نساء غيرسون: حارسات البندق وصانعات التاريخ
تاريخ طويل من زراعة البندق في تركيا على يد النساء وسط تحديات تغير المناخ
تركيا، موطن أكثر من 70% من إنتاج البندق عالميًا، تعتمد بشكل كبير على النساء في زراعته. في مدينة غيرسون التاريخية، يتوارث السكان تقاليد زراعة البندق منذ آلاف السنين. لكن مع تغير المناخ، تواجه هذه الصناعة تحديات بيئية مثل الآفات والرطوبة. ورغم ذلك، تسعى النساء في المنطقة إلى تطوير الإنتاج والحفاظ على هذا الإرث للأجيال القادمة.

البندق: ثروة زراعية تقودها النساء في غيرسون
على السفوح المطلة على البحر الأسود في تركيا، تقع مدينة غيرسون التي تُعتبر عاصمة البندق العالمي. تاريخ هذه الزراعة في المنطقة يمتد لآلاف السنين، إذ أشار المؤرخ هيرودوت إلى وفرة البندق في هذه الأراضي منذ القرن الخامس قبل الميلاد. غيرسون ليست مجرد مدينة زراعية؛ بل هي رمز لتاريخ طويل وتقاليد متوارثة حافظت عليها النساء بحب وشغف.
تركيا تنتج أكثر من 72% من البندق عالميًا، ويأتي 60% من هذا الإنتاج من شرق البحر الأسود، حيث تقع غيرسون. هنا، النساء لا يقتصر دورهن على زراعة البندق، بل أصبحن صانعات قرار في هذه الصناعة الحيوية، يحاولن الجمع بين التقاليد القديمة والتحديث الاقتصادي.
“هوم أوف هازلنت”: نموذج للتمكين النسائي في صناعة البندق
داخل مدينة غيرسون، لمع اسم شركة “هوم أوف هازلنت” التي تديرها ثلاث شقيقات. هذه الشركة المحلية نجحت في تغيير المفاهيم التقليدية حول زراعة البندق. تقول ساياري سونجور، إحدى مالكات الشركة: “80% من محصول البندق في هذه المنطقة تنتجه النساء”. الشركة تسعى لتعزيز دور النساء كمزارعات وقائدات، وتعمل على تطوير أساليب الإنتاج بما يحترم التقاليد المحلية. هذا النجاح ألهم العديد من النساء في المنطقة لإطلاق مشاريعهن الخاصة. تضيف سونجور: “النساء اليوم يملكن زمام الأمور في هذه الصناعة، وهو أمر رائع”.

تغير المناخ: عدو جديد يهدد زراعة البندق
رغم ازدهار صناعة البندق في تركيا، إلا أن تغير المناخ يهدد هذا المحصول الثمين. تشير سيبات أوزمان سوليفان، عالمة وقاية النبات، إلى انتشار آفات جديدة في غيرسون خلال السنوات الأخيرة، مما يزيد من صعوبة زراعة البندق. كما أن الرطوبة الناتجة عن تغير المناخ تؤدي أيضًا إلى انتشار العفن، وهو مرض قاتل للنباتات. تقول سوليفان: “البندق يزدهر في المناخات الجافة، لكن التغيرات المناخية الأخيرة جعلت الزراعة أكثر صعوبة”.
الحلول البيئية: بين الأمل والحذر
المزارعون في غيرسون يسعون جاهدين لمواجهة هذه التحديات، لكن الأساليب المستخدمة أحيانًا تأتي بنتائج عكسية. استخدام المبيدات الحشرية لمكافحة الآفات يؤدي إلى تدمير الكائنات الدقيقة المفيدة في التربة. تشير سوليفان إلى أهمية تبني حلول بيئية أكثر استدامة لحماية النظام البيئي.
رغم التحديات، يواصل المزارعون العمل بشغف للحفاظ على هذا الإرث الزراعي. تقول سوليفان: “نريد أن نستمر في زراعة البندق وسط هذه المناظر الطبيعية الجميلة”.
تراث زراعي عريق ومستقبل واعد
صناعة البندق ليست مجرد نشاط زراعي، بل هي جزء من هوية تركيا الثقافية والتاريخية. النساء في غيرسون هن العمود الفقري لهذا القطاع، وهن الآن في طليعة الجهود المبذولة للحفاظ على هذه الزراعة وتطويرها. وفي الوقت الذي يهدد فيه تغير المناخ مستقبل المحصول، يظهر التزام النساء والمزارعين عامة في غيرسون بحماية هذا الإرث والعمل على إيجاد حلول مستدامة لضمان استمراريته. يبقى البندق رمزًا للتحدي والأمل في وجه تغيرات العصر، وحكاية ملهمة عن قدرة النساء على إحداث فرق في الصناعات التقليدية.




