رئيس مجلس الإدارة
نيفين منصور
رئيس التحرير
إبراهيم مصطفى
11:16 ص calendar السبت 18 يوليو 2026

هل كان الأفيون شائعًا في مصر القديمة؟

إناء ألباستر واحد أعاد فتح ملف الأفيون في مصر القديمة، كاشفًا أن ما بدا قطعة صامتة ربما أخفى قصة استخدام أوسع مما كان يُعتقد.

الأفيون في مصر القديمة
الأفيون في مصر القديمة بين الطب والطقوس

    ملخص

    توصلت دراسة علمية حديثة أجراها برنامج الصيدلة القديمة في جامعة ييل، ونُشرت في مجلة Journal of Eastern Mediterranean Archaeology، إلى كشف مهم حول استخدام الأفيون في مصر القديمة. فقد أظهرت التحاليل الكيميائية وجود آثار لمركبات أفيونية داخل إناء ألباستر مصري نادر، ما يدل على أن الأفيون لم يكن مادة نادرة أو محدودة الاستخدام، بل كان جزءًا من ممارسات يومية أو طقسية منظمة. كما طرحت الدراسة احتمال أن تكون بعض الأواني الألباسترية المكتشفة في مقبرة توت عنخ آمون قد احتوت على مواد أفيونية عالية القيمة، وهو ما يفتح المجال أمام رؤى جديدة حول دور العقاقير في الطب والطقوس الدينية لدى المصريين القدماء.

    آثار أفيونية تكشف استخدامًا أوسع في مصر القديمة
    إناء ألباستر نادر يعيد فتح ملف الأفيون في مصر القديمة

    إناء واحد يحرّك سؤالًا كبيرًا عن الأفيون في مصر القديمة

     

    على رفوف المتاحف، تبدو بعض القطع الأثرية صامتة تمامًا، لكن أحيانًا يكفي دليل صغير داخل إناء قديم ليعيد كتابة فصل كامل من تاريخ الحياة اليومية. لتسليط الضوء على هذا الجانب الخفي، أعلن علماء فحصوا إناء ألباستر أثريًا ضمن المجموعة البابلية في متحف بيبودي في ييل (Yale Peabody Museum) عن رصد آثار كيميائية مرتبطة بمواد أفيونية. ووفق برنامج الصيدلة القديمة في ييل (Yale Ancient Pharmacology Program) "YAPP"، تُعد هذه النتائج أقوى دليل حتى الآن على أن استخدام الأفيون كان واسع الانتشار في المجتمع المصري القديم، وليس مجرد حالات عابرة أو محدودة.

    الدراسة نُشرت في Journal of Eastern Mediterranean Archaeology، وشارك في إعدادها أغنيت دبليو لاسن (Agnete W. Lassen)، المساعدة القيّمة على المجموعة البابلية في ييل، إلى جانب أليسون إم كراندال (Alison M. Crandall)، مديرة مختبر برنامج "YAPP". أما المؤلف الرئيسي فهو أندرو جي كوه (Andrew J. Koh)، الباحث العلمي في متحف بيبودي في ييل والمحقق الرئيسي للبرنامج.

    كيف قادت بقعة داكنة داخل الإناء إلى اكتشاف مواد أفيونية

     

    بدأت القصة عندما لفتت انتباه كوه مادة داكنة بنية مائلة إلى السواد وذات رائحة عطرية داخل الإناء. بدل الاكتفاء بوصفها أو التعامل معها باعتبارها أثرًا ثانويًا، اتجه فريق "YAPP" إلى تحليل البقايا العضوية التي قد تظل عالقة على أسطح الأواني أو في جوفها آلاف السنين. هذه البقايا قد تكون متدهورة أو ملوثة بفعل الزمن وظروف الحفظ، لذلك يطوّر البرنامج طرقًا خاصة للتعامل مع هذا النوع من العينات، سواء جاءت من مجموعات متحفية أو من حفريات حديثة.

    يشرح كوه أن الكثير من الباحثين يدرسون الأواني القديمة لجمالها وشكلها، بينما يركّز برنامجهم على كيفية استخدام هذه الأواني وما كانت تحتويه من مواد عضوية. هذا النوع من المعرفة، كما يقول، يكشف الكثير عن تفاصيل الحياة اليومية، بما يشمل ما أكله الناس، والأدوية التي استخدموها، وكيف قضوا أوقاتهم.

