رئيس مجلس الإدارة
نيفين منصور
رئيس التحرير
إبراهيم مصطفى
01:44 م calendar السبت 18 يوليو 2026

تشخيص الفصام وثنائي القطب قد يصبح أكثر دقة بفضل أدمغة مصغرة

أدمغة مصغرة بحجم حبة البازلاء تكشف فروقًا كهربائية دقيقة قد تنهي سنوات من الالتباس في تشخيص الفصام وثنائي القطب

كيف تساعد أدمغة مصغرة
كيف تساعد أدمغة مصغرة في تقليل أخطاء تشخيص الفصام؟

    ملخص

    في اكتشاف علمي جديد، نشرت دراسة حديثة من جامعة جونز هوبكنز في مجلة APL Bioengineering نتائج تُظهر أن العضيات الدماغية، وهي أدمغة مصغرة نُميت في المختبر، تمتلك بصمة كهربائية قادرة على التمييز بين تشخيص الفصام وتشخيص الاضطراب ثنائي القطب. باستخدام تعلم آلي وتحليل دقيق للنشاط العصبي، وصلت دقة التمييز إلى 92%. وتسلط النتائج الضوء على مستقبل محتمل لتشخيص نفسي أكثر موضوعية وتقليل الاعتماد على أسلوب المحاولة والخطأ في العلاج.

    النشاط الكهربائي للدماغ يحدد الفروق بين الفصام وثنائي القطب
    تشخيص الفصام وثنائي القطب قد يصبح أكثر دقة بفضل أدمغة مصغرة

    أمل جديد لتقليل أخطاء تشخيص الاضطرابات النفسية

     

    لا يزال تشخيص الفصام وتشخيص الاضطراب ثنائي القطب من أصعب تحديات الطب النفسي، ليس لأن الأعراض غير مؤثرة، بل لأن الحدود بينها قد تكون ضبابية، ولأن القرار في كثير من الحالات يعتمد على التقييم السريري وحده. ومع غياب تفسير جزيئي واضح يسهل قياسه، يتحول العلاج أحيانًا إلى تجربة دواء ثم تغييره ثم تعديل الجرعات، في رحلة قد تستنزف المريض والطبيب معًا.

    لتفسير سبب هذا التعقيد والبحث عن طريقة أكثر موضوعية للتمييز بين الحالتين، عرضت دراسة جديدة نُشرت في APL Bioengineeringبقيادة المهندسة الحيوية آني كاثوريا (Annie Kathuria) من جامعة جونز هوبكنز (Johns Hopkins University) نهجًا غير مألوف: تنمية أدمغة صغيرة في المختبر بحجم حبة البازلاء، أو ما يُعرف علميًا بالعضيات الدماغية (brain organoids)، ثم قراءة النشاط الكهربائي للدماغ داخلها لاستخراج بصمة كهربائية تميز الفصام عن ثنائي القطب.

    لماذا يصعب التفريق بين الفصام وثنائي القطب؟

     

    توضح كاثوريا أن الفصام وثنائي القطب لا يقدمان مؤشرًا واحدًا واضحًا في الدماغ يمكن للطبيب أن يلتقطه بسهولة. فلا توجد منطقة محددة “تتوقف” أو إنزيم بعينه “ينطلق” كما في مثال مرض باركنسون الذي يمكن فيه الاسترشاد بمستويات الدوبامين حتى لو لم يكن له علاج شافٍ حتى الآن. لهذا السبب، تبقى كثير من التشخيصات مبنية على تقدير سريري، بينما يظل العلاج قائمًا في أحيان كثيرة على أسلوب المحاولة والخطأ.

    في هذا السياق، تطرح الدراسة هدفًا عمليًا للمستقبل: أن تُستخدم العضيات الدماغية لتأكيد ما إذا كان المريض يعاني الفصام أو ثنائي القطب، ثم الانتقال إلى خطوة أكثر تقدمًا تتمثل في اختبار الأدوية على العضيات الدماغية لمعرفة تركيزات دوائية قد تساعد على إعادة النشاط العصبي إلى نمط أقرب للصحة. وإذا نجح هذا الاتجاه، فقد ينعكس ذلك مستقبلًا على تحسين قرارات علاج الفصام وعلاج ثنائي القطب عبر تقليل زمن التجربة الطويلة قبل الوصول للخيار الأنسب.

    عضيات دماغية من خلايا الدم والجلد

     

    اعتمد الفريق على العضيات الدماغية بوصفها نماذج مبسطة لأعضاء بشرية حقيقية تُبنى في المختبر. بدأ الباحثون بتحويل خلايا من الدم والجلد مأخوذة من مرضى بالفصام ومرضى بالاضطراب ثنائي القطب، إضافة إلى أفراد أصحاء، إلى خلايا جذعية قادرة على التطور إلى نسيج يشبه الدماغ. ومع الوقت، تشكلت أدمغة مصغرة وصلت عند اكتمال نموها إلى نحو ثلاثة مليمترات في القطر.

    هذه العضيات لم تكن مجرد كتل خلوية، بل احتوت على أنواع متعددة من الخلايا العصبية الموجودة عادة في قشرة الفص الجبهي، وهي منطقة ترتبط بالتفكير عالي المستوى. كما أنتجت الميالين، وهي مادة عازلة تساعد الإشارات الكهربائية على الانتقال بكفاءة أكبر على طول الخلايا العصبية.

