البرق المحتمل على المريخ يفتح أسئلة جديدة عن الكوكب الأحمر
تفريغات كهربائية التقطتها مركبة بيرسيفيرانس في الغلاف الجوي للمريخ تثير نقاشًا علميًا حول العواصف الترابية، المناخ، وإمكانات الحياة على الكوكب.
ملخص
في دراسة جديدة اعتمدت على تسجيلات من مركبة بيرسيفيرانس التابعة لناسا، قال باحثون في فرنسا إنهم رصدوا لأول مرة تفريغات كهربائية في الغلاف الجوي للمريخ، تبدو مرتبطة بالعواصف الترابية وشياطين الغبار. الفريق حلل 28 ساعة من تسجيلات الميكروفون على مدى عامين مريخيين، ولاحظ إشارات توحي بوجود ظاهرة قريبة من البرق. بعض العلماء يرون أن هذه النتائج قد تؤثر في فهم مناخ المريخ واحتمالات الحياة على المدى البعيد، بينما يشير باحثون آخرون، بينهم عالم نشر في مجلة نيتشر، إلى أن غياب الدليل البصري يبقي الجدل مفتوحًا حول ما إذا كانت هذه التفريغات تمثل بالفعل برقًا مريخيًا.

اكتشاف تفريغات كهربائية في الغلاف الجوي للمريخ
يعمل العلماء منذ سنوات على فهم سلوك الغلاف الجوي لكوكب المريخ، الذي يبدو اليوم كصحراء باردة وجافة، رغم وجود أدلة على أنه كان مختلفًا تمامًا قبل مليارات السنين. في هذا الإطار، أعلن فريق من الباحثين في فرنسا أن لديهم دليلًا على وجود تفريغات كهربائية في الجو المريخي تشبه البرق.
هذه النتائج اعتمدت على بيانات من مركبة بيرسيفيرانس التي تديرها وكالة الفضاء الأمريكية ناسا. الباحثون يقولون إن المريخ قد ينضم الآن إلى قائمة الكواكب المعروفة بوجود نشاط كهربائي في غلافها الجوي، إلى جانب الأرض وزحل والمشتري، ما يجعل دراسة البرق على المريخ جزءًا من فهم أوسع لسلوك العواصف في المجموعة الشمسية.
مركبة بيرسيفيرانس وأداة سوبر كام في فوهة جيزيرو
مركبة بيرسيفيرانس هبطت على المريخ عام 2021 في فوهة جيزيرو، ضمن مهمة تركّز على البحث عن مؤشرات للحياة القديمة على المريخ. منذ ذلك الوقت، تمضي المركبة أعوامها في استكشاف المنطقة التي تشير الأدلة إلى أنها كانت دلتا نهرية عندما احتفظ الكوكب بالمياه السائلة على سطحه وغلاف جوي أكثر سمكًا.
الفريق الفرنسي اعتمد على أداة سوبر كام المزودة بميكروفون وحساسات كهرومغناطيسية، وجمع 28 ساعة من التسجيلات الصوتية على مدى عامين مريخيين، أي ما يعادل 1374 يومًا أرضيًا تقريبًا. خلال هذه الفترة، ظهرت في البيانات إشارات يفسرها العلماء على أنها تفريغات كهربائية صغيرة، وصفوها بأنها نوع من "البرق المصغّر" في الغلاف الجوي للمريخ.
العواصف الترابية وشياطين الغبار في المريخ
التحليل الذي أجراه الباحثون بيّن أن التفريغات الكهربائية لا تظهر عشوائيًا في الغلاف الجوي للمريخ، بل ترتبط غالبًا بالعواصف الترابية وشياطين الغبار. شياطين الغبار هي دوامات صغيرة تتشكل عندما ترتفع كتل الهواء الساخن من سطح المريخ، فتسحب معها الغبار وتشكل دوامة متحركة على الأرض.
الحركة الداخلية في هذه الدوامات والعواصف الترابية تخلق احتكاكًا بين حبيبات الغبار، ويمكن أن تؤدي إلى شحنات كهربائية وتفريغات في الغلاف الجوي الرقيق للكوكب. هذا يفتح بابًا واسعًا لفهم العلاقة بين العواصف الترابية والبرق في بيئة مختلفة تمامًا عن بيئة الأرض، مع أن المبدأ الفيزيائي للشحنات في الغلاف الجوي يبدو متقاربًا.