    مؤشرات كيميائية تؤكد وجود مركبات مرتبطة بالأفيون

     

    أظهرت الاختبارات أدلة قوية على مركبات ("noscapine" و"hydrocotarnine" و"morphine" و"thebaine" و"papaverine"). ويصف الباحثون هذه المركبات بأنها مؤشرات حيوية كيميائية تشخيصية للأفيون، أي علامات يمكن عبرها التعرف على وجوده لأنها ترتبط به بصورة معروفة في التحليل الكيميائي.

    ويرى كوه أن أهمية النتيجة لا تتوقف عند هذا الإناء وحده. فبحسب ما تقوله الدراسة، فإن أواني الألباستر المصرية المشابهة، والتي صُنعت كلها من الكالسيت المستخرج من المحاجر نفسها في مصر، قد تحمل هي الأخرى آثار مواد أفيونية حتى اليوم. ويذهب كوه أبعد من ذلك عندما يشير إلى أن عدة أوانٍ لافتة من مقبرة الفرعون توت عنخ آمون قد تكون ضمن هذه الفئة التي تستحق الفحص من جديد.

    ويقول كوه إن هذه النتائج، إلى جانب أبحاث سابقة، تشير إلى أن استخدام الأفيون لم يكن عرضيًا أو متقطعًا في الثقافات المصرية القديمة والأراضي المحيطة، بل كان إلى حد ما جزءًا ثابتًا من الحياة اليومية. كما يرى أنه من الممكن، بل من المرجح، أن تكون أواني الألباستر التي وُجدت في مقبرة الملك توت قد احتوت الأفيون ضمن تقليد قديم لا يزال الباحثون في بدايات فهمه.

    اكتشاف علمي يربط أواني الألباستر بالأفيون القديم
    آثار أفيونية تكشف استخدامًا أوسع في مصر القديمة

    إناء متعدد اللغات يرتبط بأحشويرش الأول

     

    لا تزيد ندرة الإناء بسبب محتواه المحتمل فقط، بل أيضًا بسبب تاريخه الكتابي. فالإناء يحمل نقوشًا بأربع لغات قديمة: الأكادية والعيلامية والفارسية والمصرية. النص مكرّس لأحشويرش الأول (Xerxes I)، الذي حكم الإمبراطورية الأخمينية بين 486 و465 قبل الميلاد.

    وتذكر الدراسة أن تلك الإمبراطورية، التي اتخذت بلاد فارس مركزًا لها، ضمّت في ذروتها مصر وبلاد الرافدين وبلاد الشام والأناضول وأجزاء من شرق الجزيرة العربية وآسيا الوسطى.

    كما توجد كتابة أخرى على الإناء بالخط الديموطيقي، وهو شكل مبسّط من الكتابة المصرية القديمة. وتشير إلى أن الإناء يحتوي نحو 1,200 millimeters كما ورد في النقش، فيما يبلغ طول الإناء 22 سنتيمترًا. ويلفت الباحثون إلى أن الأواني المصرية الألباسترية السليمة والمكتوبة تُعد نادرة للغاية، وربما يقل عددها عن 10 قطع في مجموعات المتاحف حول العالم.

    أما أصل هذه الأواني السليمة فعادة غير محسوم، لكن الأمثلة الباقية تبدو ممتدة عبر فترات حكم دارا وأحشويرش وأرتحششتا، ضمن نطاق زمني يغطي 550 إلى 425 قبل الميلاد. وتشير الدراسة إلى أن إناء ييل موجود في المجموعة البابلية منذ فترة قصيرة بعد أن أنشأت الجامعة مجموعتها التي تضم نحو 40 ألف قطعة أثرية عام 1911.

    ما الذي تعنيه النتائج لمقبرة توت عنخ آمون؟

     

    يربط كوه بين هذا الاكتشاف وبين نتائج أقدم رصدت بقايا مواد أفيونية في أوانٍ ألباسترية مصرية وجرار قبرصية من نوع ("base-ring juglets"). تلك القطع جاءت من مقبرة نموذجية في سدمنت جنوب القاهرة، يُعتقد أنها تعود إلى عائلة تجارية، وترجع إلى عصر الدولة الحديثة، حين امتدت الإمبراطورية المصرية من القرن السادس عشر إلى القرن الحادي عشر قبل الميلاد.

