشاهد.

    غياب البعد القانوني ودور الدولة

     

    من النقاط التي أثارت التساؤل في المسلسل هو تجاهله لدور الدولة في مكافحة التحرش، رغم أن القضية التي يناقشها تُعَدّ من القضايا المجتمعية الكبرى التي تتصدى لها المؤسسات الرسمية عبر قوانين وإجراءات واضحة. في الواقع، عندما تثير قضية تحرش جدلًا واسعًا على مواقع التواصل الاجتماعي، تتدخل جهات رسمية، وعلى رأسها المجلس القومي للطفولة والأمومة، لبحث الأمر واتخاذ الإجراءات اللازمة. ولكن في لام شمسية، انتشرت قضية يوسف ونيللي في نطاق واسع، عرفها أهالي الطلاب في المدرسة، ومع ذلك لم نرَ أي رد فعل من مؤسسات الدولة!

    كان من الأكثر منطقية أن يُبرز العمل كيفية تعامل الجهات الرسمية مع مثل هذه الحالات، وأن يوضح للجمهور الخطوات القانونية التي يجب اتخاذها عند تعرض الأطفال لمثل هذه الحوادث. لكن المسلسل تجاهل ذلك تمامًا، ليختتم أحداثه بأغنية وطنية، في مشهد بدا منفصلًا عن السياق، ولم يعكس تطورًا حقيقيًا للأحداث أو حلولًا واقعية للمشكلة.

    رسالة فنية غير مكتملة

     

    لا شك أن لام شمسية حاول إعادة توجيه الدراما المصرية نحو مسار أكثر جرأة وعمقًا، لكنه لم يستطع استثمار فكرته القوية بالشكل الذي يجعلها تترك أثرًا حقيقيًا. معالجة القضايا الحساسة تتطلب دقة في بناء الشخصيات، ومنطقية في تطور الأحداث، وواقعية في الطرح، حتى يكون التأثير أعمق وأكثر إقناعًا. لو كان الهدف من المسلسل هو التوعية، فمن الأجدر أن يتناول الجوانب القانونية التي تتخذها الدولة ويقدم للجمهور خطوات واضحة للتعامل مع مثل هذه القضايا، بدلًا من التركيز فقط على الصدمة النفسية وتأثيرها دون تقديم حلول واقعية.

    في النهاية، يبقى لام شمسية تجربة مختلفة تستحق التقدير لمحاولتها كسر حاجز الصمت حول قضية هامة، لكنها كانت بحاجة إلى رؤية أكثر نضجًا وتماسكًا حتى تصل رسالتها كاملة إلى الجمهور.

    الاكثر مشاهدة

    تم نسخ الرابط