كيف يدرك الدماغ مرور الوقت ولماذا نشعر أن الزمن يمر بسرعة عندما نكون مشغولين؟
دراسة من جامعة نيفادا تكشف سر إدراك الوقت: لماذا نشعر أن الوقت يمر بسرعة عندما ننشغل وببطء عندما نشعر بالملل؟
ملخص
تُظهر دراسة حديثة من جامعة نيفادا أن الدماغ لا يقيس الوقت كما تفعل الساعة، بل يعتمد على كثافة التجارب وتتابع الأحداث. فإدراك الزمن يتشكل من خلال عدد الأنشطة والنشاط العصبي، لا من عدّ الدقائق والثواني. ركّز الباحثون على القشرة الحزامية الأمامية، ووجدوا أنها تسجل تسلسل التجارب وتستخدمه لتقدير مرور الوقت. لذلك نشعر بأن الوقت يمر بسرعة عند الانشغال، ويتباطأ مع الملل. هذه النتائج تغيّر فهمنا للزمن، وتفتح آفاقًا لتحسين إدارة الوقت والصحة النفسية عبر تنظيم النشاط والتجارب اليومية.

في دراسة علمية رائدة أجرتها جامعة نيفادا (UNLV)، كشف العلماء أن الطريقة التي يدرك بها الدماغ مرور الزمن تختلف تمامًا عما كان يُعتقد سابقًا. وبدلاً من الاعتماد على ساعة داخلية تقيس الوقت بالدقائق والثواني، أظهرت الدراسة أن أدمغتنا تعمل مثل عدادات للتجارب. فكل تجربة نخوضها، وكل نشاط نقوم به، يتم تسجيله في الدماغ، ويُستخدم لاحقًا كأساس لتحديد شعورنا بمرور الوقت. هذه النتائج تمثل تحوّلًا جذريًا في فهمنا لطبيعة إدراك الوقت في الدماغ.
القشرة الحزامية الأمامية ودورها في قياس الزمن عبر الأحداث
ركز فريق البحث على القشرة الحزامية الأمامية (ACC)، وهي منطقة في الدماغ تُعد محورية في مراقبة النشاط العصبي وتسجيل التجارب اليومية. وباستخدام نماذج من الفئران، قام الباحثون بقياس التغيرات في أنماط النشاط العصبي خلال أداء مهام متكررة، وتحديدًا عند تنفيذ حركة أنفية 200 مرة. لاحظ الفريق أن نمط النشاط في هذه المنطقة لم يكن مرتبطًا بالوقت المنقضي، بل بعدد التكرارات وجودة النشاط، مما يشير إلى أن الدماغ يقيس الزمن من خلال الأحداث المتتابعة وليس عبر عدّ الثواني كما تفعل الساعات التقليدية.
كيف تكشف القشرة الحزامية الأمامية طريقة إدراك الدماغ للزمن؟
اعتمد الباحثون في جامعة نيفادا على تحليل النشاط العصبي داخل القشرة الحزامية الأمامية (ACC)، وهي منطقة عميقة في الدماغ تُعرف بدورها الحيوي في تسجيل التجارب اليومية ومراقبة سلوكيات الأفراد. لفهم كيف يحسب الدماغ الوقت، صمم العلماء تجربة فريدة باستخدام فئران طُلب منها تنفيذ 200 حركة أنفية متكررة استجابةً لإشارة محددة. خلال ذلك، تم تتبع أنماط نشاط الدماغ في كل تكرار، من الحركة الأولى حتى الحركة رقم 200، لرصد العلاقة بين تكرار النشاط وإدراك الزمن.
أظهرت النتائج أن نشاط الدماغ والزمن لا يرتبطان بالمدة الزمنية الحقيقية، بل بتكرار التجارب المتعاقبة. فبغض النظر عن سرعة أو بطء أداء الفئران للمهمة، كانت أنماط الخلايا العصبية تُظهر استقرارًا لافتًا عبر جميع المراحل. وعند استخدام خوارزميات تعلم آلي للتنبؤ بسلوك الدماغ، جاءت النتائج متطابقة في كل مرة، مما أكد أن التغير في إدراك الوقت في الدماغ ليس ناتجًا عن الوقت نفسه، بل عن التقدم في عدد التجارب أو الأحداث المنفذة.
