ابتكار ثوري يجمع بين إنتاج الهيدروجين الأخضر وتحلية المياه باستخدام ضوء الشمس
هل تخيلت يومًا أن أشعة الشمس ومياه البحر فقط يمكن أن تكون مصدرًا لإنتاج الهيدروجين الأخضر والماء النقي؟
تقنية جديدة لتحلية المياه وإنتاج الهيدروجين الأخضر بكفاءة وبتكلفة منخفضة
طوّر فريق بحثي بقيادة جامعة كورنيل جهازًا هجينًا يستغل الطاقة الشمسية لتحلية مياه البحر وإنتاج الهيدروجين الأخضر بكفاءة عالية وتكلفة منخفضة. هذا الابتكار يجمع بين التحليل الكهربي والتبخير الحراري باستخدام حرارة الخلايا الشمسية، ويُعد خطوة رائدة نحو تحقيق الحياد الكربوني وحلّ مشكلتي ندرة المياه والطاقة. الجهاز يُظهر قدرة واعدة على دمجه مع مزارع الطاقة الشمسية ويقدم نموذجًا عمليًا لتكنولوجيا خضراء مستدامة.

ابتكار جهاز لتحلية مياه البحر وإنتاج الهيدروجين الأخضر باستخدام الطاقة الشمسية
في دراسة جديدة نُشرت في مجلة Energy and Environmental Science، أعلن فريق بحثي بقيادة جامعة كورنيل، وبالتعاون مع معاهد مرموقة مثل معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) وجامعتي جونز هوبكنز وميشيغان ستيت، عن تطوير تكنولوجيا هجينة قادرة على تحويل مياه البحر إلى هيدروجين أخضر ومياه صالحة للشرب، وذلك باستخدام الطاقة الشمسية فقط.
حل مزدوج لأزمتين عالميتين: الطاقة والمياه
يعاني العالم اليوم من ضغط متزايد على الموارد الأساسية، خصوصًا في ظل تفاقم ندرة المياه والطاقة. ووفقًا للبروفيسور لينان زانغ، الأستاذ المساعد في جامعة كورنيل وقائد المشروع، فإن إنتاج الطاقة عادةً ما يتطلب استهلاك كميات كبيرة من المياه، بينما يعيش ثلثا سكان العالم في مناطق تعاني من شُح المياه الصالحة للشرب. هذه المعادلة المعقدة ألهمت الفريق لتطوير حل مستدام يجمع بين إنتاج الهيدروجين الأخضر وتحلية المياه في آنٍ واحد.
كيف يعمل الجهاز الجديد؟ استخدام ذكي للطاقة الشمسية ومياه البحر
يعتمد الجهاز، الذي يحمل اسم "نظام التحلية الكهروضوئية الهجين HSD-WE"، على مبدأ مزدوج: الاستفادة من الكهرباء التي تولدها الخلايا الشمسية ومن الحرارة الضائعة منها في الوقت نفسه. فمعظم الخلايا الكهروضوئية (PV) لا تستطيع تحويل أكثر من 30% من ضوء الشمس إلى كهرباء، بينما تتحول النسبة المتبقية إلى حرارة غير مستغلة. الفريق البحثي استغل هذه الحرارة لتسخين مياه البحر وتبخيرها، ثم استخدم البخار الناتج لتحويله إلى ماء نقي يُضخ في جهاز تحليل كهربائي يقوم بفصل جزيئات الماء إلى هيدروجين وأكسجين. وأوضح زانغ أن ضوء الشمس قصير الموجة يُستخدم لتوليد الكهرباء، بينما تُستخدم الموجات الطويلة لإنتاج الحرارة اللازمة لعملية التبخير. وبذلك يتم الاستفادة الكاملة من الطاقة الشمسية دون هدر.
تكلفة منخفضة وهيدروجين بدون انبعاثات كربونية
واحدة من أهم مزايا هذه التكنولوجيا هي أنها تزيل العقبة الرئيسية أمام التوسع في إنتاج الهيدروجين الأخضر، وهي التكلفة العالية المرتبطة بالحاجة إلى مياه عالية النقاء (مياه منزوعة الأيونات). فعملية التحليل الكهربائي التقليدية تتطلب كميات كبيرة من المياه النقية، ما يرفع تكلفة الإنتاج إلى ما يقارب عشرة أضعاف تكلفة الهيدروجين التقليدي. لكن باستخدام مياه البحر كمصدر، ومع دمج تقنيات التبخير والتحليل الكهربي في جهاز صغير بحجم 10x10 سنتيمتر، نجح الفريق في إنتاج ما يعادل 200 ملليلتر من الهيدروجين في الساعة بكفاءة طاقة تصل إلى 12.6% تحت أشعة الشمس الطبيعية. ويقدّر الباحثون أن هذه التقنية قد تخفض تكلفة إنتاج الكيلوغرام الواحد من الهيدروجين الأخضر إلى دولار أمريكي واحد فقط خلال الخمسة عشر عامًا القادمة، ما يمثل خطوة كبيرة نحو تحقيق الحياد الكربوني بحلول عام 2050.

إمكانية دمج التكنولوجيا مع مزارع الطاقة الشمسية
يتوقع فريق البحث أن يكون للجهاز دور كبير في دعم مزارع الطاقة الشمسية القائمة، من خلال دمجه مع الألواح الشمسية لتبريدها أثناء التشغيل، وهو ما يُحسّن من كفاءتها ويطيل عمرها التشغيلي. ويقول زانغ: "نريد تجنّب الانبعاثات الكربونية والتلوث، لكننا أيضًا نهتم بجانب التكلفة، لأن خفض التكلفة يعني إمكانية أكبر لاعتماد التكنولوجيا على نطاق واسع."
مستقبل واعد لتكنولوجيا خضراء تعتمد على موارد غير محدودة
بتوظيف مصدرين طبيعيين ومتجددين هما أشعة الشمس ومياه البحر، يفتح هذا الابتكار بابًا واسعًا أمام تكنولوجيا الطاقة المستدامة التي لا تُنتج ملوّثات وتُقلّل التكاليف في الوقت ذاته. ويرى الباحثون أن الجمع بين إنتاج الطاقة وتحلية المياه في جهاز واحد قد يُحدث نقلة نوعية في قطاعات الصناعة والطاقة والمياه، خاصة في المناطق الساحلية التي تعاني من ندرة المياه وتكاليف الطاقة المرتفعة. إذا أثبتت هذه التكنولوجيا جدواها على نطاق تجاري، فقد تصبح أداة فعالة في مواجهة تحديات التغير المناخي والندرة المائية حول العالم.






