كيف ساهم السكان الأصليون في انتشار الخوخ في أمريكا الشمالية؟
دراسة جديدة توضح كيف ساعدت الشبكات الاجتماعية للسكان الأصليين في نشر الخوخ عبر أمريكا الشمالية.
كشف بحث جديد أجرته جامعة بنسلفانيا أن الدور الرئيسي في انتشار شجرة الخوخ في أمريكا الشمالية كان للسكان الأصليين وليس للمستكشفين الإسبان كما كان يُعتقد سابقًا. الدراسة، التي نُشرت في مجلة Nature Communications، توضح أن شبكات السكان الأصليين السياسية والاجتماعية وممارساتهم في إدارة الأراضي كانت عوامل حاسمة في تبني الخوخ وزراعته. كما أظهرت نتائج البحث أن الخوخ كان منتشرًا في مستوطنات السكان الأصليين بحلول عام 1620. دراسة أخرى تكشف عن دور السكان الأصليين في تطوير أصناف جديدة من الخوخ، ويستمر هذا المحصول كمكون ثقافي رئيسي حتى اليوم، حيث يزرعه أحفاد الشعب الموسكوغي (كريك) كجزء من إرثهم الثقافي.

دراسة تسلط الضوء على دور السكان الأصليين في انتشار الخوخ في أمريكا الشمالية
أظهرت دراسة جديدة أجراها باحثون في جامعة ولاية بنسلفانيا أن السكان الأصليين لعبوا دوراً محورياً في تبني ونشر أشجار الخوخ في أمريكا الشمالية، مما غيّر التصور التاريخي السائد بأن الإسبان كانوا المسؤولين الوحيدين عن انتشار هذه الفاكهة.
انتشار الخوخ: دور الشبكات الاجتماعية للسكان الأصليين
نُشرت الدراسة في مجلة Nature Communications، وأوضحت أن شبكات السكان الأصليين السياسية والاجتماعية وممارساتهم في إدارة الأراضي ساهمت بشكل كبير في جعل الخوخ جزءاً أساسياً من البيئة الزراعية في القارة. وقال جاكوب هولاند-لوليويتز، الباحث الرئيسي وأستاذ الأنثروبولوجيا في جامعة ولاية بنسلفانيا: "الخوخ يحتاج إلى عناية كبيرة من قبل البشر ليكون منتجاً. يجب زراعته في أماكن مناسبة توفر الكثير من أشعة الشمس وتصريفاً جيداً للتربة، كما يحتاج إلى التقليم المنتظم." وأضاف: "لطالما كان السرد السائد هو أن الإسبان أدخلوا الخوخ وانتشر بسرعة. لكن الحقيقة أكثر تعقيداً بكثير. سرعة انتشار الخوخ كانت نتيجة مباشرة لشبكات السكان الأصليين وإدارتهم للأراضي."
تحليل الأدلة التاريخية والأثرية
لإعادة بناء تاريخ انتشار الخوخ، قام الباحثون بتحليل وثائق تاريخية كتبها مستكشفون أوروبيون مثل جاك ماركيت وجوناثان ديكنسون، بالإضافة إلى استخدام تقنية التأريخ بالكربون المشع لتحديد عمر حفريات نوى الخوخ وعينات عضوية أخرى تم استردادها من 28 موقعاً أثرياً في مناطق تشمل كارولينا، جورجيا، فلوريدا، ألاباما، تينيسي، وأركنساس.
أظهرت النتائج أن الخوخ كان واسع الانتشار في مستوطنات السكان الأصليين بجنوب شرق الولايات المتحدة بحلول عام 1620، أي بعد حوالي 100 عام من أولى الحملات الإسبانية في فلوريدا ووادي أوكوني في جورجيا. يشير توقيت الانتشار إلى أن المستوطنات الإسبانية المبكرة أصبحت عقداً تجارية مهمة داخل شبكات السكان الأصليين القائمة، مما ساهم في انتشار الخوخ.

الخوخ كمحصول أصلي ثقافي
وجد الباحثون أيضاً أدلة تشير إلى وجود خوخ في موقع زراعي للسكان الأصليين في وادي أوكوني يرجع تاريخه إلى الفترة ما بين 1520 و1570، مما يعني أن انتشار الخوخ ربما بدأ قبل تأسيس مدينة سانت أوغسطين عام 1565.
وأوضح فيكتور طومسون، أستاذ الآثار في جامعة جورجيا وأحد المشاركين في الدراسة، أن "هذه الدراسة تُظهر كيف لعب السكان الأصليون وعلاقتهم طويلة الأمد مع البيئة دوراً حاسماً في تشكيل التاريخ الزراعي للقارة. كما تُبرز أهمية الحفاظ على العينات الأثرية لدراسات المستقبل."
تطور الخوخ في يد السكان الأصليين
لم يقتصر دور السكان الأصليين على تبني زراعة الخوخ، بل قاموا أيضاً بانتقاء وتطوير أصناف جديدة فاقت عدد الأصناف الأوروبية في تلك الفترة. وقال هولاند-لوليويتز: "عندما بدأ الأوروبيون في الانتقال إلى داخل القارة خلال القرن السابع عشر، لاحظوا أن السكان الأصليين يزرعون أصنافاً أكثر تنوعاً من الخوخ مقارنة بما كان موجوداً في أوروبا. بحلول ذلك الوقت، أصبحت بساتين الخوخ الكثيفة جزءاً من ثقافة العديد من المجتمعات الأصلية، حتى أن بعض هذه المجتمعات لم تكن قد تفاعلت مع الأوروبيين من قبل."
وأضاف أن السكان الأصليين وصفوا الخوخ بأنه "فاكهة محلية"، مما يعكس مدى اندماج هذه الفاكهة في ثقافتهم وحياتهم اليومية.
إرث الخوخ في ثقافة السكان الأصليين
استمرت أهمية الخوخ لدى السكان الأصليين حتى مع تعرضهم للتحديات. فعندما تم ترحيل أسلاف شعب موسكوجي (كريك) قسراً من جورجيا وألاباما خلال القرن التاسع عشر، حملوا معهم الخوخ كجزء من إرثهم الثقافي.
وأوضح هولاند-لوليويتز أن "شعب موسكوجي (كريك) اليوم يزرع الخوخ كمحصول تراثي، ويعد العناية بهذه الأشجار ممارسة ثقافية مهمة. هذه الأشجار تعود إلى أولى الأشجار التي تم إدخالها في القرنين السادس عشر والسابع عشر وما زالت تُزرع حتى الآن." وتشير الدراسة إلى أن فهم دور السكان الأصليين في تبني المحاصيل الجديدة يساهم في إعادة تقييم التاريخ الزراعي والثقافي للقارة، ويبرز مساهماتهم المستمرة في تشكيل المشهد الزراعي الحديث.



