"المدن تحت التهديد: كيف يؤثر تصميم الشوارع والمباني على مخاطر الفيضانات"
تصميم المدن وتغير المناخ: كيف يؤثر تخطيط المدن على شدة الفيضانات في ظل تغير المناخ؟
كشفت دراسة حديثة من جامعة كاليفورنيا، إرفاين، أن تخطيط المدن وكثافتها العمرانية يمكن أن يزيد من خطر الفيضانات الحضرية، التي تتفاقم بفعل التغيرات المناخية. يستخدم الباحثون نموذجًا جديدًا يعتمد على ميكانيكا الإحصاء للتنبؤ بمخاطر الفيضانات، حيث يُظهر هذا النموذج الروابط بين كثافة المباني وتخطيط الشوارع وتأثير الأمطار الغزيرة، ما يُمكّن من التخطيط المستدام للمدن لمواجهة ظاهرة الفيضانات.

كيف يُسهم تصميم المدن في شدة الفيضانات؟
تشهد المدن الكبرى حول العالم تزايدًا في معدلات الفيضانات التي ترجع إلى عوامل عديدة، أبرزها التغيرات المناخية وزيادة النمو العمراني. ففي دراسة نشرت في مجلة Nature Communications بتاريخ 19 أغسطس، أجرى باحثون من جامعة كاليفورنيا، إرفاين، دراسة استكشافية لتحديد مدى تأثير تصميم المدن وكثافة المباني على شدة الفيضانات. تساهم العواصف الأقوى المصاحبة للتغير المناخي، فضلاً عن النمو العمراني المتزايد، في تصاعد مشكلة الفيضانات، مما يستدعي إعادة النظر في تخطيط المدن.
دور ميكانيكا الإحصاء في تحليل مخاطر الفيضانات
قامت الدراسة باستخدام نموذج إحصائي جديد لتحليل تأثير تصميم المدن على خطر الفيضانات، وتحديد العوامل التي تزيد من حدتها. الدكتور محمد جواد عبد الحسيني قمي، الأستاذ المشارك في قسم الهندسة المدنية والبيئية بجامعة كاليفورنيا، أوضح أن هذا النموذج يعتمد على تقنيات مستوحاة من كيفية دراسة الفيزيائيين للأنظمة المعقدة، مثل المواد المسامية والزجاج والسوائل. سمح تطبيق ميكانيكا الإحصاء للباحثين بتحليل العلاقات المعقدة بين تصميم المدينة ومعدل سقوط الأمطار، ما يساعد على التنبؤ بمخاطر الفيضانات على مستوى الأحياء. “النموذج التحليلي الذي قمنا بتطويره يُمكّننا من دراسة الفروقات في مخاطر الفيضانات بين المدن، ويكشف لنا الروابط بين شكل المدينة وشدة الأمطار”، يقول الدكتور قمي.
تأثير تغير المناخ على المناطق الحضرية
لا شك أن التغيرات المناخية التي تحدث على مستوى العالم تزيد من قوة العواصف وحدتها، وهذا ما يؤثر بشكل خاص على المدن ذات الكثافة السكانية العالية. سارة بالايان، المؤلفة الرئيسية للدراسة وطالبة الدكتوراه في الهندسة المدنية، تشير إلى أن الحوادث المناخية القاسية، كالعواصف الشديدة، تتزايد بنسب غير مسبوقة، ما يجعل المدن المكتظة أكثر عرضة للفيضانات الحضرية. وتقول بالايان: “لا تستطيع الكثير من المدن التوصل إلى نماذج شاملة لمخاطر الفيضانات بسبب نقص البيانات، وهذا دفع فريقنا إلى ابتكار طريقة جديدة لتحليل مخاطر الفيضانات بناءً على تخطيط المدن وبيئتها الحضرية.”
تطوير صيغة لتقييم مخاطر الفيضانات
الدكتور بريت ساندرز، الأستاذ في قسم الهندسة المدنية والبيئية والتخطيط الحضري بجامعة كاليفورنيا، إرفاين، أوضح أن الصيغة الجديدة التي طورها الفريق جاءت بعد محاكاة آلاف السيناريوهات المتعلقة بالفيضانات عبر بيئات حضرية متنوعة. اعتمد الفريق على القوانين الفيزيائية لتحليل عمق وسرعة الفيضانات في مختلف التصاميم العمرانية، وابتكروا صيغة بسيطة يمكن استخدامها في التخطيط العمراني لمواجهة مخاطر الفيضانات.
يقول ساندرز: “أنشأنا قاعدة بيانات فيزيائية حول عمق وسرعة الفيضانات في مختلف تخطيطات المدن على مستوى العالم. ومن خلال تقنيات تحليل البيانات، تمكّنا من اشتقاق صيغة عملية يمكن استخدامها في تقييم الضعف العمراني أمام الفيضانات.”