ولتقريب الصورة، سرد البروفيسور جيمس هيمان مثالًا عمليًا: تخيل عاملين في مصنعين مختلفين، طُلب من كلٍّ منهما إنتاج 100 قطعة. أحدهما أنهى عمله في 30 دقيقة، والآخر في 90 دقيقة. رغم الفرق في الزمن، لم تختلف أنماط النشاط في أدمغتهما، لأن الدماغ لا يسجل الوقت بالدقائق، بل بالأحداث المتكررة التي ينفذها الشخص. وهنا يتجلى أن إدراك الوقت في الدماغ لا يُقاس بالساعة، بل يتبع آلية "العداد العقلي". وفي أثناء دراسة كيفية عمل هذا العداد، لاحظ العلماء أن الدماغ يعتمد على تناوب مجموعات من الخلايا العصبية في تسجيل وتسليم المهام، تمامًا كما يفعل عداؤو التتابع عند تمرير العصا. فعندما يُطلب من الدماغ تكرار حركة أو مهمة ما، تنتقل المسؤولية تدريجيًا من مجموعة من الخلايا إلى أخرى، وهذا التسلسل يشكّل الأساس العصبي لـ تأثير النشاط على إدراك الوقت.

كيف تتعاون الخلايا العصبية في تنظيم إدراك الزمن داخل الدماغ؟
كشف البروفيسور جيمس هيمان، كبير مؤلفي الدراسة، أن الخلايا العصبية لا تعمل بمعزل عن بعضها، بل تتعاون بطريقة ديناميكية مرنة لتشكيل تصور زمني داخلي يساعدنا على تنظيم المهام والأنشطة. وأوضح أن الخلايا العصبية داخل القشرة الحزامية الأمامية تتوزع في مجموعات صغيرة تتبادل الأدوار أثناء أداء المهام، حيث تقوم كل خلية بأداء جزء من المهمة، ثم تمرر المعلومات إلى خلية أخرى، في نظام يشبه إلى حد كبير سباق التتابع. هذه البنية التعاونية تُعد ركيزة أساسية لفهم كيف يحسب الدماغ الوقت في غياب عداد زمني تقليدي. وأشار هيمان إلى أن هذه الآلية ليست مقتصرة على الحركات الجسدية فقط، بل تشمل أيضًا تجارب حياتية مركبة مثل خوض المحادثات، تناول الطعام، أو حتى الاستماع إلى قصة. فعلى سبيل المثال، عندما تشارك في محادثة أثناء تناول وجبة، قد يصعب عليك لاحقًا تذكر الجمل حرفيًا، ولكنك ستتذكر تسلسل المواضيع: بداية النقاش، ما قيل أثناء تناول الحلوى، وما انتهى به الحوار. هذا لأن إدراك الوقت في الدماغ يتكوّن من خلال ترابط التجارب، لا من خلال تتبع الزمن بالدقائق. الدراسة أيضًا كشفت أن سرعة الأداء تؤثر بشكل مباشر على نشاط الدماغ والزمن كما يُدركه الإنسان. فقد لاحظ الباحثون أن القوارض التي أدت مهامها بوتيرة أسرع كانت أكثر عرضة للشعور بأن الوقت يمر بسرعة. وهذا ما يدعم نظرية أن تأثير النشاط على إدراك الوقت حقيقي وملموس: كلما زاد انشغالنا وتعددت مهامنا، زاد شعورنا بأن الزمن يتسارع. لذا فإن الشعور بأن "الوقت يمر بسرعة عندما نستمتع"، يمكن تفسيره علميًا بأنه نتيجة مباشرة لكثافة النشاط العصبي وتتابع التجارب في الدماغ، وليس فقط متعة اللحظة.
أهم النقاط العلمية حول دور الدماغ في إدراك الوقت: نتائج واعدة وتطبيقات مستقبلية
رغم أن معظم الأبحاث السابقة ركزت على كيفية استجابة الدماغ خلال أجزاء من الثانية، إلا أن الدراسة الحديثة التي أجرتها جامعة نيفادا (UNLV) تعتبر أولى الدراسات الرائدة التي تبحث في إدراك الوقت في الدماغ عبر فترات زمنية طويلة تتراوح بين دقائق وساعات، وهي الفترات الزمنية الأقرب لما يعيشه الإنسان في حياته اليومية. وأكد البروفيسور جيمس هيمان أن هذا النوع من الأبحاث يمثل تحولًا نوعيًا في فهم كيف يحسب الدماغ الوقت، خاصة عندما يتعلق الأمر بسلوكيات متواصلة وليست لحظية. وسلطت الدراسة الضوء على الدور الحيوي الذي تلعبه القشرة الحزامية الأمامية (ACC) في تنظيم النشاط العصبي وتفسير الشعور بالزمن. هذه المنطقة ليست مسؤولة فقط عن تتبع الأحداث، بل تشارك أيضًا في مجموعة من