تصريحات الباحثين حول البرق وتأثيره على الحياة على المريخ
الباحث الرئيسي في الدراسة، الدكتور بابتيست شيد من معهد البحوث في علم الفلك والكواكب في فرنسا، اعتبر أن هذه التفريغات الكهربائية تمثل اكتشافًا مهمًا. وأشار إلى أن لها آثارًا مباشرة على فهم كيمياء الغلاف الجوي للمريخ، ومناخه، وقابليته للسكن، إضافة إلى التخطيط لمهمات روبوتية وبشرية مستقبلية.
هذا الربط بين البرق والحياة على المريخ يأتي من فكرة أن التفريغات الكهربائية يمكن أن تؤثر في التفاعلات الكيميائية في الغلاف الجوي وعلى السطح، خاصة عندما تتفاعل مع الغبار والغازات. بالنسبة للعلماء الذين يدرسون الحياة على المريخ، يعتبر وجود البرق المحتمل عاملًا إضافيًا ضمن مجموعة عناصر تشمل المياه القديمة والغلاف الجوي السابق، ما يعزز أسئلة حول ظروف الحياة في الماضي.

النتائج بين الحماس العلمي والتحفظ في مجلة نيتشر
في مقابل هذا الحماس، دعا علماء آخرون إلى الحذر في تفسير هذه الإشارات. عالم الفيزياء الجزيئية الدكتور دانيال بريتشارد كتب في مجلة نيتشر أن التسجيلات توفر دليلًا مقنعًا على وجود تفريغات مرتبطة بالغبار، لكنه أشار إلى أن عدم وجود رصد بصري مباشر للتفريغات يجعل درجة من الشك قائمة حول ما إذا كان ما تم رصده يمثل برقًا مريخيًا مكتملًا.
بريتشارد أضاف أن تاريخ هذا المجال شهد نقاشات طويلة حول تفسير مشاهدات محتملة للبرق في كواكب أخرى، وأن الجدل غالبًا ما يستمر لسنوات قبل الوصول إلى إجماع علمي. لهذا يرى بعض الباحثين أن البرق على المريخ سيظل موضوع نقاش، إلى أن تحمل مهمات لاحقة أدوات أكثر حساسية وكاميرات مخصصة لرصد الومضات في الغلاف الجوي.
صخور بعلامات غريبة والحياة على المريخ
قبل هذا الإعلان عن التفريغات الكهربائية، أشار باحثون في سبتمبر إلى اكتشاف صخور على المريخ تحمل علامات غير مألوفة، أطلقوا عليها أسماء مثل "النقاط الفهدية" و"بذور الخشخاش". هذه الصخور تحتوي معادن ناتجة عن تفاعلات كيميائية قد ترتبط بنشاط ميكروبي قديم، بحسب تفسير أحد الاحتمالات العلمية المطروحة.
مع ذلك، أوضحت ناسا أن هذه المعادن قد تكون أيضًا نتيجة عمليات جيولوجية طبيعية لا علاقة لها بالحياة على المريخ. رغم هذا الاحتمال، اعتبرت الوكالة أن هذه العلامات قد تمثل حتى الآن أوضح إشارات محتملة على وجود حياة سابقة، ضمن سياق لا يزال يعتمد على تفسير بيانات محدودة من مركبات مثل بيرسيفيرانس.
المريخ بين ماضيه الرطب وحاضره الجاف
اليوم يبدو المريخ ككوكب بارد وجاف، بغلاف جوي رقيق لا يشبه الظروف التي نعرفها على الأرض. لكن دراسات عديدة تشير إلى أن الكوكب كان يمتلك في الماضي غلافًا جويًا أكثر كثافة ومياهًا جارية على سطحه، ما يجعل فكرة الحياة على المريخ في عهوده القديمة ممكنة من الناحية النظرية.
اختيار فوهة جيزيرو موقعًا لهبوط مركبة بيرسيفيرانس جاء لأن صور السطح وبيانات سابقة أظهرت أنها كانت دلتا نهرية قديمة عندما كان المريخ يحتفظ بمياه سائلة. الجمع بين دلائل الصخور ذات العلامات الغريبة ووجود تفريغات كهربائية محتملة في الغلاف الجوي يجعل قصة الحياة على المريخ أكثر تعقيدًا، ويضيف طبقة جديدة من الأسئلة حول المناخ القديم والحديث للكوكب الأحمر.