    هل ينهي العلم فوضى التشخيص النفسي؟
    هل يمكن تشخيص الفصام كهربائيًا؟

    قراءة البصمة الكهربائية بأدوات تعلم آلي

     

    بعد بناء العضيات، انتقل الفريق إلى السؤال الأهم: كيف تتصرف الخلايا العصبية داخلها أثناء النمو؟ في الدماغ البشري تتواصل الخلايا العصبية عبر نبضات كهربائية قصيرة، لذلك ركز الباحثون على التقاط بصمة النشاط الكهربائي التي تفرق بين نشاط صحي ونشاط يرتبط باضطراب نفسي.

    لهذه المهمة استخدموا أدوات تعلم آلي (machine learning) لتحليل الإشارات داخل هذه الأدمغة المصغرة. ولم يكن الهدف رصد إشارة واحدة، بل تتبع مجموعة قياسات مثل توقيت النبضات وشكلها وكيفية تكرارها، ثم البحث عن نمط معقد لكنه ثابت يمكن التعامل معه كبصمة كهربائية مميزة لكل حالة. وباستخدام تعلم آلي على هذا النحو، أمكن تحويل الإشارات إلى مؤشرات تساعد على التصنيف بدل الاعتماد على الانطباع وحده.

    بصمة كهربائية بدقة 83% ترتفع إلى 92%

     

    توصل الباحثون إلى أن سمات محددة في السلوك الكهربائي للعضيات عملت كبصمة كهربائية للفصام وثنائي القطب. واعتمادًا على هذه الإشارات وحدها، تمكنوا من تحديد العضيات القادمة من مرضى بشكل صحيح بنسبة 83% من الوقت.

    وعندما تلقت الأنسجة تحفيزًا كهربائيًا لطيفًا صُمم لإبراز نشاط عصبي إضافي داخل العضيات، ارتفعت دقة التمييز إلى 92%. بمعنى آخر، أتاح التحفيز تسجيل مزيد من الإشارات التي تكشف الفروق الدقيقة بين الحالتين.

    الأنماط التي ظهرت لم تكن بسيطة؛ إذ أظهرت خلايا مرضى الفصام وثنائي القطب نبضات إطلاق غير معتادة وتغيرات في التوقيت عبر عدة قياسات كهربائية في وقت واحد، ما كوّن بصمة كهربائية مختلفة لكل حالة. وتؤكد كاثوريا أن الفريق يستطيع التمييز بين عضيات الشخص السليم وعضيات مريض الفصام وعضيات مريض ثنائي القطب اعتمادًا على هذه البصمات الكهربائية خلال التطور.

    رقائق وأقطاب تشبه تخطيط الدماغ

     

    لفهم كيفية تشكل الشبكات العصبية داخل العضيات، وضع الباحثون الأدمغة الصغيرة على رقائق مزودة بمصفوفات متعددة الأقطاب (multi-electrode arrays) مرتبة على شكل شبكة. هذا سمح بجمع البيانات بطريقة تشبه نسخة مصغرة من تخطيط الدماغ (EEG) الذي يستخدمه الأطباء لقياس نشاط الدماغ لدى المرضى.

    بهذه الطريقة لم يعد النشاط العصبي مجرد إشارة عامة. بل صار خريطة متعددة النقاط تُظهر كيف تتزامن الإشارات وأين تتركز وكيف تتغير عبر الزمن، وهو ما منح الدراسة قدرة أكبر على التقاط الاختلافات بين الفصام وثنائي القطب.

    خطوة نحو علاج نفسي شخصي وتقليل زمن المحاولة والخطأ

     

    رغم أن الدراسة اعتمدت على عينات من 12 مريضًا فقط، ترى كاثوريا أن النتائج تشير إلى تطبيقات طبية محتملة في الطب النفسي. الفكرة أن العضيات الدماغية قد تتحول لاحقًا إلى منصة لاختبار الأدوية النفسية قبل وصفها للمريض، بما يساعد على تقليل الأخطاء في التشخيص وتقليل إطالة فترة البحث عن الدواء المناسب.

    وتعمل المجموعة الآن بالتعاون مع جراحي أعصاب وأطباء نفسيين وعلماء أعصاب في كلية الطب بجامعة جونز هوبكنز (Johns Hopkins School of Medicine). كما يجمع الفريق عينات دم إضافية من مرضى نفسيين لدراسة تأثير تركيزات دوائية مختلفة على نشاط العضيات، بهدف فهم ما إذا كانت بعض الجرعات تساعد على استعادة أنماط عصبية أقرب إلى الحالة الصحية.

    وتلفت كاثوريا إلى واقع شائع في وصف الأدوية النفسية: كثير من الأطباء يلجؤون لأسلوب المحاولة والخطأ وقد يستغرق الوصول للدواء المناسب ستة أو سبعة أشهر. وتضرب مثالًا بدواء كلوزابين (Clozapine) بوصفه الأكثر شيوعًا لمرضى الفصام، مع وجود نحو 40% من المرضى لا يستجيبون له. وهنا تبرز فائدة العضيات الدماغية، إذ قد تقلل فترة التجربة وتساعد على الوصول إلى الخيار الأنسب في وقت أقصر، بدل الانتظار أشهرًا حتى تستقر الخطة العلاجية.

    تم نسخ الرابط