رئيس مجلس الإدارة
نيفين منصور
رئيس التحرير
إبراهيم مصطفى
11:23 ص calendar السبت 18 يوليو 2026

زانثوماتين: الصبغة التي تمنح الأخطبوطات قدرة التمويه وتُصنع باستخدام البكتيريا

في سابقة علمية، نجح فريق من العلماء في إنتاج صبغة زانثوماتين باستخدام بكتيريا مهندسة وراثيًا، مما يفتح مجالًا لتطبيقات صناعية.

كيف ساعدت البكتيريا
كيف ساعدت البكتيريا في إنتاج صبغة زانثوماتين وتحسين قدرات التمويه؟ - illustration

    ملخص

    كشف باحثون من جامعة كاليفورنيا في سان دييغو عن تقنية ثورية لتحويل البكتيريا إلى مصانع حيوية قادرة على إنتاج صبغة زانثوماتين (xanthommatin)، وفق ما ورد في دراسة حديثة نُشرت في مجلة Nature Biotechnology. وتُعد هذه الصبغة من العناصر المسؤولة عن قدرة الكائنات البحرية، مثل الأخطبوط والحبار، على تغيير ألوانها بسرعة ودقة مذهلتين. استخدم الفريق تقنيات متقدمة في الهندسة الوراثية لزيادة كفاءة إنتاج الصبغة بمعدل يفوق الأساليب التقليدية بنحو ألف مرة، مما يفتح آفاقًا جديدة لاستخدامها في مجالات متنوعة تشمل الإلكترونيات، والمواد الذكية، والأصباغ الطبيعية. ويُعد هذا التقدم خطوة كبيرة نحو تسخير البيولوجيا الصناعية لتطوير مواد مستدامة مستوحاة من الطبيعة، ما يعكس تحوّلًا جوهريًا في الطريقة التي يمكن بها للعلم أن يدمج بين الابتكار والتوازن البيئي.

    العلماء ينجحون في زيادة إنتاج صبغة زانثوماتين باستخدام بكتيريا مهندسة
    كيف يمكن لبكتيريا مهندسة وراثيًا إنتاج صبغة زانثوماتين؟ - illustration

    اختراق يحوّل البكتيريا إلى مصانع لصبغة تمويه الأخطبوط

     

    اقترب علماء من جامعة كاليفورنيا في سان دييغو (University of California, San Diego) خطوة كبيرة من فك لغز واحدة من أروع قدرات الطبيعة: التخفي اللحظي. فالأخطبوطات والحبار والسيبيا تغيّر ألوانها فورًا لتندمج مع محيطها، وتقف وراء هذا المشهد صبغة طبيعية اسمها زانثوماتين (xanthommatin) تتحكم في التحول اللوني على سطح الجلد بدقة لافتة.

    نُشر البحث في Nature Biotechnology، وقاده فريق من معهد سكريبس لعلوم المحيطات (Scripps Institution of Oceanography) في جامعة كاليفورنيا في سان دييغو. ويعرض العمل طريقة عملية لإنتاج زانثوماتين بكميات كبيرة داخل المختبر، بما يتيح فهمًا أعمق لآليات التمويه الحيوي ويوفر إمدادًا مستدامًا لهذه المادة.

    زانثوماتين وراء قدرة التمويه

     

    تستجيب صبغة زانثوماتين للضوء، ما يمكّن الجلد لدى رأسيات الأرجل من تبديل اللون وفق الخلفية المحيطة خلال لحظات. وقد جذبت خصائصها اهتمام العلماء والجهات الدفاعية لسنوات طويلة، لكن تكرارها مخبريًا كان صعبًا بسبب ندرة الإمداد؛ فحصادها من الحيوانات غير قابل للتوسّع، والطرق الكيميائية التقليدية قليلة العائد ومجهِدة.

    تصنيع حيوي يرفع إنتاج الصبغة ألف مرة

     

    ابتكر الفريق نهجًا حيويًا لتصنيع الصبغة داخل بكتيريا معدلة وراثيًا، ونجح في رفع الإنتاجية حتى ألف ضعف مقارنة بالأساليب السابقة. ويمهد هذا التطور لاستخدامات واسعة في المواد والتجميل، من الإلكترونيات الضوئية والطلاءات الحرارية إلى الأصباغ والمنتجات الواقية من الأشعة فوق البنفسجية. يقول برادلي مور (Bradley Moore)، المؤلف الرئيسي للدراسة وكيميائي بحري يعمل في معهد سكريبس وكلية سكاغز للصيدلة والعلوم الصيدلانية بجامعة كاليفورنيا في سان دييغو (Skaggs School of Pharmacy and Pharmaceutical Sciences): "لقد طوّرنا تقنية جديدة سرّعت قدرتنا على تصنيع زانثوماتين داخل بكتيريا للمرة الأولى، وهذه مجرد بداية لاستكشاف إمكانات مادة تمنح الأخطبوط والحبار قدرة تمويه مذهلة."

