كائنات غير متوقعة تعيد تعريف تخزين الكربون في المحيط العميق
في أعماق لا تصلها أشعة الشمس، تكشف دراسة رائدة عن دور جديد ومفاجئ لكائنات غير متوقعة في تثبيت الكربون وتخزينه بعيدًا عن الغلاف الجوي.
ملخص
في أعماق لا يصلها الضوء، يجري حدث غير متوقع يعيد رسم فهمنا لـ تخزين الكربون في المحيط؛ كائنات دقيقة ظنّ العلماء أنها مجرد "مستهلكة" تتبيّن فجأة كمثبتات خفية للكربون.
في دراسة حديثة نُشرت في Nature Geoscience، كشف فريق من جامعة كاليفورنيا لغزًا طالما حيّر العلماء حول معدلات تثبيت الكربون في أعماق البحر المظلمة. وبعد استخدام مثبطات تستهدف العتائق المؤكسِدة للأمونيا، تبيّن أن هذه الكائنات ليست المسؤول الوحيد عن تثبيت الكربون غير العضوي، بل ظهرت كائنات غيرية التغذية كمساهم رئيسي في هذه العملية. هذا الاكتشاف يعيد رسم فهم دورة الكربون في المحيط، ويكشف طبقة جديدة من التعقيد في كيفية تخزينه للكربون بعيدًا عن الغلاف الجوي لعقود طويلة.

المحيط… مخزن كربون ضخم لا نعرفه جيدًا بعد
حين نفكر في تغيّر المناخ، نلتفت عادةً إلى الغلاف الجوي أو الغابات، لكن جزءًا كبيرًا من القصة يحدث بصمت في مكان آخر تمامًا: أعماق المحيط. فالبحار تمتص نحو ثلث انبعاثات البشر من ثاني أكسيد الكربون، وتعمل كمكبح طبيعي لارتفاع حرارة الكوكب. ومع ذلك، ما زال العلماء يحاولون معرفة من بالضبط يلتقط هذا الكربون وكيف يُخزَّن في الأعماق المظلمة البعيدة عن ضوء الشمس.
في محاولة لتقريب الصورة، قادت عالمة أحياء المحيطات الميكروبية إليسون سانتورو (Alyson Santoro) من جامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا (University of California, Santa Barbara) فريقًا بحثيًا قدّم دراسة جديدة نُشرت في Nature Geoscience. تساعد نتائجهم على سد فجوة قديمة بين تقديرات توفر النيتروجين وقياسات تثبيت الكربون غير العضوي المذاب في أعماق المياه، وهو ما جعل الأرقام أخيرًا تبدو منطقية، على حد تعبير سانتورو. وقد حظي هذا العمل بدعم جزئي من المؤسسة الوطنية للعلوم (National Science Foundation).
من يثبت الكربون في البحر؟
في الطبقات السطحية المضاءة من المحيط، تكون الصورة أوضح بكثير. هناك تقوم العوالق النباتية، وهي كائنات مجهرية وحيدة الخلية تقوم بعملية التمثيل الضوئي، بالتقاط ثاني أكسيد الكربون غير العضوي (بما في ذلك الغاز المذاب) وبناء مادة عضوية تطلق في طريقها الأكسجين. هذه الكائنات تُعد ذاتية التغذية، أي إنها تصنع غذاءها من الكربون غير العضوي والماء، كما تفعل النباتات على اليابسة.
لفترة طويلة، كان الاعتقاد السائد أن الجزء الأكبر من تثبيت الكربون غير العضوي المذاب (dissolved inorganic carbon, DIC) يحدث في هذه الطبقة المضاءة بفضل العوالق النباتية، مع مساهمة إضافية أصغر لكنها ذات شأن من تثبيت غير ضوئي في أعماق المحيط المظلمة. في هذه الأعماق، ظن العلماء أن الدور الرئيسي يعود للعتائق المؤكسِدة للأمونيا، وهي كائنات تستخدم مركبات النيتروجين مثل الأمونيا كمصدر للطاقة بدل الاعتماد على ضوء الشمس، وتُصنف أيضًا ضمن الكائنات ذاتية التغذية.
