الثقوب السوداء البدائية قد تترك آثارًا ميكروسكوبية في الصخور والمواد الصلبة.
من الكواكب المجوفة إلى الأنفاق الدقيقة في الصخور، دراسة تكشف كيف يمكن أن تترك الثقوب السوداء البدائية بصمات.
في دراسة نُشرت في مجلة Physics of the Dark Universe، اقترح باحثون من جامعة بوفالو أن الثقوب السوداء البدائية قد تترك بصمات فريدة في الكون تتراوح بين الكواكب المجوفة إلى الأنفاق الميكروسكوبية في المواد الصلبة على الأرض. هذه الثقوب، التي يُعتقد أنها تشكلت بعد الانفجار العظيم، قد تكون أيضًا جزءًا من المادة المظلمة. الدراسة تقدّم فرضيات عن كيفية كشف هذه الثقوب عبر الأجسام المجوفة أو الأنفاق الدقيقة في الصخور، وقد توفر اكتشافاتها فهماً أعمق للمادة المظلمة في الكون.

دراسة جديدة تسلط الضوء على الثقوب السوداء البدائية: من الكواكب المجوفة إلى الأنفاق الدقيقة
في دراسة جديدة نُشرت في مجلة Physics of the Dark Universe في عددها الصادر لشهر ديسمبر، اقترح باحثون من جامعة بوفالو (University at Buffalo) ومؤسسات علمية أخرى أن الثقوب السوداء البدائية، التي قد تكون نشأت في الكون المبكر، يمكن أن تترك بصمات فريدة تتراوح بين أجسام كونية مجوفة إلى أنفاق ميكروسكوبية في مواد صلبة على الأرض.
الثقوب السوداء البدائية: نظرية تعود لعقود
منذ عقود، تكهّن العلماء بوجود الثقوب السوداء البدائية، والتي يُعتقد أنها قد تكون تشكلت في اللحظات الأولى بعد الانفجار العظيم بسبب التفاوت في كثافة المادة في الكون. هذه الثقوب تختلف عن الثقوب السوداء النجمية الناتجة عن انهيار النجوم الضخمة؛ إذ تمتلك كتلة أقل بكثير ولكنها تتميز بكثافة هائلة تعادل، على سبيل المثال، كتلة جبل مضغوطة في حجم ذرة.
علاوة على ذلك، هناك افتراض مثير أن هذه الثقوب السوداء البدائية قد تكون جزءًا من المادة المظلمة، المادة الغامضة التي تشكل حوالي 85% من كتلة الكون الكلية.
كواكب مجوفة أو أنفاق دقيقة: أدلة محتملة
تُقدم الدراسة فرضيتين بارزتين حول كيفية كشف وجود الثقوب السوداء البدائية. أولاً، إذا كان ثقب أسود بدائي قد استُوعب داخل جسم صخري كبير في الفضاء، مثل كوكب أو كويكب، فقد يقوم بامتصاص اللب السائل لهذا الجسم، ما يؤدي إلى تركه مجوفًا. وقد وجد الباحثون أن مثل هذا الجسم المجوف يمكن أن يدعم هيكله إذا كان حجمه لا يتجاوز عشر نصف قطر الأرض، ما يجعله أقرب إلى كوكب صغير منه إلى كوكب بحجم الأرض.
ثانيًا، يمكن أن تترك الثقوب السوداء البدائية، إذا كانت تتحرك بسرعة، أنفاقًا دقيقة داخل المواد الصلبة. ووفقًا للدراسة، فإن الثقب الأسود البدائي ذو الكتلة 10^22 غرام يمكن أن يخلف نفقًا بسُمك 0.1 ميكرون داخل المواد الصلبة مثل الصخور أو المعادن أو الزجاج.

إمكانية الكشف عن هذه الظواهر
أشار الباحثون إلى أن هذه الأجسام المجوفة قد تكون قابلة للكشف باستخدام التلسكوبات من خلال دراسة الكثافة. فإذا كانت الكثافة أقل مما يتوقع بالنسبة لحجم الجسم، فقد يكون ذلك مؤشرًا على أنه مجوف.
أما بالنسبة للأنفاق الميكروسكوبية، فقد اقترحت الدراسة أن البحث عن هذه الآثار في المواد القديمة، مثل الصخور التي تعود لمليارات السنين أو المباني القديمة، قد يكون وسيلة فعّالة للكشف عن وجود الثقوب السوداء البدائية. ومع ذلك، أكدت الدراسة أن احتمالية مرور ثقب أسود بدائي عبر صخرة عمرها مليار عام هي ضئيلة للغاية، لا تتجاوز 0.000001.
ورغم هذا الاحتمال الضئيل، يقول الباحث ديجان ستويكوفيتش، أستاذ الفيزياء بجامعة بوفالو وأحد المشاركين في الدراسة: "تكلفة البحث عن هذه البصمات منخفضة جدًا، ولكن العائد المحتمل، وهو العثور على أول دليل على وجود ثقب أسود بدائي، سيكون هائلًا."
هل الثقوب السوداء البدائية تشكل خطرًا على البشر؟
طمأن الباحثون الجمهور بأن مرور ثقب أسود بدائي عبر الإنسان، على الرغم من كونه شبه مستحيل، لن يكون مميتًا. فالبنية الجزيئية للأنسجة البشرية، التي تتمتع بتوتر منخفض مقارنة بالمواد الصلبة، لن تتأثر بشدة. علاوة على ذلك، فإن الطاقة الحركية الهائلة للثقب الأسود البدائي لن تتسبب في ضرر كبير بسبب سرعته العالية، ما يمنع إطلاق طاقة كبيرة عند الاصطدام.
وقال ستويكوفيتش: "إذا كان جسم يتحرك بسرعة أكبر من سرعة الصوت داخل وسط معين، فإن البنية الجزيئية لهذا الوسط لا تملك الوقت للاستجابة." وقارن ذلك بإلقاء حجر على نافذة مقابل إطلاق رصاصة عليها؛ حيث يمكن للحجر أن يحطم النافذة بينما الرصاصة تترك مجرد ثقب صغير.
الحاجة إلى أطر نظرية جديدة
أكد الباحثون أن هذه الدراسة النظرية هي خطوة صغيرة نحو حل لغز المادة المظلمة. وأضاف ستويكوفيتش أن الفيزياء تحتاج إلى قفزة نوعية في الأطر النظرية، لأن التقدم الكبير الأخير في الفيزياء، مثل ميكانيكا الكم والنسبية العامة، يعود إلى أكثر من قرن مضى.
وأشار ستويكوفيتش: "أذكى العقول على الكوكب عملت على هذه المشاكل لمدة 80 عامًا ولم تحلها بعد. لا نحتاج إلى توسيع بسيط للنماذج الحالية، بل ربما إلى إطار جديد كليًا."
دعم الدراسة
حظيت الدراسة بدعم من مؤسسات علمية بارزة. فقد موّلت المؤسسة الوطنية للعلوم (NSF) عمل ستويكوفيتش، بينما دعمت هيئة العلوم والتكنولوجيا الوطنية في تايوان عمل الباحث دي-تشانغ داي، المشارك في الدراسة من جامعة دونغ هوا الوطنية وجامعة كيس ويسترن ريزيرف.
تقدم هذه الدراسة منظورًا جديدًا لفهم الثقوب السوداء البدائية وأهميتها في تفسير المادة المظلمة. وبينما تظل الأدلة المباشرة بعيدة المنال، فإن البحث عن بصماتها المحتملة قد يفتح آفاقًا جديدة في علم الكونيات والفيزياء النظرية.




