رئيس مجلس الإدارة
نيفين منصور
رئيس التحرير
إبراهيم مصطفى
02:48 م calendar السبت 18 يوليو 2026

ينابيع حديدية تكشف كيف كانت الحياة قبل هيمنة الأكسجين

كيف عاشت الكائنات في بيئة قبلية؟ الحياة قبل هيمنة الأكسجين تُدهش العلماء

الحياة قبل هيمنة
الحياة قبل هيمنة الأكسجين كانت أغنى مما نظن: اكتشاف مفاجئ - illustration

    تخيّل عالمًا كانت فيه الحياة قبل هيمنة الأكسجين، حيث كان الحديد يغذي الميكروبات والأكسجين يُعدّ سُمًّا للكائنات الحية، فهل كانت تلك بداية الحياة كما نعرفها؟

    في دراسة جديدة نشرتها Science Advances، قادها باحثون من معهد طوكيو للعلوم، تم الكشف عن نظام ميكروبي انتقالي يعكس الحياة قبل هيمنة الأكسجين، من خلال ينابيع يابانية غنية بالحديد تحاكي ظروف الأرض قبل 2.3 مليار سنة. أظهرت التحاليل سيطرة مؤكسدات حديد محبة للأكسجين القليل، وتواجد سيانوبكتيريا، ودورات كربون وكبريت خفية. تُظهر النتائج كيف تعاونت كائنات متنوعة في بيئة فقيرة بالأكسجين، ما يعيد تصور بدايات الحياة على الأرض ويطرح سيناريوهات جديدة للبحث عن حياة في كواكب أخرى.


    الحياة قبل هيمنة الأكسجين: دراسة ميدانية في أعماق الينابيع اليابانية
    كيف كانت الحياة قبل هيمنة الأكسجين؟ -   illustration

    الحياة قبل هيمنة الأكسجين: ينابيع غنية بالحديد تكشف نظامًا ميكروبيًا انتقاليًا قبيل حدث الأكسجة العظمى

     

    نشرت Science Advances دراسة قادتها فاطمة لي-هاو (Fatima Li-Hau) بإشراف الأستاذ المشارك شون ماكغلين (Shawn McGlynn) من معهد علوم الأرض والحياة (ELSI) في معهد طوكيو للعلوم (Institute of Science Tokyo)، اليابان. تعالج الدراسة سؤالًا جوهريًا عن هيئة الحياة حين كانت مستويات الأكسجين على الأرض أقل بنحو مليون مرة مما هي عليه اليوم، في عالم بلا غابات ولا حيوانات، وكان الأكسجين سامًا للكائنات القديمة. وتنظر الدراسة في ينابيع حارة غنية بالحديد تحاكي كيمياء بحار الأرض المبكرة حول زمن التحول الأكبر في تاريخ الكوكب المعروف بـحدث الأكسجة العظمى، لتكشف كيف حوّلت مجتمعات ميكروبية مبكرة فضلات نوع إلى مصدر طاقة لنوع آخر قبل أن تتصدر مسارات التمثيل الضوئي المشهد.

    ينابيع حارة غنية بالحديد في اليابان كنموذج لبحار الأرض المبكرة

     

    اختبر الفريق خمسة ينابيع حارة تختلف كيميائيات مياهها: نبع واحد في طوكيو، واثنان في محافظة أكيتا، واثنان في محافظة أوموري. تتسم هذه الينابيع بارتفاع تركيز الحديد ثنائي التكافؤ Fe2+، وانخفاض مستويات الأكسجين، ودرجة حموضة pHشبه متعادلة. في عالمنا المؤكسَج اليوم يتحول Fe2+ سريعًا إلى الحديد ثلاثي التكافؤ Fe3+ غير القابل للذوبان عند ملامسة الأكسجين، لذلك يمثل استمرار وجود Fe2+ المذاب في هذه الينابيع نافذة طبيعية نادرة لظروف تُشبه أجزاء من بحار الأرض عند الانتقال من العصر الأركي المتأخر إلى العصر البروتيروزوي المبكر.

    ماذا نعرف عن الحياة قبل هيمنة الأكسجين؟ باحثون يكشفون التفاصيل
    كشف علمي جديد يوضح تعقيد الحياة قبل هيمنة الأكسجين - illustration

    حدث الأكسجة العظمى وتبدّل تركيب الغلاف الجوي للأرض

     

    وقع حدث الأكسجة العظمى قبل نحو 2.3 مليار سنة، ويرجَّح أنه انطلق بنشاط سيانوبكتيريا (Cyanobacteria) استخدمت ضوء الشمس لشطر الماء ثم تحويل ثاني أكسيد الكربون إلى أكسجين عبر التمثيل الضوئي. اليوم يتألف الغلاف الجوي من قرابة 78% نيتروجين ونحو 21% أكسجين، مع آثار ضئيلة من غازات مثل الميثان وثاني أكسيد الكربون التي ربما لعبت دورًا أكبر قبل صعود الأكسجين. هذا الارتفاع الكبير مكّن لاحقًا الكائنات متعددة الخلايا من التنفس، لكنه عقّد حياة السلالات القديمة التي لم تكن متكيفة مع وجود الأكسجين.

