رباعي كلورو الإيثيلين في التنظيف الجاف يضاعف خطر تليّف الكبد ثلاث مرات
بينما نظن أن الكحول والدهون فقط هي أسباب أمراض الكبد، تكشف الأبحاث أن مادة التنظيف الجاف تحمل خطرًا أكبر مما نتوقع
ملخص
من داخل مغاسل الملابس إلى أعماق أجسامنا، يظهر أن مادة رباعي كلورو الإيثيلين في التنظيف الجاف ليست بريئة كما تبدو، إذ ترتبط بزيادة مقلقة في خطر تليّف الكبد.
في اكتشاف جديد نُشر في مجلة Liver International، كشف باحثون من جامعة جنوب كاليفورنيا أن التعرض لرباعي كلورو الإيثيلين، المذيب الصناعي الشائع في التنظيف الجاف، يرتبط بارتفاع خطر تليّف الكبد بثلاثة أضعاف. أظهرت التحليلات، المعتمدة على بيانات وطنية من الولايات المتحدة، علاقة جرعة واستجابة واضحة، ما يعني أن زيادة التعرض تزيد الخطر. الدراسة تسلط الضوء على خطر بيئي غير متوقّع يطال حتى من لا يشربون الكحول أو يعانون أمراض الكبد التقليدية، داعيةً إلى إعادة النظر في معايير السلامة والاستخدام الصناعي لهذه المادة.

مادة رباعي كلورو الإيثيلين في التنظيف الجاف مرتبطة بزيادة كبيرة في خطر تليّف الكبد
يفترض كثيرون أن أمراض الكبد تنشأ حصريًا من الإفراط في شرب الكحول أو من تراكم الدهون المرتبط بالسمنة والسكري وارتفاع الكوليسترول، أو من عدوى فيروسية مثل التهاب الكبدين BوC. لكن دراسة جديدة منشورة في Liver International تكشف عاملًا بيئيًا صامتًا قد يفسّر إصابة أشخاص لا تنطبق عليهم هذه الأسباب التقليدية. البحث، الصادر عن باحثين في كيك ميديسن التابعة لجامعة جنوب كاليفورنيا (University of Southern California)، يربط بين التعرّض لرباعي كلورو الإيثيلين (tetrachloroethylene "PCE") وبين أذى كبدي بالغ، مع تضاعف احتمال التليّف الكبدي الملحوظ ثلاث مرات لدى المعرّضين له مقارنة بغيرهم.
ما هو رباعي كلورو الإيثيلين وتأثيره على الكبد؟
رباعي كلورو الإيثيلين مادة صناعية عديمة اللون تُستخدم على نطاق واسع لإزالة الشحوم وفي خدمات التنظيف الجاف. يتعرّض الناس لها غالبًا عبر الهواء، إذ تتبخر ببطء من الملابس التي تم تنظيفها حديثًا، كما يمكن أن تشق طريقها إلى مياه الشرب عند تلوّث التربة والمياه الجوفية نتيجة الانسكابات أو التخلّص غير السليم. تشير نتائج الدراسة إلى علاقة واضحة بين مستوى التعرّض واحتمال الضرر الكبدي، فكلما ارتفعت الجرعة زاد الخطر، في نمط معروف بعلاقة الجرعة والاستجابة. التليّف الكبدي يعني تراكم نسيج ندبي داخل الكبد يقلّل مرونته وقدرته على أداء وظائفه، ومع الوقت قد يتطور إلى سرطان الكبد أو فشل كبدي أو حتى الوفاة.