الحالات النفسية والعصبية مثل الاكتئاب، القلق، اضطراب ما بعد الصدمة، والإدمان. وتعد ACC كذلك منطقة محورية في الأمراض التنكسية مثل مرض الزهايمر، الذي يُعرف بتشوه إدراك الوقت. وهذا يفتح الباب أمام ربط اضطراب الشعور بالزمن بحالات طبية أعمق وأكثر تعقيدًا. وبحسب الباحثين، فإن نشاط الدماغ والزمن في هذه المنطقة يمكن أن يلعب دورًا رئيسيًا في تحسين الأداء اليومي للإنسان. على سبيل المثال، معرفة كيفية حساب الدماغ للوقت قد يساعد الأشخاص في تنظيم المهام اليومية مثل تحضير الطعام من وصفة، أو إدارة الوقت في إنجاز الواجبات المدرسية، أو حتى تخطي الصدمات العاطفية بطريقة أكثر فاعلية. فالتجارب المتكررة والنشاط المستمر يؤثران بشكل مباشر على تأثير النشاط على إدراك الوقت، مما يجعل تنظيم التفاعل مع الأحداث اليومية ممكنًا عبر فهم بنية الدماغ الداخلية. ورغم أن هذه النتائج لا تزال أولية، أشار هيمان إلى أن الدراسة تمثل خطوة أولى نحو تطوير فهم أعمق لعلاقة إدراك الوقت بذاكرة الإنسان وإدارته للمواقف الحياتية. فمن خلال فهم كيف يُسجّل الدماغ التجارب المتكررة كوسيلة لقياس الزمن، يمكن مستقبلاً ابتكار أدوات واستراتيجيات لتحسين التركيز، وتقليل التشتت، ومعالجة التحديات النفسية بطرق علمية قائمة على أساس عصبي سليم.
نصائح عملية لتحسين الذاكرة وإدارة الوقت بناءً على فهم آلية عمل الدماغ
استنادًا إلى النتائج المستخلصة من الدراسة، يُنصح باتباع أسلوب علمي في إدارة الوقت وتحسين القدرة على التذكر، من خلال تقسيم فترات المذاكرة أو العمل إلى جلسات قصيرة تتخللها فترات راحة منتظمة. هذا النمط من التكرار المدروس ينسجم مع طريقة إدراك الوقت في الدماغ، حيث يساهم في تعزيز تخزين التجارب ضمن النظام العصبي، وتحديدًا داخل القشرة الحزامية الأمامية المسؤولة عن تنظيم تسلسل الأنشطة وتقدير الزمن.
وأشار البروفيسور جيمس هيمان إلى أهمية "زمن السكون"، موضحًا أن منح الدماغ فترات هدوء لا يقل أهمية عن النشاط العقلي، لأن نشاط الدماغ والزمن لا يرتبط فقط بكمية الإنجاز، بل أيضًا بكيفية تفاعل الخلايا العصبية مع الإيقاع العام للحياة. من جهة أخرى، إذا كان الهدف هو تخطي موقف مزعج أو حالة نفسية صعبة، فإن الانخراط في نشاط مباشر وسريع يمكن أن يساعد في إعادة ضبط إدراك الوقت، وتقليل التوتر المرتبط به، وهي إحدى الطرق التي توضح تأثير النشاط على إدراك الوقت.
وأوضح هيمان أيضًا وجود صلة وثيقة بين المناطق المسؤولة عن التنسيق العصبي – مثل القشرة الحزامية الأمامية – وبين المشاعر والعمليات الإدراكية. عندما نفهم كيف يحسب الدماغ الوقت، نصبح قادرين على توظيف هذا الفهم في تحسين تفاعلنا مع الواقع. فبدلًا من اعتبار الزمن مفهومًا خارجنا، يمكننا التعامل معه كإحساس داخلي نعيد تشكيله حسب سلوكياتنا ونشاطاتنا.
وفي هذا السياق، عندما تتسارع الأحداث حولنا، قد تبدو الحياة أكثر إثارة أو أحيانًا أكثر إجهادًا. لكن من منظور عصبي، فإن إدراك الزمن بهذه الطريقة ليس عشوائيًا، بل انعكاس حقيقي لنشاط الدماغ. فإذا شعرت بالإرهاق أو الضيق، فإن تقليل وتيرة الأحداث يمنح الدماغ فرصة لاستيعاب الزمن بوتيرة أبطأ. وعلى العكس، إذا شعرت بالركود أو الفراغ، فإن إدخال أنشطة جديدة قد يعيد تفعيل النظام العصبي ويمنحك شعورًا بزمن أكثر ديناميكية وامتلاءً.
وبمعرفة أن أدمغتنا تقيس الزمن بالتجربة لا بالثواني، يمكننا أن نعيد صياغة إدراكنا للزمن بما يخدم صحتنا النفسية والعقلية، لأننا بالفعل نمتلك مفتاح التحكم في الإحساس بالوقت من داخلنا.




