رئيس مجلس الإدارة
نيفين منصور
رئيس التحرير
إبراهيم مصطفى
11:40 م calendar السبت 18 يوليو 2026

هل الأوكسيتوسين هو السر وراء تشكيل صداقاتنا واختيارنا للأصدقاء؟

دراسة جديدة تكشف أن الأوكسيتوسين يلعب دورًا محوريًا في تشكيل الصداقات وتحديد علاقاتنا الاجتماعية، مما يعمق فهمنا للروابط العاطفية.

كيف يؤثر الأوكسيتوسين
كيف يؤثر الأوكسيتوسين في تكوين الروابط العاطفية والصداقة؟ - illustration

    هل الأوكسيتوسين هو هرمون الصداقة؟ فريق بحثي يكشف أن هذا الهرمون يدعم تكوين الصداقات ويحدد مع مَن نكون اجتماعيين.

    دراسة حديثة من جامعة كاليفورنيا في بيركلي كشفت أن الأوكسيتوسين، الذي يُعرف بهرمون الحب، لا يعزز الاجتماعية بشكل عام، بل يؤثر على انتقائيتنا الاجتماعية، أي كيفية تكوين الصداقات والروابط العاطفية. من خلال تجارب على فئران البراري، أظهرت الدراسة أن غياب هذا الهرمون يُبطئ تكوين الروابط الاجتماعية ويؤثر على تفضيلنا للرفقاء. النتائج تقدم رؤى جديدة لفهم الأساس العصبي للصداقة وعلاقتها بأمراض بشرية مثل التوحّد والفصام.


    الأوكسيتوسين وتأثيره على تفضيلاتنا الاجتماعية: دراسة تكشف العلاقة العميقة
    كيف يؤثر الأوكسيتوسين في اختيار الأصدقاء وتكوين الروابط الاجتماعية؟ - illustration

    الأوكسيتوسين يدعم تكوين الصداقات والانتقائية الاجتماعية: أدلة جديدة من جامعة كاليفورنيا في بيركلي

     

    قدّم فريق بحثي من جامعة كاليفورنيا في بيركلي بالتعاون مع باحثين في سان فرانسيسكو أدلة قوية على أن الأوكسيتوسين المعروف شعبيًا بـ هرمون الحب يلعب دورًا حاسمًا في نشأة الصداقات والانتقائية الاجتماعية، إلى جانب ارتباطه القديم بالروابط العاطفية. ونُشرت الدراسة في مجلة Current Biology  بتاريخ 8 أغسطس، وقادتها أستاذة الأحياء التكاملية وعلوم الأعصاب آناليز بيري بمشاركة فريق متعدد التخصصات من بيركلي وسان فرانسيسكو.

    لماذا يعد الأوكسيتوسين محورياً في العلاقات الاجتماعية البشرية والحيوانية؟

     

    يُفرَز الأوكسيتوسين في الدماغ خلال الجماع والولادة والرضاعة والتفاعلات الاجتماعية، ويرتبط بمشاعر الألفة والثقة والقرب. ورغم اقترانه في بعض السياقات بسلوكيات عدوانية، شاع وصفه بهرمون العناق أو هرمون السعادة. غير أن أبحاثًا حديثة على فأر البراري كشفت أن هذا الهرمون ليس شرطًا وجوديًا لتثبيت الارتباطات الزوجية أو السلوكيات الأبوية، وإن كان غيابه يبطئ تشكّل هذه الروابط. تذهب الدراسة الحالية خطوة أبعد لتُظهر أن الأوكسيتوسين لا يزيد كمية الاجتماعية بقدر ما يحدد مع مَن نكون اجتماعيين، أي جوهر الانتقائية الاجتماعية.