تطبيقات الصيغة الجديدة في تخطيط المدن
أحد الجوانب المثيرة في هذا النموذج هو إمكانية تطبيقه عالميًا في تخطيط المدن وتدريب المهندسين المدنيين على توقع تأثيرات التطوير العمراني على مخاطر الفيضانات. تعتمد الصيغة التي ابتكرها فريق الباحثين على تحليل بيانات المدن حول العالم وتوفير أداة للتنبؤ بمخاطر الفيضانات. يُمكن للمهندسين استخدام هذه الصيغة كجزء من أدوات التخطيط المستدام، مما يمكّن من تصميم مدن قادرة على مواجهة العواصف والفيضانات الناتجة عن التغيرات المناخية. ويؤكد ساندرز على أن هذه الصيغة يمكن أن تُدرس للمهندسين كجزء من مناهج الهندسة المدنية، وذلك بهدف تأهيل الجيل القادم للتعامل مع تحديات تغيّر المناخ وآثاره على المدن.
كيف يمكن أن يخفف التصميم العمراني من مخاطر الفيضانات؟
تُظهر الدراسة أن هناك عوامل متعددة تزيد من مخاطر الفيضانات في المناطق الحضرية، منها كثافة المباني ونوعية البنية التحتية ونظام التصريف في المدن. فبعض المدن التي تشهد كثافة سكانية عالية قد تعاني من عدم كفاية أنظمة التصريف، مما يجعلها عرضة للفيضانات عند تساقط الأمطار الغزيرة. بالإضافة إلى ذلك، يزيد التطور العمراني السريع دون تخطيط مناسب من تراكم مياه الأمطار وصعوبة تصريفها. ويشير الدكتور قمي إلى أن “التصميم الجيد للمساحات الحضرية واستخدام مواد بناء قادرة على امتصاص المياه يمكن أن يقلل من تأثير الفيضانات في المدن.” يضيف أن التركيز على تصميم الحدائق العامة والمناطق الخضراء قد يكون حلاً فعالاً لامتصاص كميات أكبر من المياه.
أهمية تحسين البنية التحتية للحد من الفيضانات
إن المدن التي تعاني من ضعف في البنية التحتية للمياه تتعرض لمخاطر أعلى عند حدوث العواصف الشديدة. فشبكات التصريف المهترئة أو غير الكافية لا تستطيع تحمل كميات كبيرة من المياه، مما يؤدي إلى تجمعها في الشوارع والأحياء. في المقابل، يساعد تحسين البنية التحتية وتحديث شبكات التصريف على تقليل خطر الفيضانات، حيث تسهم هذه الشبكات في تصريف المياه بفعالية. ويقول ساندرز: “من الضروري أن يتم إعادة تأهيل شبكات التصريف في المدن، مع اعتماد مواد بناء جديدة في البنية التحتية تجعل المدن أكثر مرونة في مواجهة التغيرات المناخية.”
المستقبل: تخطيط المدن الذكية للوقاية من الفيضانات
مع تقدم العلم والتكنولوجيا، هناك فرصة حقيقية لتحويل المدن إلى “مدن ذكية” قادرة على التكيف مع التغيرات المناخية. إذ يمكن استخدام تقنيات حديثة مثل الاستشعار عن بعد والذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات بشكل مستمر والتنبؤ بحدوث الفيضانات مسبقًا. ويسهم استخدام بيانات الأرصاد الجوية ونماذج التوقعات في تمكين السلطات المحلية من التحضير للعواصف الشديدة، وتوفير خطط طوارئ لتقليل الأضرار البشرية والمادية.
صيغة جديدة لمواجهة فيضانات المدن في عالم متغير
إن تطوير هذه الصيغة الرياضية لمخاطر الفيضانات يمثل إنجازًا كبيرًا في مجال تخطيط المدن. بفضل هذا الابتكار، يمكن للمدن أن تتنبأ بمخاطر الفيضانات وتعمل على تخفيفها بشكل مستدام. تلعب هذه الصيغة دورًا حيويًا في تعزيز مرونة المدن، وتحسين استعداداتها للكوارث الطبيعية، خصوصًا في ظل التغيرات المناخية التي تزداد شدة عامًا بعد عام. ويدعو الباحثون إلى استثمار المزيد من الموارد في تحسين البنية التحتية الحضرية وتطوير وسائل حديثة للتنبؤ بالفيضانات. ويؤكدون على أن الحلول المبتكرة، مثل الصيغة الرياضية التي قدمها فريق جامعة كاليفورنيا، يمكن أن تلعب دورًا أساسيًا في حماية المدن وتعزيز قدرتها على التكيف مع التغيرات المناخية، مما يُمكّن البشرية من بناء مستقبل مستدام وآمن.
