رئيس مجلس الإدارة
نيفين منصور
رئيس التحرير
إبراهيم مصطفى
11:21 ص calendar السبت 18 يوليو 2026

صواعد كهفية تكشف تأثير موجات جفاف على حضارة المايا

كشف علمي جديد يوضح كيف أثرت موجات الجفاف المطولة في انهيار حضارة المايا وتحولات مراكز السلطة السياسية.

موجات جفاف طولها
موجات جفاف طولها أكثر من عقد: مفتاح فهم سقوط حضارة المايا - illustration

    هل كانت موجات جفاف السبب في سقوط حضارة المايا؟

    كشف بحث جديد من جامعة كامبريدج أن موجات جفاف طويلة ومتكررة أثرت بشدة على حضارة المايا في الفترة الكلاسيكية النهائية. باستخدام صواعد كهفية في يوكاتان، وجد العلماء أن الجفاف استمر لأكثر من 13 سنة في بعض الأحيان، مما أثر على زراعة المايا واستقرارهم الاجتماعي والسياسي. هذه الموجات من الجفاف ساهمت في تراجع مدن المايا وانتقال القوة إلى شمال المنطقة، مما يوضح كيف يمكن لموجات جفاف تغير مجرى التاريخ.


    تأثير موجات جفاف متكررة على استقرار حضارة المايا الكلاسيكية
    موجات جفاف ومشاكل زراعية وراء انحسار حضارة المايا - illustration

    دراسة تربط موجات جفاف طويلة بانحسار حضارة المايا في الفترة الكلاسيكية النهائية

     

    نشرت مجلة Science Advances نتائج بحث قادته جامعة كامبريدج يكشف أن موجة جفاف دامت 13 عاما وعدة موجات أخرى امتد كل منها لأكثر من ثلاث سنوات قد أسهمت في التحولات الاجتماعية والسياسية التي شهدتها حضارة المايا في الفترة الكلاسيكية النهائية. استخدم الفريق بصمات كيميائية محفوظة داخل صاعدة كهفية في المكسيك، وهي ترسب صخري ينمو من أرضية الكهف، لتحديد مستويات الهطول بدقة زمنية عالية. وللمرة الأولى تمكن الباحثون من عزل ظروف مواسم الأمطار ومواسم الجفاف على حدة بين عامي 871 و1021 ميلادية، وهي نافذة زمنية تتقاطع مباشرة مع ما يُعرف تاريخيا بانهيار المايا وانتقال مراكز الثقل شمالا وانتهاء سلالات حاكمة.

    نظائر الأكسجين من صاعدة كهفية في يوكاتان تكشف مواسم المطر والجفاف

     

    اعتمدت الدراسة على تحليل تفصيلي لنسب نظائر الأكسجين داخل طبقات الصاعدة المأخوذة من كهف في شبه جزيرة يوكاتان. سمح التأريخ الدقيق لهذه الطبقات باستخراج سجل مناخي يفصل بين مواسم الأمطار ومواسم الجفاف عاما بعام، بدلا من الاكتفاء بمتوسطات سنوية عامة. هذا المستوى من الدقة يتيح ربطا أوثق بين التغيرات المناخية القصيرة الأمد وأثرها المباشر في الإنتاج الزراعي والمشهد السياسي.

    ثماني موجات جفاف في موسم الأمطار وأطولها امتد 13 عاما

     

    تظهر البصمات الكيميائية وجود ثماني موجات جفاف خلال موسم الأمطار، استمرت كل موجة منها ثلاث سنوات على الأقل بين 871 و1021 ميلادية. وسجلت أطول موجة جفاف متصلة مدة 13 عاما. حتى مع ما امتلكه المايا من تقنيات لإدارة المياه، فإن جفافا بهذه المدة والحدة كان كفيلا بالتأثير العميق في المحاصيل والمعاش، وبالتالي في استقرار السلطة والمؤسسات.

    توافق السجل المناخي مع الشواهد الأثرية وتوقف النقوش في الشمال

     

    يتسق هذا السجل المناخي عالي الدقة مع أدلة تاريخية وأثرية قائمة. فقد توقفت أعمال تشييد النصب والنشاط السياسي وتسجيل التواريخ على المعالم في مواقع كبرى شمالية خلال فترات الإجهاد المناخي، بما في ذلك مدينة تشيتشن إيتزا. لا يدل ذلك بالضرورة على إخلاء المدن، لكنه يوحي بأن الأولويات انصبت على قضايا أكثر إلحاحا مثل نجاح الزراعة وتدبير الموارد خلال تعثر مواسم المطر.

