رئيس مجلس الإدارة
نيفين منصور
رئيس التحرير
إبراهيم مصطفى
09:21 م calendar السبت 18 يوليو 2026

الدور الخفي لميكروبات الأمعاء في زيادة خطر مرض الشريان التاجي

مع تزايد الأدلة العلمية، تكشف الأبحاث الحديثة أن ميكروبات الأمعاء قد تسهم في تغيرات التهابية وأيضية تمهّد لظهور مرض الشريان التاجي.

ميكروبات الأمعاء
ميكروبات الأمعاء بين الحماية والخطر في مرض الشريان التاجي - illustration

    ملخص

    كشفت دراسة علمية حديثة نُشرت في مجلة mSystems عن الدور المحوري لميكروبات الأمعاء في تطور مرض الشريان التاجي، حيث أظهرت أن اختلال توازن الميكروبيوم المعوي قد يساهم في زيادة الالتهاب والتأثير على مسارات الأيض المرتبطة بصحة القلب. وأوضحت النتائج انخفاض مستويات البكتيريا المنتِجة للأحماض الدهنية قصيرة السلسلة المفيدة، مقابل ارتفاع أنواع بكتيرية ترتبط باضطرابات التمثيل الغذائي وأمراض القلب. كما بيّنت الدراسة أن بعض السلالات البكتيرية المصنّفة على أنها “نافعة” قد تتحول إلى عامل خطر بحسب بيئة الأمعاء. وتؤكد هذه النتائج أهمية الطب الدقيق المعتمد على تحليل الميكروبيوم في تطوير تدخلات غذائية وعلاجات وقائية مخصّصة للحد من مخاطر أمراض القلب والشرايين.

    هل تغيّر ميكروبات الأمعاء فهمنا لمرض الشريان التاجي؟ - 
    هل تغيّر ميكروبات الأمعاء فهمنا لمرض الشريان التاجي؟ - illustration

    ميكروبات الأمعاء ودورها الخفي في مرض الشريان التاجي

     

    تتسبب أمراض القلب والأوعية الدموية في وفاة نحو 20 مليون شخص سنويا حول العالم، ما يجعلها السبب الأول للوفاة على مستوى العالم. وعادة ما تُوجَّه الأنظار إلى العوامل الوراثية ونمط الحياة، مثل التدخين وقلة الحركة والنظام الغذائي غير الصحي، عند الحديث عن مخاطر القلب. لكن أبحاثا حديثة بدأت تكشف عن لاعب خفي يعيش في الأمعاء قد يؤثر بقوة في الشرايين، هو الميكروبات التي تسكن الجهاز الهضمي، أو ما يعرف بالميكروبيوم المعوي، ودوره المحتمل في تطور مرض الشريان التاجي.

    في هذا السياق، نشر فريق بحثي في سيول دراسة في مجلة mSystems، قادتها الباحثة هان نا كيم (Han-Na Kim) من معهد سامسونج المتقدم لعلوم وتكنولوجيا الصحة (Samsung Advanced Institute for Health Sciences and Technology) بجامعة سونغ كيون كوان (Sungkyunkwan University). ويؤكد الفريق أنه انتقل من مرحلة السؤال عن أي بكتيريا تعيش في الأمعاء إلى محاولة فهم ما تفعله هذه الميكروبات فعليا في ما يعرف بمحور الأمعاء والقلب، وكيف يمكن أن تسهم في إصابة الشرايين التاجية بالمرض أو حمايتها منه.

    عبء أمراض القلب ومحور الأمعاء والقلب

     

    يركز الباحثون في هذه الدراسة على مرض الشريان التاجي، وهو شكل رئيسي من أمراض القلب يحدث فيه تضيق أو انسداد في الشرايين التي تغذي القلب. يُعرف هذا المرض طبيا باسم مرض الشريان التاجي (coronary artery disease, CAD)، ويعد أحد أهم أسباب النوبات القلبية والوفيات المرتبطة بالقلب.

    خلال السنوات الأخيرة، تراكمت مؤشرات على أن الميكروبيوم المعوي، أي مجتمع الميكروبات الذي يعيش في الأمعاء، لا يقتصر أثره على الهضم فقط، بل يتداخل مع عمليات الالتهاب والتمثيل الغذائي في الجسم كله. الدراسة الجديدة تحاول رسم صورة أوضح لهذه العلاقة عبر مقارنة تركيب ووظائف الميكروبات بين أشخاص مصابين بمرض الشريان التاجي وآخرين أصحاء.

