خوارزميات الذكاء الاصطناعي ترسم صورة أدق لثقب Sagittarius A*
باستخدام 12 مليون عملية حسابية، أعاد العلماء تشكيل فهمنا لثقب درب التبانة بفضل الذكاء الاصطناعي
ما لا تراه التلسكوبات التقطته الخوارزميات: الذكاء الاصطناعي يفك رموز إشعاع ثقب Sagittarius A* بدقة غير مسبوقة.
باستخدام الذكاء الاصطناعي وتقنيات الحوسبة العالية، تمكن علماء فلك من تحليل بيانات دقيقة لثقب القوس A* في مركز مجرة درب التبانة، مؤكدين أنه يدور بسرعة تقترب من الحد الأقصى. أظهرت النتائج أن الإشعاع لا يصدر من النفاثات كما كان يُعتقد، بل من إلكترونات ساخنة داخل قرص التراكم. الدراسة تمثل قفزة علمية في فيزياء الثقوب السوداء، وتبرز دور الذكاء الاصطناعي في الكشف عن أنماط خفية لا تُرى بالعين المجردة.

دراسات فلكية حديثة توظف الشبكات العصبية لتحليل بيانات تلسكوب أفق الحدث وتعيد كتابة فهمنا لثقب القوس A*
في سلسلة من الدراسات العلمية الحديثة المنشورة في مجلة Astronomy & Astrophysics، نجح فريق دولي من علماء الفلك في توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحليل الثقب الأسود الواقع في مركز مجرة درب التبانة، والمعروف باسم "القوس A*" (Sagittarius A*). وقد توصل العلماء إلى أن هذا الثقب يدور بسرعة كبيرة تقارب الحد الفيزيائي الأقصى، وهي نتيجة تفتح آفاقًا جديدة لفهم طبيعة هذه الأجرام الغامضة في قلب الكون.
الذكاء الاصطناعي يتفوق في تحليل البيانات الفلكية المعقدة
اعتمد الفريق البحثي على تدريب شبكة عصبية عميقة باستخدام ملايين من الملفات الاصطناعية لمحاكاة الثقوب السوداء، وذلك بالاستفادة من قدرات مركز الحوسبة عالية الإنتاجية (CHTC) التابع لجامعة ويسكونسن-ماديسون بالتعاون مع معهد مورغريدج للأبحاث. استخدم العلماء نهجًا بايزيًا متقدمًا يتيح التعامل مع حالة "عدم اليقين" الموجودة في البيانات الفلكية. وبذلك تمكنوا من إجراء مقارنة دقيقة بين نتائج المحاكاة وبين البيانات الحقيقية التي تم التقاطها عبر تلسكوب أفق الحدث (Event Horizon Telescope).
من صور الثقوب السوداء إلى تحليل أعمق للبيانات المخفية
بعد أن التقطت عدسات العالم أول صورة مباشرة لـ ثقب أسود فائق الكتلة في مجرة M87 عام 2019، ثم صورة جديدة لثقب Sagittarius A* عام 2022، بدأ العلماء في إدراك أن هذه الصور كانت مجرد البداية. فالبيانات الخام المصاحبة لهذه الصور تحتوي على كمية هائلة من المعلومات المعقدة، التي لا يمكن استخلاصها بالطرق التقليدية. وهنا جاء دور الذكاء الاصطناعي في كشف أنماط خفية تتعلق بسرعة الدوران، واتجاه المحور، ومصدر الإشعاع الصادر عن الثقب الأسود.
دوران الثقب الأسود وتحديد مصدر الإشعاع بدقة جديدة
أظهرت نتائج الدراسة أن الثقب الأسود في مركز درب التبانة يدور بسرعة هائلة، في اتجاه موجه تقريبًا نحو كوكب الأرض. على عكس الفرضيات السابقة التي كانت ترجّح وجود نفاثات كونية كمصدر للإشعاع، تشير النتائج الجديدة إلى أن الإشعاع ينبعث من إلكترونات شديدة الحرارة داخل قرص التراكم المحيط بالثقب. كما كشفت الدراسة عن أن الحقول المغناطيسية في هذا القرص تتصرف بشكل غير متوقع، ما يطرح أسئلة جديدة حول النماذج النظرية الكلاسيكية في فيزياء الثقوب السوداء.

بنية الحوسبة التي تقف خلف هذا الاكتشاف: 12 مليون عملية حسابية خلال 3 سنوات
هذه الإنجازات غير ممكنة دون الاستفادة من تقنيات الحوسبة الموزعة التي طورها علماء مثل ميرون ليفني، أستاذ علوم الحاسوب بجامعة ويسكونسن-ماديسون، على مدار 40 عامًا. تقوم هذه التقنية على تقسيم المهام إلى وحدات صغيرة وتوزيعها على آلاف الحواسيب، مما يجعل من الممكن تنفيذ أكثر من 12 مليون مهمة حسابية خلال ثلاث سنوات، كما فعل العلماء في تحليل بيانات تلسكوب أفق الحدث.
الباحث تشي-كوان تشان من مرصد ستيوارد بجامعة أريزونا وصف التجربة بأنها “إنجاز مذهل” من حيث أتمتة سير العمل، وتوزيع الأحمال عبر الموارد الحاسوبية، بينما أشار الأستاذ أنتوني جيتر إلى أن هذا المستوى من التجهيز هو ما مكّن نماذج الذكاء الاصطناعي من التدرب بدقة وثقة.
الذكاء الاصطناعي في علم الفلك: ثورة بدأت للتو
بالرغم من أن نتائج الدراسة أذهلت المجتمع العلمي، يرى مايكل يانسن، الباحث الرئيسي في الدراسة من جامعة رادبود، أن هذه مجرد البداية. يؤكد أن الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي سيفتحان المجال نحو بناء نماذج أكثر دقة وتطورًا في المستقبل، تسمح باكتشاف تفاصيل دقيقة عن بنية الثقوب السوداء، والفيزياء المحيطة بها، وحتى عن طبيعة الزمكان نفسه.
كما أضاف ليفني، مدير مركز CHTC، أن هذه المشاريع تُمثل التحدي الحقيقي لقدرات البنية التحتية التكنولوجية، قائلاً: "نحن لا نكتفي بدعم البحث؛ نحن نشارك في إعادة تشكيل أدواته".