    ويشير كوه إلى أن وجود اكتشافين يفصل بينهما أكثر من ألف عام ويرتبطان بفئات اجتماعية واقتصادية مختلفة يجعل من المعقول أن تكون مواد أفيونية موجودة أيضًا في العديد من أواني الألباستر التي عُثر عليها في مقبرة توت عنخ آمون في وادي الملوك.

    من العلاج إلى الطقوس: إشارات تتجاوز الطب

     

    يلفت كوه إلى أن إشارات استخدام الأفيون تاريخيًا كثيرًا ما تتجاوز نطاق التداوي لتصل إلى سياقات روحية أو طقسية عبر العصور القديمة، من بلاد الرافدين إلى مصر مرورًا ببحر إيجة. وفي زمن توت عنخ آمون على سبيل المثال، تشير الدراسة إلى ارتباط سكان كريت بما يسمى "poppy goddess" في سياقات تبدو طقسية بوضوح.

    كما تذكر الدراسة أن نبات الخشخاش ورد في نصوص قديمة عدة، من بينها ("Ebers Papyrus") و("Hippocrates") و("De Materia Medica") لديسقوريدس ("Dioscorides") و("Galen").

    بقايا لزجة ونهب قديم يلمّح إلى قيمة ما كان داخل الجرار

     

    اكتشف عالم المصريات وعالم الآثار هوارد كارتر (Howard Carter) مقبرة توت عنخ آمون في نوفمبر 1922. وضم الاكتشاف مجموعة ضخمة من القطع الأثرية، بينها أوانٍ ألباسترية مصرية محفوظة بإتقان. ويرجّح أنها كانت من أجود ما توفر في فترة حكم توت عنخ آمون الممتدة من 1,333 إلى 1,323 قبل الميلاد.

    وفي عام 1933 أجرى الكيميائي التحليلي ألفريد لوكاس (Alfred Lucas)، الذي عمل مع فريق كارتر، دراسة كيميائية محدودة على الأواني. وذكر أن كثيرًا منها احتوى مواد عضوية لزجة داكنة بنية وعطرية. لم يتمكن لوكاس من تحديد ماهية هذه المواد حينها، لكنه خلص إلى أن معظمها ليس مراهم ولا عطورًا.

    ويرى كوه أن تشكك لوكاس في كون المحتويات عطورًا أو مراهم، وعدم تعريفه لها بوصفها مواد عطرية بالأساس، يكتسب أهمية خاصة لأن الأعراف السائدة في ذلك الوقت ربما كانت ستدفعه إلى تصنيفها على هذا النحو.

    ومنذ تلك المحاولة المبكرة، لم تُجر اختبارات إضافية على هذه المواد. وتشير الدراسة إلى أن أواني توت عنخ آمون، إلى جانب معظم القطع الأخرى من المقبرة، باتت محفوظة الآن في المتحف المصري الكبير في الجيزة.

    تضيف الدراسة أن كارتر وثّق دلائل على حادثة نهب قديمة لم تستهدف الأواني كأوعية جميلة فقط، بل ركزت على ما بداخلها. فقد ظهرت آثار أصابع داخل بعض الجرار، ما يوحي بأن اللصوص حاولوا كشط المحتويات قدر الإمكان. ولفت الباحثون إلى أن كثيرًا من الجرار المنهوبة كانت تحتوي النوع نفسه من المادة الداكنة العطرية التي قال لوكاس إنها ليست عطورًا. وفي المقابل، بقي عدد صغير من الجرار دون نهب وما زال يحتفظ بمحتوياته الأصلية.

    بالنسبة لكوه، فإن استعداد اللصوص للمخاطرة من أجل هذه المحتويات، ووجودها أصلًا ضمن ما اصطحبه توت عنخ آمون إلى العالم الآخر، يشير إلى أنها كانت ذات قيمة عالية. وهو يرى أن من غير المرجح أن تُعامل المراهم والعطور العادية في تلك الفترة بهذه القيمة.

    ويطرح كوه احتمالًا لافتًا بأن أواني الألباستر ربما كانت علامات ثقافية يمكن التعرف عليها مرتبطة باستخدام الأفيون في العصور القديمة، على نحو يشبه ارتباط الشيشة اليوم باستهلاك تبغ الشيشة. ويؤكد أن تحليل أواني مقبرة توت عنخ آمون يمكن أن يوضح الدور الحقيقي للأفيون داخل تلك المجتمعات القديمة.

    الاكثر مشاهدة

    تم نسخ الرابط