    فأر البراري نموذجًا عصبيًا لفهم الصداقة والانتقائية الاجتماعية

     

    اختار الباحثون فأر البراري لأنه، على غرار البشر، يكوّن علاقات انتقائية ومستقرة. وبينما ركزت معظم الدراسات السابقة على روابط التزاوج، يهتم مختبر بيري بعلاقات الأقران الانتقائية التي تماثل الصداقة لدى البشر. هذا المنظور يفتح نافذة لفهم اضطرابات بشرية مثل طيف التوحّد والفصام، حيث تتأثر القدرة على بناء الروابط الاجتماعية أو الحفاظ عليها. وتوضح بيري أن هذا النموذج الحيواني يتيح الوصول إلى بيولوجيا الصداقة العصبية لفهم أوجه التشابه والاختلاف مع العلاقات الأخرى.

    تصميم تجريبي يجمع التعديل الجيني والحساسات النانوية لرصد الأوكسيتوسين

     

    اعتمد الفريق على فئران براري معدّلة وراثيًا خالية من مستقبلات الأوكسيتوسين، طُوّرت في مختبر المتعاون د. ديفاناند مانولي من جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو لاختبار أثر تعطيل الإشارة الهرمونية على سلوك الصداقة والانتقائية. وإلى جانب ذلك، تعاونت بيري مع ناتسومي كوماتسو والبروفيسورة ماركيتا لاندري من جامعة كاليفورنيا في بيركلي لتطبيق حساس نانوي مبتكر للأوكسيتوسين مصنوع من أنابيب كربونية نانوية مرتبطة بتسلسلات من الحمض النووي أحادي السلسلة، يصدر إشارة فلورية عند ارتباطه بالجزيء. هذا الدمج بين التعديل الجيني والقياس الجزيئي الدقيق أتاح تتبّع ديناميات الأوكسيتوسين داخل دوائر المكافأة الاجتماعية في الدماغ.

    نتائج سلوكية تُظهر بطئًا في تكوين الصداقة وتراجعًا في مكافأة الرفيق

     

    أظهرت التجارب التي شاركت في قيادتها طالبة الدراسات العليا أليكسيس بلاك أن الفئران الخالية من مستقبلات الأوكسيتوسين تحتاج وقتًا أطول لتكوين علاقات أقران مقارنة بالفئران الطبيعية. فالسلوكيات الصديقة المميزة كالجلوس جنبًا إلى جنب والتنظيف المتبادل والالتصاق بدت أقل اندفاعًا، كما لم تُظهر الفئران المعدّلة المكافأة الاجتماعية المعتادة للرفقة الانتقائية؛ إذ بذلت جهدًا أقل للتقارب الجسدي مع الأصدقاء وكانت أقل تجنّبًا وعدوانية تجاه الغرباء. هذه النتائج تدعم فكرة أن الأوكسيتوسين يوجّه الانتقائية الاجتماعية أكثر مما يحدد درجة الاجتماعية عمومًا.

    كيف يؤثر الأوكسيتوسين في انتقائيتنا الاجتماعية؟
    هل الأوكسيتوسين هو السر وراء تشكيل صداقاتنا واختيارنا للأصدقاء؟ - illustration

    ثلاث تجارب تكشف آليات الانتقائية: من تفضيل الرفيق إلى تتبّعه داخل المجموعة

     

    في التجربة الأولى، قاس الباحثون الزمن اللازم لتشكّل تفضيل رفيق محدّد. الفئران الطبيعية تُظهر تفضيلًا بعد نحو 24 ساعة من القرب الجسدي، بينما لم تُبدِ الفئران الخالية من المستقبلات تفضيلًا في المدة نفسها واحتاجت حتى أسبوع لتكوين علاقة أقران واضحة. خلُص الفريق إلى أن الأوكسيتوسين ليس ضروريًا لوجود العلاقة بحد ذاته، لكنه بالغ الأهمية لتسريع نشأتها بكفاءة في مراحلها الأولى. في التجربة الثانية، وُضعت الفئران في بيئة اجتماعية متعددة الغرف أشبه بحفلة. عادةً، تحافظ الفئران الطبيعية في البداية على القرب من أصدقائها المألوفين قبل الانخراط الأوسع، بينما اختلطت الفئران الخالية من مستقبلات الأوكسيتوسين فورًا بالجميع، ما يشير إلى ضعف تتبّع الرفيق الأصلي داخل المجموعة. أما التجربة الثالثة فاختبرت دافعية الارتباط عبر مهمة ضغط الرافعة للوصول إلى صديق/شريك أو إلى غريب. ضغطت الإناث الطبيعية أكثر للوصول إلى الشريك الجنسي أو الرفيق المألوف، في حين ظلّت الفئران المعدّلة تفضّل الشريك الجنسي فقط ولم تُظهر التفضيل نفسه في علاقات الأقران، ما يدعم ارتباط روابط التزاوج بمسارات مكافأة أقوى نسبيًا.