منهجية البحث وما الذي وُجد تحديدًا؟
حلّل فريق البحث بيانات المسح الوطني للصحة والتغذية في الولايات المتحدة (National Health and Nutrition Examination Survey "NHANES") لعيّنة وطنية ممثّلة من البالغين بعمر 20 عامًا فأكثر، مع فحوصات دم جُمعت بين عامي 2017 و2020. تبيّن أن نحو 7% من المشاركين لديهم مستويات قابلة للقياس من رباعي كلورو الإيثيلين. الأشخاص الذين ظهرت لديهم هذه المستويات كانوا أكثر عرضة بثلاثة أضعاف للإصابة بتليّف كبدي ملحوظ مقارنة بمن لم يُرصد لديهم تعرّض، وذلك بغض النظر عن العمر أو الجنس أو العِرق أو المستوى التعليمي. والأبرز أن الفريق رصد علاقة جرعة واضحة: لكل زيادة قدرها نانوغرام واحد لكل مليلتر في تركيز المادة بالدم، يرتفع احتمال التليّف الملحوظ خمس مرات. للتوضيح، النانوغرام يساوي واحدًا من مليار من الغرام.

من الأكثر عرضة للتعرّض وكيف يحدث ذلك؟
تظهر البيانات أن ذوي الدخل المرتفع أكثر احتمالًا لأن تكون لديهم مستويات قابلة للقياس من رباعي كلورو الإيثيلين، ويرجّح الباحثون أن السبب يعود إلى الاعتماد الأكبر على خدمات التنظيف الجاف. في المقابل، قد يواجه العاملون في مرافق التنظيف الجاف أعلى درجات الخطر بسبب التعرض المباشر والمتكرر للمادة في بيئة العمل. هذه النتائج لا تعني أن التعرض محصور بهذه الفئات، لكنها تذكير بأن المذيب قد يتواجد أيضًا في بعض المنتجات المنزلية مثل مواد إزالة البقع وتلميع الفولاذ اللاصدأ ولواصق معيّنة.
لماذا لا تفسّر عوامل الخطر التقليدية كل الحالات؟
تُظهر التحليلات أن العوامل المعروفة مثل استهلاك الكحول أو تراكم الدهون في الكبد لم تبدُ مؤثرة في مسار التليّف عندما يكون رباعي كلورو الإيثيلين حاضرًا. يوضح كبير مؤلفي الدراسة برايان بي. لي (Brian P. Lee)، وهو اختصاصي أمراض كبد وزراعة كبد في كيك ميديسن، قائلًا إن هذه هي الدراسة الأولى التي تفحص مستويات المادة في البشر وعلاقتها بتليّف كبدي ملحوظ. ويضيف: يسأل بعض المرضى كيف يصابون بمرض كبدي وهم لا يشربون الكحول ولا يعانون الحالات الصحية المعروفة برفع الخطر، وقد يكون الجواب هو التعرّض لـPCE.
ما بين التصنيف الصحي والتنظيم
تصنّف الوكالة الدولية لبحوث السرطان رباعي كلورو الإيثيلين مادة يُحتمل أن تكون مُسرطنة، وقد ربطت دراسات سابقة بينها وبين سرطان المثانة والورم النقوي المتعدد واللمفومة اللاهودجكينية، كما أُشير إلى صلات محتملة بسرطان الكبد. وبسبب هذه المخاوف، بدأت وكالة حماية البيئة الأميركية في تنفيذ خطة تمتد لعشر سنوات للتخلص التدريجي من استخدام المادة في التنظيف الجاف، مع فرض قيود على استخدامها في صناعات أخرى. ومع ذلك، لا يزال وجودها قائمًا في بعض المنتجات، وتظل غير منظَّمة في بعض البلدان.
ماذا تعني النتائج للأطباء والناس؟
تشير النتائج إلى أن رباعي كلورو الإيثيلين قد يكون أحد العوامل التي تفسّر لماذا يطوّر شخصان بملفين صحيين وديموغرافيين متشابهين مسارات مرضية مختلفة. يأمل الباحثون أن يدفع هذا الاكتشاف نحو إدراج تاريخ التعرّض البيئي ضمن تقييمات الخطر الروتينية، وأن يُشجّع على فحص تليّف الكبد لدى من يُرجَّح تعرضهم للمادة، سواء بسبب العمل أو الاعتماد المكثف على التنظيف الجاف أو السكن في مناطق قد تتأثر بتلوّث المياه الجوفية. الكشف المبكر قد يمنح المرضى فرصة أفضل لاستعادة قدر من وظائف الكبد وتحسين المآل.




