رئيس مجلس الإدارة
نيفين منصور
رئيس التحرير
إبراهيم مصطفى
05:37 م calendar السبت 18 يوليو 2026

احترار عالمي قبل 56 مليون سنة غيّر سلوك مفترس قديم يُدعى ديساكوس

دراسة تُظهر كيف أعاد تغيّر المناخ تشكيل النظام الغذائي لمفترس ما قبل التاريخ

تغيّر مناخي قديم
تغيّر مناخي قديم أجبر مفترسًا على أكل العظام - illustration

    أدلة أحفورية: تغيّر مناخي حاد جعل المفترس ديساكوس يغيّر نظامه الغذائي

    دراسة جديدة من جامعة روتجرز كشفت أن تغيّرًا مناخيًا سريعًا حدث قبل 56 مليون سنة أجبر مفترسًا قديمًا يُدعى "ديساكوس" على تغيير نظامه الغذائي، والبدء باستهلاك العظام بسبب تناقص الفرائس. الباحثون اعتمدوا على تحليل ميكروي لتآكل الأسنان ووجدوا أن الاحترار العالمي في تلك الفترة أثّر مباشرة على سلوك الحيوانات المفترسة، وهو ما يقدم إنذارًا واضحًا لتأثيرات تغيّر المناخ الحالي على سلاسل الغذاء.


    ما علاقة ارتفاع الحرارة بسلوك التغذية الحيواني؟
    أدلة أحفورية: تغيّر مناخي حاد جعل المفترس ديساكوس يغيّر نظامه الغذائي - illustration

    تغيّر مناخي قبل 56 مليون عام دفع حيوانًا مفترسًا إلى أكل المزيد من العظام

     

    تكشف دراسة جديدة نُشرت في مجلة Palaeogeography, Palaeoclimatology, Palaeoecology بقيادة فريق من جامعة روتجرز أن حيوانًا ثدييًا لاحمًا يُعرف باسم ديساكوس (Dissacus praenuntius) غيّر نظامه الغذائي خلال فترة الاحترار العالمي السريع قبل نحو 56 مليون سنة. وتوضح النتائج أن الاضطرابات البيئية المرتبطة بارتفاع ثاني أكسيد الكربون خلال الحد الأقصى الحراري بين العصرين الباليوسيني والإيوسين (Paleocene–Eocene Thermal Maximum – PETM) دفعت هذا المفترس إلى استهلاك المزيد من العظام، في مشهد يُشبه ما يواجهه كوكب الأرض اليوم من تغيّرات مناخية سريعة التأثير.

    PETM: احترار عالمي سريع وارتفاع ثاني أكسيد الكربون يغيّران شبكات الغذاء

     

    تركّز الدراسة على حقبة PETM التي شهدت قفزة كبيرة في درجات الحرارة العالمية نتيجة زيادة مستويات ثاني أكسيد الكربون، وما تبع ذلك من تحولات متسارعة في النظم البيئية. ويؤكد الباحث أندرو شوارتز من قسم الأنثروبولوجيا بجامعة روتجرز أن ما حدث حينها يشبه الاتجاهات الحالية: ارتفاع حرارة الكوكب، تغيّر موائل الكائنات، وتحوّل توافر الموارد الغذائية بطرق تعيد تشكيل سلوك الحيوانات المفترسة والفرائس على حد سواء.

    من هو ديساكوس؟ مفترس بحجم ابن آوى بسمات ذئبية وأسنان تشبه الضباع

     

    كان ديساكوس مفترسًا يقارب حجمه ابن آوى أو الكايوتي، بملامح تشبه الذئاب مع رؤوس كبيرة وأطراف تنتهي بحوافر صغيرة، وأسنان قاطعة وطاحنة أقرب إلى أسنان الضباع. قبل الاحترار، اعتمد هذا الحيوان على لحوم قاسية على نحو يشبه ما تفعله الفهود المعاصرة. غير أن تقلص أحجام الفرائس خلال فترة PETM غيّر قواعد اللعبة، فزاد اعتماده على كسر العظام واستهلاكها للحصول على الغذاء والمغذيات الكامنة داخلها.

