رئيس مجلس الإدارة
نيفين منصور
رئيس التحرير
إبراهيم مصطفى
03:19 ص calendar الأحد 19 يوليو 2026

انطلاقة علمية مثيرة لتركيب الحمض النووي البشري صناعياً تفتح آفاقاً جديدة للعلاج الجيني المتقدم

العلماء البريطانيون يخطون أولى خطواتهم نحو بناء جينات بشرية من الصفر لتطوير علاجات ثورية لأمراض مستعصية

إطلاق مشروع بريطاني
إطلاق مشروع بريطاني لتركيب الحمض النووي البشري معملياً بدعم من مؤسسة ويلكوم، يهدف لتطوير علاجات جينية مبتكرة رغم الجدل الأخلاقي المصاحب له - Illustration

    مشروع الجينوم الصناعي في بريطانيا يبدأ فعليًا بدعم مالي كبير لتصنيع كروموسومات بشرية معمليًا، وسط آمال علاجية واسعة وتحذيرات من مخاطر التلاعب الوراثي واستخدامات غير أخلاقية.

    بدأت بريطانيا رسميًا تنفيذ مشروع علمي طموح لتركيب الحمض النووي البشري معمليًا من الصفر، بدعم أولي بلغ 10 ملايين جنيه إسترليني من مؤسسة ويلكوم، أكبر جهة طبية خيرية في العالم. يسعى المشروع إلى بناء كروموسومات بشرية كاملة لتحفيز اكتشافات جينية متقدمة قد تحدث تحولًا جذريًا في علاج الأمراض الوراثية والمزمنة. وبينما يُنظر إليه كإنجاز طبي مستقبلي، يثير المشروع أيضًا جدلًا واسعًا حول أخلاقيات التعديل الوراثي واحتمالية استغلال التقنية في إنتاج بشر معدل أو أسلحة بيولوجية. ويؤكد القائمون على المشروع أن العمل سيبقى ضمن حدود المختبر، مع إطلاق برنامج اجتماعي مصاحب لضمان الشفافية والتفاعل المجتمعي مع التقنية الجديدة.


    إطلاق مشروع بريطاني لتركيب الحمض النووي البشري معملياً - Illustration
    إطلاق مشروع بريطاني لتركيب الحمض النووي البشري معملياً - Illustration

    التحكم بالجينات: علم جديد يولد في المختبرات

     

    مشروع الجينوم الصناعي يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من علم الأحياء الجزيئي، حيث بدأ العلماء في تركيب الحمض النووي البشري من وحداته الأساسية داخل بيئة مختبرية بالكامل. بحسب د. جوليان سيل من مختبر علم الأحياء الجزيئي في كامبريدج، فإن الهدف الأساسي للمشروع هو إنتاج سلاسل وراثية مقاومة للأمراض يمكن استخدامها في تجديد الأنسجة التالفة داخل أعضاء الجسم مثل الكبد والقلب والجهاز المناعي. يرى سيل أن هذا التطور يمثل "قفزة علمية هائلة" نحو مستقبل طبي أكثر دقة وفعالية.

    تركيب كروموسومات بشرية صناعية لعلاج الأمراض الوراثية

     

    يطمح الفريق البحثي إلى تجاوز تركيب الجينات القصيرة وصولًا إلى بناء كروموسومات بشرية كاملة. تحتوي هذه الكروموسومات على التعليمات الوراثية الأساسية التي تنظم النمو والإصلاح داخل الجسم. البروفيسور ماثيو هيرلز، مدير معهد ويلكوم سانجر، يشير إلى أن هذه القدرة الجديدة ستسمح بفهم أعمق لوظائف الجينات وآليات الإصابة بالأمراض. وبناء الحمض النووي من البداية يتيح فرصة اختبار الفرضيات العلمية بطريقة لم تكن ممكنة سابقًا باستخدام الحمض النووي الطبيعي فقط.

    المخاوف الأخلاقية تلاحق طموحات الجينوم الصناعي

     

    رغم ما يحمله المشروع من وعود علاجية هائلة، إلا أن أصواتًا ناقدة بدأت تبرز. د. بات توماس، من حملة "بيوند جي إم"، أبدت قلقها من أن يتم استغلال هذه التقنية لتعديل الصفات البشرية أو حتى تصنيع كائنات هجينة. كما حذر البروفيسور بيل إيرنشو من جامعة إدنبرة من أن انتشار هذه التكنولوجيا قد يجعل من المستحيل فرض رقابة على استخدامها، قائلًا: "الجن خرج من القمقم، وإذا أرادت جهة ما تصنيع حمض نووي لأي غرض، فلن يتمكن أحد من ردعها".

    الملكية الجينية ومسؤولية التحكم بالبيانات الوراثية

     

    جانب آخر من المخاوف يتمثل في من يملك المنتجات الناتجة عن هذه الأبحاث. هل تكون ملكًا للشركات الممولة؟ أم للجهات البحثية؟ وماذا عن البيانات الوراثية للأجسام المصنعة؟ تقول د. توماس إن على الحكومات وضع تشريعات صارمة تضمن ألا تتحول هذه الابتكارات إلى أدوات استغلال تجاري للإنسان، وتحفظ الحقوق الوراثية للأفراد وتحمي خصوصيتهم الجينية من التسليع.

    إطلاق مشروع بريطاني لتركيب الحمض النووي البشري معملياً بدعم من مؤسسة ويلكوم - Illustration
    إطلاق مشروع بريطاني لتركيب الحمض النووي البشري معملياً بدعم من مؤسسة ويلكوم - Illustration

    قرار التمويل: لماذا اختارت ويلكوم دعم المشروع؟

     

    قرار تمويل هذا المشروع لم يُتخذ بسطحية، كما يؤكد الدكتور توم كولينز، الذي وافق على الميزانية. وقد تساءلت المؤسسة عن "كلفة عدم التحرك"، معتبرة أن هذا النوع من التقنية سيتطور حتمًا في المستقبل، لذلك من الأفضل أن يتم تحت إشراف علمي أخلاقي مسؤول الآن، بدلًا من أن يقع لاحقًا في أيدٍ مجهولة التوجهات.

    الانفتاح المجتمعي كضمان أخلاقي وعلمي للتقدم

     

    سيصاحب المشروع برنامج اجتماعي متكامل بقيادة البروفيسورة جوي زانغ من جامعة كِنت، يهدف إلى استطلاع رأي المجتمع والخبراء في العلوم الاجتماعية حول التكنولوجيا وتأثيرها. سيُركز البرنامج على فهم نظرة الناس للتقنية، ما يأملونه منها، وما يخشونه، لتكون السياسة العلمية نابعة من وعي اجتماعي ومساءلة علنية.

    من المختبر إلى المستقبل: الطب الجيني يعيد رسم ملامح البشرية

     

    يبدو أن البشرية تقف على عتبة عصر جديد يعاد فيه تعريف الحياة الجينية من خلال أدوات اصطناعية. وبينما يحمل مشروع الجينوم الصناعي آمالًا كبيرة لعلاج أمراض لا علاج لها اليوم، يبقى التحدي الأهم هو ضمان استخدام هذه القوة العلمية الهائلة لصالح الإنسان، لا للعبث بطبيعته.

    الاكثر مشاهدة

    تم نسخ الرابط