    هل يمكن للميكروبيوم المعوي أن يصبح مؤشرًا مبكرًا لأمراض القلب؟
    كيف تسهم ميكروبات الأمعاء في تطور مرض القلب؟ - illustration

    خريطة ميكروبية جديدة لمرضى الشريان التاجي

     

    جمع فريق هان نا كيم عينات براز من 14 مريضا بمرض الشريان التاجي، وقارنها بعينات من 28 مشاركا يتمتعون بصحة قلبية جيدة. ثم استخدم الباحثون تقنية "metagenomic sequencing" (تسلسل الميتاجينوم)، وهي طريقة تتيح قراءة كل الحمض النووي الموجود في العينة، بما يسمح بإعادة بناء الخريطة الجينية الدقيقة للميكروبات المختلفة التي تعيش في الأمعاء.

    هذا النهج سمح للفريق بعدم الاكتفاء بإحصاء أنواع البكتيريا، بل بفهم قدراتها الوظيفية أيضا. ومن خلال تحليل البيانات، تمكن الباحثون من تحديد 15 نوعا من البكتيريا المرتبطة بمرض الشريان التاجي، ثم تتبعوا المسارات البيولوجية التي تربط هذه الأنواع بشدة الإصابة في الشرايين. وبهذا، لم تعد الصورة مجرد قائمة أسماء ميكروبات، بل شبكة من العلاقات بين البكتيريا والالتهاب والأيض ودرجة انسداد الشرايين.

    التهاب واضطراب تمثيل غذائي داخل بيئة الأمعاء

     

    توضح هان نا كيم أن الخريطة الميكروبية التي رسمها الفريق تكشف عن تحول وظيفي واضح في أمعاء المصابين بمرض الشريان التاجي باتجاه حالة أكثر التهابا واختلالا في التمثيل الغذائي. أحد الملامح البارزة لهذا التحول هو فقدان أنواع بكتيرية تعد منتجة للأحماض الدهنية قصيرة السلسلة (short-chain fatty acids)، مثل البكتيريا "Faecalibacterium prausnitzii"، والتي يُنظر إليها غالبا على أنها عنصر وقائي داخل الميكروبيوم المعوي.

    الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة تُنتج عندما تهضم بعض بكتيريا الأمعاء الألياف الغذائية، وتساعد في دعم صحة بطانة الأمعاء والمساهمة في توازن الاستجابة الالتهابية في الجسم. عندما يقل حضور البكتيريا المنتجة لهذه الأحماض، تميل بيئة الأمعاء إلى فقدان جزء من هذا التوازن، ما قد يفتح الباب أمام مسارات التهابية وأيضية غير صحية لها انعكاس على الشرايين.

    في الوقت نفسه، رصد الباحثون تنشيطا متزايدا لمسارات أيضية أخرى، من بينها مسارات مرتبطة بدورة اليوريا، وهي سلسلة من التفاعلات الكيميائية التي يتعامل عبرها الجسم مع الفضلات الغنية بالنيتروجين. ربطت الدراسة بين هذا التنشيط وبين شدة مرض الشريان التاجي، ما يشير إلى أن التغيرات الميكروبية في الأمعاء تترافق مع تبدلات أوسع في طريقة إدارة الجسم لمركباته الأيضية.

    بكتيريا نافعة قد تتحول إلى عامل خطر

     

    من النتائج اللافتة التي توصلت إليها الدراسة أن بعض الأنواع البكتيرية التي يصنفها الباحثون عادة ضمن "البكتيريا النافعة" لا تؤدي دائما الدور نفسه. فالميكروبات "Akkermansia muciniphila" و"F. prausnitzii" مثلا تُعد في كثير من الأبحاث السابقة من الأنواع الصديقة للأمعاء، لكن بيانات الفريق الكوري تشير إلى أن سلوكها يمكن أن يتغير وفقا للبيئة التي تعيش فيها.

