رئيس مجلس الإدارة
نيفين منصور
رئيس التحرير
إبراهيم مصطفى
11:07 ص calendar السبت 18 يوليو 2026

خلل طاقة الحُصين يكشف رابطًا جديدًا بين الاكتئاب والقلق

عبر تتبع تأثير الضغط المزمن على ATP، يوضح العلماء مسارًا جزيئيًا جديدًا يساعد في تفسير تزامن اضطرابات المزاج لدى الكثيرين.

دور الحُصين في تشكّل
دور الحُصين في تشكّل سلوكيات القلق والاكتئاب تحت الضغط - illustration

    ملخص

    عندما تتراجع طاقة الخلايا في الحُصين، يبدأ الدماغ بإطلاق إشارات مرتبكة قد تدفع الشخص إلى الاكتئاب والقلق حتى دون وجود أسباب واضحة من الحياة اليومية.
    في دراسة حديثة نُشرت في The Journal of Neuroscience، كشف باحثون من جامعة ساذرن ميديكال عن مسار جزيئي جديد يجمع بين الاكتئاب والقلق عبر اضطراب إشارات الطاقة في الحُصين. أظهرت النتائج أن نقص ATP وتراجع كونكسين 43 تحت الضغط المزمن يؤديان إلى سلوكيات مشابهة لاضطرابات المزاج، بينما تسبب تعطيل إطلاق ATP وحده في ظهور نفس الأعراض حتى دون وجود ضغوط خارجية. وتشير الدراسة إلى أن استعادة إشارات الطاقة قد تمثّل استراتيجية علاجية مستقبلية تستهدف الجذر البيولوجي المشترك للقلق والاكتئاب.

    الضغط المزمن وتأثيره على طاقة الدماغ وسلوكيات الاضطراب
    اكتشاف آلية طاقية تربط القلق بالاكتئاب في الدماغ - illustration

    من ضغوط الحياة إلى كيمياء الدماغ

     

    عندما نفكر في الاكتئاب والقلق، نتجه عادةً إلى الأحداث الصعبة والضغوط اليومية التي نمر بها. لكن خلف هذه المشاعر الثقيلة يدور في الدماغ عالم آخر من الإشارات الكيميائية وجزيئات الطاقة التي تعمل في صمت. إذا اختل هذا العالم، يمكن أن يتغيّر المزاج وسلوكنا بشكل عميق، حتى لو ظلّت حياتنا من الخارج كما هي.

    في محاولة لفهم هذا الجانب الخفي من اضطرابات المزاج، قاد تيان مينغ جاو (Tian-Ming Gao) وفريقه من جامعة ساذرن ميديكال (Southern Medical University) دراسة جديدة نُشرت في The Journal of Neuroscience، تتبّعوا فيها كيف يمكن لجزيء أدينوزين ثلاثي الفوسفات (adenosine triphosphate, ATP)، وهو جزيء الطاقة الرئيسي في الخلايا، أن يؤثر في ظهور سلوكيات شبيهة بالاكتئاب والقلق لدى فئران ذكور. ركّز الباحثون على منطقة الحُصين في الدماغ، المعروفة بدورها في الذاكرة والاستجابة للضغط وتطوّر الأعراض الاكتئابية.

    لماذا ركّزت الدراسة على الحُصين و ATP؟

     

    ATP ليس مجرد "بطارية" داخل الخلية؛ فهو يعمل أيضًا كمرسال كيميائي يساعد الخلايا العصبية على التواصل فيما بينها. في مناطق مثل الحُصين، تسهم إشارات ATP في دعم الشبكات العصبية التي تنظّم الانفعالات وكيفية تعامل الدماغ مع الأحداث المجهِدة.

    الحُصين نفسه معروف بحساسيته الشديدة للضغط المزمن. ومع تعرّضه لفترات طويلة من التوتر، يمكن أن يتغير تركيبه ووظيفته، ما يؤثر في الطريقة التي يفسر بها الدماغ المواقف الصعبة وقد يمهّد لظهور أعراض الاكتئاب والقلق. من هنا قرر جاو وفريقه مراقبة ما يحدث لإشارات ATPفي الحُصين عندما يتعرض الدماغ لضغط طويل الأمد، وكيف يرتبط ذلك بسلوكيات تشبه اضطرابات المزاج لدى الفئران.

    نقص ATP وبروتين كونكسين 43 تحت الضغط

     

    في تجاربهم على فئران ذكور، أخضع الباحثون الحيوانات لنماذج من الضغط المزمن، ثم درسوا مستويات ATPفي الحُصين. تبيّن أن الفئران التي أصبحت أكثر عرضة لإظهار سلوكيات شبيهة بالاكتئاب والقلق بعد فترة الضغط كانت تمتلك مستويات أقل من ATP في هذه المنطقة مقارنة بفئران أخرى لم تُظهر هذه السلوكيات.

    لكن الصورة لم تتوقف عند انخفاض ATP. فقد اكتشف الفريق أن هذه الفئران المعرّضة لاضطرابات المزاج تنتج أيضًا كميات أقل من بروتين مهم يُسمى كونكسين 43 (connexin 43). هذا البروتين يكوّن قنوات تسمح بخروج ATP وانتقاله بين بعض الخلايا، ما يجعله جزءًا رئيسيًا من الطريقة التي يحافظ بها الدماغ على توازن الطاقة والإشارات العصبية.