    زانثوماتين: الصبغة التي تمنح الأخطبوطات قدرة التمويه وتُصنع باستخدام البكتيريا
    كيف يساهم زانثوماتين في قدرة التمويه السريع لدى الأخطبوطات؟ أرشيفية 

    نمو مقترن بالتخليق الحيوي يحوّل الإنتاج إلى ضرورة للبقاء

     

    غالبًا ما يخلق تصنيع مركبات غريبة عبئًا استقلابيًا على الميكروبات، فتقاوم توجيه مواردها نحو صنع مواد غير مألوفة. لمعالجة ذلك، صمّم الباحثون نهجًا يسمّى growth coupled biosynthesis، أي ربط النمو والبقاء مباشرة بعملية التخليق الحيوي. بدأوا بخلية بكتيرية مريضة مهندسة وراثيًا لا يمكنها العيش إلا إذا أنتجت زانثوماتين ومعه مركبًا ثانيًا هو حمض الفورميك. ولكل جزيء من الصبغة يتولّد جزيء من حمض الفورميك يعمل وقودًا لنمو الخلية، فتنشأ حلقة تغذية راجعة تجعل زيادة الإنتاج مصلحة حياتية للبكتيريا. تقول ليا بوشين (Leah Bushin)، المؤلفة الأولى للدراسة وباحثة سابقة في معمل مور وعضو هيئة تدريس في جامعة ستانفورد (Stanford University): "كنّا بحاجة إلى نهج جديد كليًا، وقد ابتكرنا عمليًا طريقة لخداع البكتيريا لتصنع المزيد من المادة التي نحتاجها."

    من ملليغرامات إلى غرامات لكل لتر

     

    تاريخيًا، كانت العوائد لا تتجاوز نحو خمسة ملليغرامات من الصبغة لكل لتر من وسط الزراعة البكتيرية "إذا حالفك الحظ". أما الطريقة الجديدة فحققت ما بين غرام واحد وثلاثة غرامات لكل لتر، وهو فرق نوعي يغيّر معادلة الإمداد والإنتاج. وتستعيد بوشين لحظة النجاح الأولى فتقول: "أعددتُ التجربة وتركتُها طوال الليل. عندما عدتُ في الصباح ورأيتُ أنها تعمل وتنتج الكثير من الصبغة شعرتُ بسعادة بالغة. لحظات كهذه تدفعني إلى مواصلة البحث."

    روبوتات والتطور المختبري التكيفي يعزّزان الأداء

     

    ولتعظيم العائد أكثر، استخدم الفريق أنظمة روبوتية وأتمتة عالية الإنتاجية عبر جولتين من التطور المختبري التكيفي، ما حسّن أداء السلالات خطوة فخطوة. قاد هذا المسار آدم فايست (Adam Feist)، أستاذًا في قسم شو تشيين-جين لاي للهندسة الحيوية بمدرسة جاكوبس للهندسة في جامعة كاليفورنيا في سان دييغو (Shu Chien-Gene Lay Department of Bioengineering, Jacobs School of Engineering) وباحثًا أول في مركز مؤسسة نوفو نورديك للاستدامة الحيوية في الدنمارك (Novo Nordisk Foundation Center for Biosustainability). كما استعان الفريق ببرمجيات معلوماتية حيوية من معمل فايست لتحديد طفرات زادت إنتاجية الميكروبات، فباتت السلالات المحسنة تصنّع الصبغة بكفاءة اعتمادًا على مصدر غذائي واحد. ويقول فايست: "هذا المشروع يقدّم لمحة عن مستقبل تُتيح فيه البيولوجيا، عبر الأتمتة المتقدمة وتكامل البيانات والتصميم الحاسوبي، إنتاج مركّبات ومواد قيّمة بطريقة مستدامة وبوتيرة أسرع."

    صبغة تظهر أيضًا في الحشرات

     

    لا تقتصر زانثوماتين على رأسيات الأرجل؛ فهي موجودة أيضًا لدى بعض الحشرات ضمن مفصليات الأرجل، فتمنح أجنحة فراشات المونارك ألوانًا برتقالية وصفراء لافتة، وتظهر في الحمرة الزاهية لأجسام اليعاسيب وعيون الذباب. وعلى الرغم من هذه الخصائص اللونية، ظلّ الفهم العلمي محدودًا بسبب صعوبة الإمداد واعتماد طرق تقليدية منخفضة العائد.

    تمويل وتطبيقات من التمويه إلى واقيات الشمس

     

    حصل المشروع على تمويل من المعاهد الوطنية للصحة (National Institutes of Health) ومكتب البحوث البحرية (Office of Naval Research) والمؤسسة الوطنية السويسرية للعلوم (Swiss National Science Foundation) ومؤسسة نوفو نورديك (Novo Nordisk Foundation). ويلفت الباحثون إلى اهتمام من جهات دفاعية وشركات تجميل؛ فهناك من يسعى لاستغلال قدرات الصبغة في التمويه الطبيعي، فيما تدرس شركات العناية بالبشرة إدماجها في واقيات شمس طبيعية. كما تلوح تطبيقات في دهانات منزلية متغيرة اللون ومستشعرات بيئية.

    نحو مواد مستدامة مستوحاة من الطبيعة

     

    يتوقع برادلي مور أن يغيّر هذا النهج غير التدخلي طريقة التفكير في هندسة الخلايا وإنتاج الكيماويات الحيوية. ويشير إلى أن ربط البقاء بإنتاج المركب أطلق قفزة كبيرة في القدرة التصنيعية وحلّ معضلة الإمداد، ما قد يتيح زانثوماتين على نطاق أوسع. وبحسب الفريق، يمكن تطبيق التقنية نفسها لإنتاج مركبات أخرى قيمة، بما يساعد الصناعات على الابتعاد عن المنتجات البترولية نحو مواد مستدامة مستلهمة من الطبيعة، من الإلكترونيات الضوئية والطلاءات الحرارية إلى الأصباغ والمنتجات الواقية من الأشعة فوق البنفسجية.

    تم نسخ الرابط