    موجات جفاف في يوكاتان تفسر تراجع حضارة المايا
    تحليل صواعد كهفية يكشف تأثير موجات جفاف على حضارة المايا - illustration

    لماذا تمنحنا الصواعد الكهفية تفاصيل أدق من رواسب البحيرات

     

    تتكون الصواعد عندما تقطر المياه من سقف الكهف فتترسب المعادن طبقة فوق أخرى على الأرضية. قياس نظائر الأكسجين داخل هذه الطبقات، مع تأريخها بدقة، يكشف إشارة حساسة إلى وفرة الأمطار في كل موسم. وعلى خلاف رواسب البحيرات التي تفيد في رسم الصورة العامة لكنها لا تسمح غالبا بتحديد حالة سنة بعينها في موقع محدد، وفرت الصاعدة المستخدمة في هذه الدراسة طبقات سنوية سميكة نسبيا بحدود مليمتر واحد، ما أتاح عزل إشارات مواسم الأمطار تحديدا وتتبع جفافها عبر الزمن.

    إطار زمني أدق لتفاعل المناخ والمجتمع في نهاية العصر الكلاسيكي

     

    تقدم موجات الجفاف المؤرخة بدقة إطارا جديدا لتحليل متدرج زمنيا لتفاعل الإنسان والمناخ في منطقة المايا. ويرى المؤلف الرئيسي الدكتور دانيال ه. جيمس، الذي أنجز البحث خلال دراسته للدكتوراه في قسم علوم الأرض بجامعة كامبريدج ويعمل حاليا باحثا بعد الدكتوراه في University College London، أن فهم هذه المرحلة يستفيد من الجمع بين الأدلة الأثرية والسجلات المناخية الكمية. فمنذ التسعينيات أخذ الباحثون يربطون تواريخ النقوش على النصب بالسلاسل المناخية، وبرزت موجات الجفاف خلال الفترة الكلاسيكية النهائية باعتبارها عاملا مرجحا في الاضطراب الاجتماعي والسياسي واسع النطاق.

    من الصورة العامة إلى التفاصيل الدقيقة فصل مواسم الأمطار مفتاح لفهم المحاصيل

     

    يوضح فريق كامبريدج أن معرفة متوسط الهطول السنوي أقل فائدة من معرفة حال كل موسم أمطار على حدة، لأن نجاح المحاصيل يرتبط مباشرة بوفرة هذا الموسم. وقد أتاحت الصاعدة الكهفية الوصول إلى التفاصيل الدقيقة التي كانت مفقودة، وجعلت من الممكن تتبع مدة جفاف مواسم الأمطار على نحو يؤطر تدهور الإنتاج الزراعي وتبعاته الاجتماعية.

    مدن مبنية من الحجر الجيري في الجنوب وديناميات انتقال القوة شمالا

     

    تشير النتائج إلى أن مدن المايا المبنية من الحجر الجيري في الجنوب تعرضت للانحسار خلال هذه المرحلة، وانتهت سلالات حاكمة، بينما انتقلت بؤر النفوذ شمالا وفقدت الحضارة جزءا كبيرا من قوتها السياسية والاقتصادية. يتوافق هذا مع توقيت موجات الجفاف المطولة التي تكشفها الصاعدة، ما يعزز فرضية أن الضغوط المناخية كانت عنصرا حاسما ضمن حزمة من العوامل.

    آفاق بحثية جديدة صواعد كهوف يوكاتان قد توثق أيضا العواصف الاستوائية

     

    يرجح الباحثون أن صواعد هذا الكهف وغيره في المنطقة ستسهم في تجميع صورة أشمل للفترة الكلاسيكية النهائية. وإضافة إلى توثيق تاريخ الجفاف، قد تساعد هذه السجلات الطبيعية في تقدير تكرار العواصف الاستوائية وشدتها. وباعتبارها دراسة حالة للمقارنة الدقيقة بين المناخ والبيانات التاريخية، يفتح هذا النهج الباب أمام تطبيق أدوات عادة ما تُستخدم في دراسة الماضي السحيق على تاريخ أقرب زمنيا، مع مشاركة باحثين من المملكة المتحدة والولايات المتحدة والمكسيك في توسيع الربط بين العلم المناخي والبحث الأثري.

    الاكثر مشاهدة

    تم نسخ الرابط