    داخل الدماغ: تغيّر ديناميات الأوكسيتوسين في النواة المتكئة

     

    باستخدام الحساس النانوي، لم يرصد الفريق زيادة تعويضية في إفراز الأوكسيتوسين لدى الفئران الخالية من مستقبلاته. على العكس، لوحظ انخفاض في كمية الأوكسيتوسين المنطلقة ومن مواقع أقل داخل النواة المتكئة، وهي منطقة محورية في دوائر مكافأة السلوك الاجتماعي عبر الأنواع. تُبرز هذه النتائج تأثيرات التغذية الراجعة لغياب المستقبل، وتوضح كيف تتبدّل ديناميات الإشارة العصبية للأوكسيتوسين داخل الشبكات الدماغية المسؤولة عن الانتقائية الاجتماعية.

    صلة النتائج بأبحاث التزاوج والأبوة ودلالاتها الزمنية

     

    تندرج هذه النتائج ضمن سلسلة أعمال أشرفت عليها بيري وأسهم فيها مانولي. ففي عام 2023، أظهرت دراسة أن فئران البراري غير القادرة على الاستجابة للأوكسيتوسين احتفظت بسلوكيات التزاوج الأحادي والتعلّق بالأزواج ورعاية الصغار بصورة قريبة من الطبيعي. وفي 2024، بيّنت أبحاث إضافية أن غياب المستقبلات يضاعف تقريبًا الزمن اللازم لتثبيت علاقة التزاوج. مجتمعة، تشير الأدلة إلى أن تعطّل الإشارة لا يمنع تكوّن الروابط نهائيًا، لكنه يبطئ ظهورها ويضعف جودة علاقات الأقران على المدى الطويل.

    من المختبر إلى الطبيعة: آفاق أوسع لفهم بيولوجيا الصداقة

     

    تركز بيري منذ سنوات على العلاقات الاجتماعية في القوارض، ولا سيما علاقات الأقران التي نادرًا ما تُدرس. وإلى جانب فئران البراري، أجرت دراسات ميدانية قارنت السلوك الاجتماعي وتوزّع مستقبلات الأوكسيتوسين بين أنواع من القوارض في أمريكا الجنوبية وسناجب Belding الأرضية في أمريكا الشمالية ذات أنماط العيش المختلفة. وبدأت مؤخرًا تجارب ميدانية على عدة أنواع من فئران البراري تُقارب 50 نوعًا عالميًا لمقارنة سلوكها الاجتماعي. وتشير النتائج الأولية إلى أن تفضيل الأقران قد يسبق تطور الزواج الأحادي لدى هذه القوارض وربما لدى ثدييات أخرى، ما يوحي بأن تفضيل المألوف متجذّر بعمق في السلوك الاجتماعي.

     الأوكسيتوسين يسرّع انتقائية الصداقة ويدعم استدامتها

     

    تجمع الدراسة بين التلاعب الجيني والقياسات الجزيئية الدقيقة والتصاميم السلوكية المحكمة لتبيّن أن الأوكسيتوسين يدعم انتقائية الروابط الاجتماعية في مراحلها المبكرة ويؤثر في استدامتها. وتعكس النتائج أن تعطّل منظومة الأوكسيتوسين يبدّل الميزان بين الاقتراب من المألوف والابتعاد عن الغريب، فاتحًا مسارات بحثية لفهم الأساس العصبي للصداقة وإمكانات ترجمة ذلك إلى رؤى حول الاضطرابات التي تمس التفاعل الاجتماعي لدى البشر.

    الاكثر مشاهدة

    تم نسخ الرابط