تفاوت عالمي في وصف أدوية الصرع للنساء القادرات على الحمل
بينما يزداد توفر أدوية الصرع عالميًا، تكشف دراسة واسعة عن فجوة مقلقة في أمان وصف هذه العلاجات للنساء القادرات على الحمل.
ملخص
وسط اعتماد ملايين المرضى على أدوية الصرع، تكشف دراسة عالمية فجوة خطيرة بين فعالية العلاجات ومخاطرها على الأجنة، ما يضع النساء في معادلة علاج حساسة وغير سهلة.
في دراسة حديثة نُشرت بدعم من منظمة الصحة العالمية، حلّل باحثون اتجاهات استخدام أدوية الصرع في 73 دولة، كاشفين عن تحسن ملحوظ في توفر العلاج عالميًا، خاصة في الدول الأقل دخلًا. إلا أن النتائج أظهرت استمرار الاعتماد الكبير على دواء فالبروات بين النساء في سن الإنجاب، رغم ارتباطه بتشوهات خلقية واضطرابات نمائية للأجنة. يبرز هذا الاكتشاف حاجة ملحة لزيادة الوعي الطبي ووضع سياسات أكثر صرامة لضمان وصف آمن ومتوازن لأدوية الصرع.

دواء ضروري… لكن ليس دائمًا آمنًا
أدوية الصرع (الأدوية المضادة للنوبات) تشكّل خط دفاع أساسيًا لمرضى الاضطرابات العصبية، فهي تمكّن ملايين الأشخاص من عيش حياة أكثر استقرارًا وأمانًا والحد من النوبات التي قد تهدد حياتهم أو قدرتهم على العمل والدراسة. لكن حين تكون المريضة امرأة في سن الإنجاب، تصبح معادلة العلاج أكثر تعقيدًا، لأن بعض أدوية الصرع قد يحمل مخاطر خطيرة على الجنين إذا استُخدمت أثناء الحمل.
لتسليط الضوء على هذه المفارقة بين الحاجة إلى العلاج وحماية الأجنة، قادت الدكتورة أدريان تشان (Adrienne Chan) والبروفسور إيان وونغ (Ian Wong) من جامعة أستون (Aston University) دراسة جديدة نُشرت في مجلة eClinicalMedicine، بدعم من منظمة الصحة العالمية (World Health Organization, WHO). ركّزت الدراسة على كيفية استخدام أدوية الصرع حول العالم، وما إذا كانت طرق وصفها تراعي معايير السلامة، خصوصًا في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل.
تحسّن الوصول لأدوية الصرع في الدول الأفقر
حلّل فريق البحث اتجاهات استخدام أدوية الصرع في 73 دولة بين عامي 2012 و2022. وأظهرت النتائج أن مزيدًا من المرضى في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل أصبحوا يحصلون على هذه العلاجات الحيوية، وهو ما يشير إلى تقدم مهم في الوصول إلى أدوية عصبية أساسية لم تكن متاحة سابقًا لكثيرين.
هذا التحسن في توافر أدوية الصرع يعد خبرًا جيدًا لمن كانوا محرومين من العلاج أو يعتمدون على خيارات محدودة وغير منتظمة. فالدراسة تشير إلى أن الفجوة بين الدول الغنية والفقيرة في توافر أدوية الصرع بدأت تضيق جزئيًا، مع دخول المزيد من هذه الأدوية إلى أسواق الدول ذات الموارد المحدودة.
مع ذلك، فإن توسع الوصول لا يعني بالضرورة أن أدوية الصرع تُستخدم بأكثر الطرق أمانًا، خصوصًا حين يتعلق الأمر بدواء فالبروات (valproate)، وهو من أكثر أدوية الصرع فعالية في التحكم في النوبات، لكنه معروف أيضًا بمخاطره على الأجنة.
فالبروات بين قائمة الأدوية الأساسية وتحذيرات منظمة الصحة العالمية
تضع منظمة الصحة العالمية دواء فالبروات ضمن قائمة "الأدوية الأساسية"، أي الأدوية التي ترى أنها ضرورية لتغطية الاحتياجات الصحية الأساسية للسكان. لكن في الوقت نفسه، تحذر المنظمة من استخدام فالبروات لدى النساء والفتيات اللاتي يمكن أن يصبحن حوامل، بسبب مخاطر واضحة على الجنين عند التعرض له خلال فترة الحمل.