    بكتيريا مؤكسِدة للحديد محبة للأكسجين القليل تهيمن على أربعة ينابيع

     

    أظهرت القياسات أن أربعة من الينابيع الخمسة تهيمن عليها بكتيريا مؤكسِدة للحديد محبة للأكسجين القليل (microaerophilic)، وهي كائنات تزدهر عند مستويات أكسجين منخفضة وتستمد طاقتها من أكسدة Fe2+ إلى Fe3+. كما وُجدت سيانوبكتيريا منتجة للأكسجين عبر التمثيل الضوئي، لكنها كانت بأعداد محدودة نسبيًا. الاستثناء الوحيد كان أحد ينابيع أكيتا، حيث سادت مسارات تمثيل غذائي لا تعتمد على الحديد بصورة مفاجئة مقارنة ببقية المواقع. ترسم هذه الصورة ملامح منظومة انتقالية استغلّت فيها الميكروبات الأكسجين الذي تطرحه الكائنات الضوئية، بالاقتران مع الحديد، لتوليد الطاقة قبل أن تترسخ سيادة التمثيل الضوئي على نطاق واسع.

    تحليل ميتاجينومي يكشف دور الكربون والنيتروجين ودورة كبريت خفية

     

    باستخدام تحليل ميتاجينومي (metagenomic)، جمع الفريق أكثر من مئتي جينوم ميكروبي عالي الجودة ثم حلّل وظائف الميكروبات داخل المجتمعات. تبيّن أن الكائنات التي تقرن بين استقلاب الحديد والأكسجين قادرة على استغلال مركبات سامة كمصدر للطاقة، وفي الوقت نفسه تُبقي مستويات الأكسجين منخفضة بما يسمح باستمرار الكائنات اللاهوائية الحساسة للأكسجين. وعلى مستوى الدورات الحيوية، رُصد تنفيذ عمليات أساسية تشمل دورتي الكربون والنيتروجين. والأكثر إثارة للدهشة ظهور أدلة على دورة كبريت جزئية؛ إذ حدد الباحثون جينات ترتبط بأكسدة الكبريتيد وباستيعاب الكبريتات رغم فقر مياه الينابيع بمركبات الكبريت. لذلك يقترحون وجود دورة كبريت خفية تعيد فيها الميكروبات تدوير الكبريت بطرائق معقدة لم تتضح تفاصيلها بعد.

    تعايش متكرر يضبط الأكسجين ويُكمل دورات جيواحيائية

     

    على الرغم من اختلاف الجيوكيمياء وتراكيب المجتمعات الميكروبية عبر المواقع الخمسة، تُظهر النتائج أنه عند توافر Fe2+ مع إمداد محدود من الأكسجين، تتكرر صيغة تعايش بين مؤكسدات الحديد المحبة للأكسجين القليل، وكائنات ضوئية منتجة للأكسجين، وكائنات لاهوائية. هذا التعايش يُنتج شبكات متشابهة وقريبة من الاكتمال من حيث الدورات الجيواحيائية، ويُبقي مستويات الأكسجين ضمن نطاق يسمح باستمرار أنماط حياة متباينة المتطلبات في المكان نفسه.

    قراءة جديدة لبدايات الأنظمة البيئية وانتقالها نحو عالم مؤكسَج

     

    تقترح الدراسة إعادة نظر في تصورنا للأنظمة المبكرة على الأرض. فبدلًا من قفزة فورية إلى سيادة التمثيل الضوئي، يبدو أن الميكروبات استغلت أولًا طاقة ناتجة من أكسدة الحديد مع الأكسجين الذي أنتجته كائنات ضوئية، ما أوجد مجتمعًا انتقاليًا يجمع سيانوبكتيريا وكائنات لاهوائية ومؤكسدات للحديد في بيئة واحدة تتحكم محليًا بتركيزات الأكسجين. بهذه الآلية تحوّل ما يُعد فضلات عند نوع إلى دخل طاقي لآخر، في خطوة مهّدت تدريجيًا لعالم مؤكسَج وهيمنة التمثيل الضوئي.

    الاكثر مشاهدة

    تم نسخ الرابط