    فالبكتيريا التي تأتي من أمعاء شخص سليم قد تسهم في مسارات وقائية، بينما قد تنخرط الأنواع نفسها، عندما تأتي من أمعاء مريض بمرض الشريان التاجي، في مسارات مرتبطة بالالتهاب أو اختلال التمثيل الغذائي. هذا "الوجه المزدوج" يسلط الضوء على أهمية السياق الميكروبي الكامل، إذ لا يمكن الحكم على ميكروب بمعزل عن بقية المجتمع الذي يعيش فيه أو عن حالة الجسم العامة.

    هذا التعقيد يجعل ربط نوع واحد من البكتيريا بنتيجة مرضية محددة أمرا صعبا، لكنه يفتح المجال في الوقت نفسه لفهم أكثر دقة لكيفية اختلاف تأثير الميكروبات من شخص لآخر، وهو ما قد يفسر سبب استجابة بعض المرضى للعلاجات أو النظم الغذائية بشكل مختلف عن غيرهم.

    عائلة بكتيرية بوجهين وتأثيرها في القلب

     

    تتجلى هذه الازدواجية أيضا في عائلة بكتيرية تسمى Lachnospiraceae. فقد أشارت أبحاث سابقة إلى أن بعض أنواع هذه العائلة تنخفض لدى المصابين بمرض الشريان التاجي، واعتُبر ذلك علامة على فقدان بكتيريا مفيدة. لكن فريق هان نا كيم اكتشف أن الصورة ليست بهذه البساطة، إذ وجد أن أنواعا أخرى من العائلة نفسها تزداد لدى المرضى.

    لذلك شبهت كيم عائلة Lachnospiraceae بشخصية دكتور جيكل ومستر هايد داخل الأمعاء، حيث يبدو أن بعض سلالاتها تلعب دور "الطبيب" الذي يساعد في الحفاظ على التوازن، بينما قد يعمل بعضها الآخر كـ"الجانب المظلم" الذي يفاقم المرض. السؤال المفتوح الآن أمام الباحثين هو: أي السلالات يمكن أن نعتبرها معالِجة، وأيها ينبغي التعامل معها بوصفها مثيرة للمشكلات داخل هذه العائلة واسعة التنوع.

    هذه النتائج تشير بوضوح إلى أن تصنيف الميكروبات إلى فئتين فقط، نافعة وضارة، لم يعد كافيا لوصف ما يجري داخل الأمعاء. فالعلاقات المعقدة بين السلالات المختلفة، ومساراتها الوظيفية، وحالة الشخص الصحية، كلها عوامل تشكل الصورة النهائية لتأثير الميكروبيوم في القلب والأوعية الدموية.

    آفاق علاجات وقائية دقيقة تعتمد على الميكروبيوم

     

    لا يتوقف عمل الباحثين عند وصف هذه الخريطة المعقدة، بل يخططون للانتقال إلى مرحلة أكثر تفصيلا عبر دمج بيانات الميكروبيوم المعوي مع المعلومات الجينية والتمثيل الغذائي لدى المرضى. الهدف هو الوصول إلى فهم آلي لكيفية تأثير الميكروبات في مرض القلب، كخطوة أساسية نحو تطوير علاجات وتدخلات وقائية تعتمد على ما يعرف بالطب الدقيق، حيث تُصمم الاستراتيجيات الطبية بناء على خصائص كل فرد.

    تشدد هان نا كيم على أن الوقاية تظل الطريق الأنجع لتقليل العبء العالمي لمرض الشريان التاجي وأمراض القلب عموما. وتشير إلى أن النتائج التي توصلوا إليها قد تمهد لاستراتيجيات مستقبلية تشمل علاجات ميكروبية تستند إلى تعديل تركيب الميكروبيوم، مثل استخدام فحوص برازية بوصفها أداة تشخيصية لرصد التغيرات في الميكروبات المعوية، إضافة إلى تدخلات غذائية موجهة تستهدف استعادة الأنواع المفيدة أو كبح المسارات التي ترتبط بتفاقم المرض.

    ومع تقدم هذا النوع من الأبحاث، يقترب العلماء من استخدام الميكروبيوم المعوي نفسه كأداة فعالة للحفاظ على صحة القلب، ليس فقط عبر تفسير أسباب المرض، بل أيضا من خلال تطوير طرق جديدة للتدخل قبل حدوث التلف في الشرايين، وبناء صورة أكثر شمولية عن العلاقة بين الأمعاء والقلب.

    تم نسخ الرابط