توضح الدراسة أن فالبروات ما زال الخيار الأكثر استخدامًا ضمن أدوية الصرع في كثير من البلدان، رغم معرفة مخاطره. إذ يمكن أن يؤدي التعرض له في الرحم إلى تشوهات خلقية مثل السنسنة المشقوقة أو الشوك المشقوق (spina bifida)، وشق الحنك (cleft palate)، إضافة إلى طيف من الاضطرابات النمائية العصبية، تشمل مشكلات في الذكاء والتواصل والسلوك والذاكرة. هذا المزيج من كونه دواء صرع أساسيًا متاحًا ومرتبطًا في الوقت نفسه بمخاطر كبيرة على الأجنة يجعل التعامل معه تحديًا عالميًا في مجال الوصف الآمن لأدوية الصرع.

تفاوت عالمي في وصف أدوية الصرع بشكل آمن
تشير تشان ووونغ إلى أن النتائج تكشف صورة مزدوجة: من جهة تحسّن في توفر أدوية الصرع، ومن جهة أخرى استمرار استخدام خيارات لا تُعد آمنة بما يكفي للنساء في سن الإنجاب. في البلدان ذات الدخل المرتفع، أدى تطبيق لوائح أكثر صرامة وبرامج خاصة للوقاية من الحمل أثناء استخدام فالبروات إلى تراجع واضح في وصفه، خصوصًا للنساء المعرضات للحمل.
أما في مناطق أخرى من العالم، حيث تكون العلاجات الأحدث من أدوية الصرع أكثر كلفة أو أصعب في الحصول عليها، فما زال فالبروات يوصف بوتيرة أعلى. وهنا تبرز مشكلة العدالة الصحية؛ إذ قد تجد المريضة في دولة ذات دخل منخفض نفسها أمام خيار محدود: إما دواء صرع فعّال لكنه يحمل مخاطر على الحمل المستقبلي، أو غياب بدائل مناسبة.
لهذا يؤكد الباحثان أن هناك حاجة ملحّة إلى نشر واسع النطاق للتوعية العلمية بين مقدمي الرعاية الصحية حول العالم، ليكونوا على دراية كاملة بمخاطر فالبروات أثناء الحمل، ويتمكنوا من مناقشة الخيارات مع المريضات واقتراح بدائل أكثر أمانًا من أدوية الصرع عندما يكون ذلك ممكنًا.
دور منظمة الصحة العالمية وأهدافها من وراء الدراسة
تأتي هذه الدراسة بتكليف من منظمة الصحة العالمية في إطار سعيها الأوسع لضمان وصول آمن وعادل ومتناسق إلى الأدوية العصبية الأساسية عالميًا، بما في ذلك أدوية الصرع. فالمنظمة لا تركز فقط على إدخال الأدوية إلى قوائم الدول، بل تهتم أيضًا بكيفية استخدامها عمليًا، وهل تُطبّق إرشادات السلامة على أرض الواقع أم لا.
من خلال جمع بيانات المبيعات من كل دولة مشاركة، حصل الباحثون على صورة عامة عن حجم استخدام أدوية الصرع، لكنهم يشيرون إلى أن الخطوة التالية يجب أن تتعمق في تفاصيل أكبر: كيف تُستخدم هذه الأدوية داخل فئات سكانية محددة، وما مدى التزام الممارسات العلاجية بالإرشادات الدولية الخاصة بالسلامة، خاصة فيما يتعلق بالنساء في سن الإنجاب واحتمالات تعرض الأجنة للفالبروات.
حماية الأمهات المستقبليات والأطفال قبل ولادتهم
تشدد الدكتورة تشان على أن الصورة ليست سوداء بالكامل. تقول إن النتائج تظهر أن الوصول إلى أدوية الصرع يتوسع عالميًا، وهو أمر إيجابي للمرضى الذين كانوا يفتقرون سابقًا لأي خيارات علاجية حقيقية. لكن الجانب المقلق، كما تضيف، هو استمرار الاستخدام الواسع لفالبروات في بعض مناطق العالم رغم المخاطر المعروفة خلال الحمل.
من وجهة نظرها، المطلوب اليوم هو قدر أكبر من التوافق العالمي حول وصف أدوية الصرع بأمان، مع تعزيز التعليم والتدريب للأطباء والصيادلة، بحيث يصبح تقييم مخاطر فالبروات على الأجنة جزءًا أساسيًا من أي قرار علاجي يتعلق بالنساء في سن الإنجاب. فبهذه الطريقة فقط يمكن تحقيق التوازن بين حق المرضى في الحصول على أدوية صرع فعالة، وحق الأجيال القادمة في بداية حياة صحية خالية قدر الإمكان من اضطرابات يمكن الوقاية منها.