    تحليل تآكل الأسنان الميكروي يكشف تحوّلًا غذائيًا نحو العظام

     

    اعتمد الفريق على تقنية تحليل نسيج التآكل الميكروي للأسنان لفهم النظام الغذائي قبيل الوفاة بأسابيع. وبيّنت الأنماط الميكروسكوبية على أسنان ديساكوس خلال فترة الاحترار تشابهًا لافتًا مع ما يُرى لدى الأسود والضباع اليوم، بما يعكس استهلاك أطعمة أكثر هشاشة كالعظام. وسجّل الباحثون كذلك انخفاضًا طفيفًا في حجم الجسم يُرجَّح أنه مرتبط بندرة الغذاء لا بارتفاع الحرارة وحده، ما يدعم فرضية أن الضغط الغذائي أعاد تشكيل السلوك الغذائي لهذا المفترس.

    هل يدفع تغيّر المناخ الحيوانات إلى أكل العظام؟
    ديساكوس... مفترس تحوّل بسبب تغيّر مناخي مفاجئ - illustration

    دروس حية للمستقبل: الأنواع العامة تتكيّف أفضل من المتخصصة

     

    استمرت موجة الاحترار السريع قرابة 200 ألف عام لكنها أحدثت تغييرات بيئية جذرية خلال زمن قصير، وهو ما يسلّط الضوء على قيمة دراسة الماضي للتنبؤ باستجابات الحيوانات للتغير المناخي الراهن. وتشير النتائج إلى أن الأنواع العامة القادرة على تنويع غذائها تمتلك فرص بقاء أعلى من الأنواع المتخصصة مثل الباندا. ويستشهد شوارتز بأبحاث سابقة تُظهر أن بعض ابن آوى في إفريقيا زاد اعتمادَه على أكل العظام والحشرات مع فقدان الموائل وتزايد الضغوط المناخية، وهي استجابة تكيفية مشابهة لما لوحظ لدى ديساكوس في سجل الحفريات.

    تحولات في المفترسات والفرائس وانعكاساتها على النظم البيئية

     

    تُبرز الدراسة قدرة الاحترار السريع على إعادة تشكيل شبكات الغذاء عبر تقليص أحجام الفرائس وتغيير سلوك المفترسات تجاه موارد بديلة مثل العظام، وهي إشارات تحذيرية لما قد تواجهه الحياة البرية المعاصرة مع تسارع تغير المناخ. وعلى الرغم من أن ديساكوس ظل حاضرًا في السجل الأحفوري لنحو 15 مليون سنة، فإن تراكب الضغوط البيئية وظهور منافسين جدد قادا في النهاية إلى اندثاره.

    حوض بيغ هورن في وايومنغ: سجل أحفوري متصل لتتبّع التغيّر عبر الزمن

     

    أُجريت الدراسة على حفريات من حوض بيغ هورن بولاية وايومنغ، وهو موقع يتميز بسجل أحفوري متصل ودقيق يغطي ملايين السنين. هذا الاتساق الزمني أتاح للباحثين تتبّع التغيرات البيئية والبيولوجية بدقة عالية، وربط التحولات في سلوك التغذية لدى ديساكوس بإشارات مناخية موثّقة تعود إلى فترة PETM.

    شغف يقود إلى العلم: رحلة شوارتز من جمع الحفريات إلى دراسة المناخ القديم

     

    بدأ اهتمام أندرو شوارتز بعلم الحفريات منذ طفولته حين رافق والده في جولات لجمع الحفريات على ضفاف أنهار نيوجيرسي. ومع اقترابه من إتمام درجة الدكتوراه اليوم، يطمح إلى توظيف معطيات الماضي للإجابة عن أسئلة تتعلق بمستقبل التنوع الحيوي على الأرض. ويقول مخاطبًا الجيل الجديد: إن رؤية طفل يتأمل ديناصورًا في متحف قد تكون الشرارة الأولى لمسار علمي كامل؛ فطريق علم الحفريات مفتوح لكل من يملك فضول الاكتشاف.

    الاكثر مشاهدة

    تم نسخ الرابط