    النتيجة كانت واضحة: تحت الضغط الطويل الأمد، تراجع ATP وتراجع معه بروتين كونكسين 43 في الحُصين، وكأن "لغة الطاقة" التي تتبادلها الخلايا العصبية بدأت تفقد حروفها الأساسية.

    هل يسبب الضغط اختلال طاقة الدماغ؟
    كيف يؤثر ATP على مشاعر القلق والاكتئاب؟ - illustration

    تجربة تعطيل كونكسين 43 بعيدًا عن الضغط

     

    لكي يعرف الباحثون ما إذا كان الخلل في إطلاق ATP وحده يكفي لتغيير المزاج، قرروا إزالة عامل الضغط من المعادلة تمامًا. اختاروا مجموعة جديدة من الفئران تعيش في بيئة عادية بلا ضغوط مزمنة، وبدلًا من تعريضها لسلسلة من المواقف المجهِدة، تدخّلوا مباشرة في الآلية التي تسمح بإطلاق ATP في الحُصين.

    قلّل الفريق وراثيًا مستويات بروتين كونكسين 43، أو أزالوه من خلايا عادة ما تطلق ATP، ثم راقبوا ما سيحدث. المفاجأة أن هذه الفئران، رغم أنها لم تمر بتجارب ضغط قاسية، بدأت تُظهر سلوكيات شبيهة بالاكتئاب والقلق، وفي الوقت نفسه انخفضت مستويات ATP في أدمغتها.

    هذا التحول أوحى بأن المشكلة ليست في الضغط الخارجي وحده، بل في الطريقة التي يسمح بها الدماغ لجزيئات الطاقة بالتحرك والتواصل بين الخلايا. اضطراب إطلاق ATP وحده كان كافيًا لدفع السلوك في اتجاه يشبه اضطرابات المزاج، حتى عندما لا تكون البيئة نفسها مرهِقة.

    وعندما أعاد الباحثون مستويات بروتين كونكسين 43 في الحُصين لدى الفئران التي سبق تعريضها للضغط المزمن، عادت مستويات ATP إلى حدود طبيعية، وظهرت تحسّنات واضحة في سلوك الحيوانات. هذا التعافي دعم بقوة فكرة أن إشارات ATP في الحُصين تؤدي دورًا مركزيًا في تنظيم المزاج والاستجابة للضغط.

    مسار جزيئي مشترك بين الاكتئاب والقلق

     

    يشير جاو إلى أن هذه النتائج تمثل أول دليل مباشر على أن نقص إطلاق ATP في جزء من الحُصين يمكن أن يقود في الوقت نفسه إلى سلوكيات شبيهة بالاكتئاب والقلق لدى الفئران، ما يكشف عن مسار جزيئي مشترك قد يفسّر تزامن الحالتين عند كثير من الأشخاص.

    اكتشاف هذا "المسار المشترك" مهم لأن الاكتئاب والقلق غالبًا ما يأتيان معًا، ومع ذلك لا تكون العلاجات المتاحة فعّالة دائمًا في التعامل معهما في الوقت نفسه. فإذا كانت إشارات ATPفي الحُصين جزءًا من الجذر المشترك للحالتين، فإن استهدافها قد يفتح الباب أمام علاجات قادرة على تخفيفهما معًا بدلًا من التعامل مع كل اضطراب بمعزل عن الآخر.

    يرى جاو أن الرابط بين بروتين كونكسين 43 وإطلاق ATP يسلّط الضوء على هدف محتمل لعلاجات مستقبلية. فإذا أمكن تحسين إشارات ATPأو ترميمها في مناطق محددة من الدماغ، فقد يكون من الممكن تطوير تدخلات جديدة لاضطرابات المزاج تعتمد على إعادة توازن "طاقة" الدماغ بدلًا من التركيز فقط على النواقل العصبية التقليدية.

    آفاق بحثية أوسع تشمل الجنسين

     

    مع أن النتائج الحالية قوية ومقنعة، فإنها جاءت من تجارب أُجريت على فئران ذكور فقط. لذلك يخطط فريق جاو لتوسيع نطاق أبحاثه ليشمل فئرانًا من الذكور والإناث في الدراسات القادمة، لمعرفة ما إذا كانت هذه الآليات نفسها تعمل عبر الجنسين بالطريقة ذاتها، أو إذا كانت هناك اختلافات يمكن أن تؤثر في كيفية استجابة الدماغ للعلاجات.

    هذا التوسع في الأبحاث قد يجعل النتائج أكثر قابلية للتطبيق، ويساعد في تصميم استراتيجيات علاجية تراعي الفروق البيولوجية بين الأفراد. ومع تراكم هذه المعطيات، تتضح أكثر الصورة التي تربط بين إشارات الطاقة في الدماغ والمشاعر المعقدة مثل الاكتئاب والقلق، وتظهر فكرة أن إصلاح الخلل في هذه الإشارات قد يكون جزءًا أساسيًا من علاج اضطرابات المزاج في المستقبل.

    تم نسخ الرابط