رئيس مجلس الإدارة
نيفين منصور
رئيس التحرير
إبراهيم مصطفى
10:05 ص calendar السبت 18 يوليو 2026

    ماذا بعد رحيل عبد الرحيم علي؟

     

    سؤال يتردد كصدى بعيد في أروقة البوابة نيوز، بعدما تابعنا جميعًا اعتصام صحفييها خلال الأسبوع الماضي. هؤلاء الذين حملوا أقلامهم طوال أحد عشر عامًا، وكتبوا بجدٍّ وإخلاص، وجدوا أنفسهم مضطرين للمطالبة بحقوق أساسية: الحد الأدنى للأجور، تأمين بيئة عمل آمنة، وتوفير تأمين صحي يليق بإنسان اختار أن يحيا بين الكلمات والمسؤولية. أكثر من مئتي صحفي يعملون في هذه المؤسسة العريقة، لكلّ منهم دوره وصوته ومكانه، لكن أعباء المعيشة لم تعد ترحم أحدًا، فكانت مطالبهم ضرورة حياتية لا يمكن تجاهلها.

    تحرّكت وزارة العمل سريعًا بخطوات قانونية تهدف إلى احتواء الأزمة، مستندة إلى قانون العمل الجديد الذي بدأ تطبيقه منذ أكتوبر الماضي. كما كان موقف نقابة الصحفيين واضحًا وحاسمًا؛ تضامن، حضور، دعم، ومحاولة البحث عن حل مع إدارة المؤسسة التي لم تعرف من قبل أزمة أشد من تلك التي تمر بها الآن. كل ذلك كان محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من مشهد يزداد التوتر فيه يومًا بعد يوم.

    ثم هبّت اللحظة التي مزّقت سكون المشهد وقلبته رأسًا على عقب؛ اللحظة التي أعلن فيها الصحفي والكاتب عبد الرحيم علي استقالته رسميًا من رئاسة مجلس إدارة البوابة نيوز، طالبًا إزالة اسمه من ترويسة الجريدة والموقع. لم يكن ذلك مجرد قرار إداري عابر، بل كان أشبه بانطفاء ضوءٍ في بيتٍ شُيّد بالحلم وصنعه الشغف على مدى سنوات. وفي تلك اللحظة تسللت إلى قلبي غصة حزن عميقة، رغم تضامني المطلق مع حقوق الزملاء المعتصمين، لأن القرار بدا أقرب إلى صرخة رجل يرى حلمه ينهار أمام عينيه، وهو عاجز تمامًا عن إنقاذ ما تبقى منه.

    أتذكر جلسة جمعتني منذ فترة بالزميلة إيمان عوف، رئيس لجنة الحريات بنقابة الصحفيين، والزميل مصطفى ثابت، المسئول العام عن بوابة الفجر الإلكترونية، في حلقة من برنامجي “من أول وجديد”. تحدثنا طويلًا عن مشاكل العاملين في الإعلام، وعن أزمات التمويل والإعلانات، وعن المؤسسات الصحفية الخاصة التي تكافح يوميًا لتغطية نفقات التشغيل والأجور والتراخيص والصيانة. كنا نتحدث بصدق وقلق، وكنّا ندرك أن الطريق مسدود دون حلول جذرية، لكننا لم نصل إلى مخرج واقعي يمكن أن يضمن للبقية استمرارهم.

    وهنا، بدا اعتصام صحفيي البوابة نيوز كجرس إنذار. أزمة تتصاعد، وواقع يضغط، وحقوق تُطالب، ومؤسسة تقف على حافة الانهيار. وفي وسط هذا كله، تأتي استقالة عبد الرحيم علي ليست إعلانًا للرحيل فحسب، بل إعلانًا عن عجز كامل أمام أزمة متغلغلة استمرت أحد عشر عامًا. قرأت مقاله الأخير وكأن كلماته تخرج من قلب أثقلته الخسارة؛ كلمات رجل حمل حلمًا طويلًا، وحاول مرارًا أن يحميه، لكنه وجد نفسه فجأة في مواجهة انهيار لا حلول له.

    وما حدث في البوابة نيوز ليس حالة فردية، بل مؤشر مرعب لكل المؤسسات الصحفية الخاصة التي تكافح لتطبيق الحد الأدنى للأجور، ولتسديد التزاماتها المالية. إنها رسالة واضحة بأن هذا القطاع يقف على حدود الخطر، وأننا قد نرى انهيارات متتابعة إذا لم نجد حلولًا جادة وواقعية. فالمؤسسات الخاصة التي تقدم خدمة لا ربحًا  تواجه اليوم أزمة تمويل خانقة تهدد وجودها بالكامل.

    ما نحتاجه اليوم هو دعم حقيقي. ربما يأتي من المجتمع المدني، أو من البنوك الوطنية، أو من آليات تمويل تضمن الحياة لهذه المؤسسات بدلًا من تركها تواجه مصيرها وحدها. فالصحافة ليست مشروعًا تجاريًا، بل رسالة، مرآة للمجتمع، وصوت للناس. وإن لم نحافظ عليها، سنخسر جزءًا أصيلًا من وعي الأمة.

    ومع توجه الدولة نحو تطوير الإعلام في الفترة الأخيرة، يصبح من الضروري أن تشمل الخطط دعم الصحافة الخاصة بشكل مدروس وجاد. فغياب هذا الدعم سيجعل المشهد الإعلامي يفقد تنوعه ويخسر مؤسساته الصغيرة تباعًا. والسؤال الآن:

    هل يأتي من يستجيب قبل أن ينهار ما تبقى من المؤسسات الصحفية الخاصة؟

    إنها لحظة حاسمة، لحظة تحتاج إلى إرادة إنقاذ، قبل أن نفتح أعيننا على فراغ إعلامي لم نكن نتخيل وصوله يومًا.

    الاكثر مشاهدة

    تم نسخ الرابط