لغز طاقة النيتروجين في أعماق المحيط
لكن عندما بدأ الباحثون، ومنهم فريق سانتورو، في فحص الميزانية الطاقية المعتمدة على النيتروجين لهذه الكائنات التي تثبت الكربون في العمق، ظهرت مشكلة مزعجة في الحسابات. القياسات الميدانية من السفن البحثية أظهرت معدلات تثبيت كربون غير عضوي أعلى بكثير مما يمكن تفسيره بمصادر الطاقة المعروفة لتلك الكائنات.
تقول سانتورو إن هناك ببساطة فجوة بين ما يُقاس من تثبيت للكربون في عمود الماء وبين ما كان يُعتقد أنه متاح من طاقة مشتقة من مركبات النيتروجين. الكائنات التي تثبت الكربون تحتاج إلى طاقة لتقوم بذلك، لكن لم يكن هناك ما يكفي من "وقود النيتروجين" في أعماق المحيط لدعم المعدلات العالية التي كانت تُبلَّغ.
هذا اللغز شغل سانتورو والمؤلفة الأولى للدراسة باربارا باير (Barbara Bayer) قرابة عشر سنوات، بينما حاولتا إغلاق هذه الفجوة في فهم دورة الكربون في المحيط. إحدى الفرضيات التي اختبرتها دراسات سابقة هي أن العتائق المؤكسِدة للأمونيا ربما تكون أكثر كفاءة بكثير مما افترض العلماء، فتحتاج كمية أقل من النيتروجين لتثبيت المقدار نفسه من الكربون. إلا أن العمل التجريبي أظهر أن هذه الفكرة لا تصمد أمام البيانات.

تجربة تستبعد المتهم الرئيسي
في الدراسة الجديدة، غيّر الفريق زاوية النظر وطرح سؤالًا مختلفًا: إلى أي مدى تسهم هذه العتائق المؤكسِدة للأمونيا فعليًا في مجموع تثبيت الكربون غير العضوي المذاب في المحيط العميق؟ للإجابة عن هذا السؤال، صممت باير تجربة دقيقة تستهدف هذه المجموعة بالتحديد.
تشرح سانتورو أن باير طوّرت طريقة لتعطيل نشاط هذه الكائنات بشكل انتقائي في أعماق المحيط باستخدام مركب كيميائي خاص هو الفينيل أسيتيلاين (phenylacetylene). الفكرة كانت بسيطة في ظاهرها: إذا كانت هذه العتائق هي المسؤولة عن جزء كبير من تثبيت الكربون في الظلام، فإن كبح نشاطها يجب أن يؤدي إلى انخفاض حاد في معدلات تثبيت الكربون المقاسة.
جرى التحقق بعناية من أن هذا المثبط لا يؤثر في العمليات الأخرى لمجتمع الكائنات المجهرية، بحيث يقتصر تأثيره على العتائق المؤكسِدة للأمونيا. ولكن المفاجأة جاءت عندما قارن الباحثون النتائج: رغم تعطيل نشاط هذه المجموعة، لم تنخفض معدلات تثبيت الكربون في مناطق الدراسة بالقدر الذي كان متوقعًا.
كائنات غيرية التغذية تدخل على الخط
إذا كانت العتائق المؤكسِدة للأمونيا لا تلعب الدور الضخم الذي نُسب إليها سابقًا في تثبيت الكربون في الأعماق، فهذا يعني أن لاعبين آخرين يشاركون بقوة في هذه العملية. وبالفعل، تشير النتائج إلى أن أنواعًا أخرى من الكائنات في المجتمع الميكروبي المحيط، خصوصًا بعض أنواع البكتيريا وبعض العتائق الأخرى، قد تكون جزءًا أساسيًا من القصة.
تقول سانتورو إن الفريق يعتقد أن الكائنات غيرية التغذية، وهي كائنات دقيقة تعيش عادة على الكربون العضوي الناتج عن تحلل الكائنات الأخرى وبقايا الحياة البحرية، تمتص أيضًا كميات لا بأس بها من الكربون غير العضوي، إلى جانب ما تستهلكه من كربون عضوي. بمعنى آخر، هذه الكائنات التي كنا نفكر فيها على أنها "مستهلكة" فقط تبدو مسؤولة أيضًا عن تثبيت جزء من ثاني أكسيد الكربون في أعماق المحيط.
وتضيف أن ما يجعل الأمر مثيرًا هو أن احتمال قيام الكائنات غيرية التغذية بتثبيت بعض الكربون كان واردًا نظريًا منذ زمن، لكن لم يكن لدى العلماء رقم واضح يحدد أي جزء من الكربون في المحيط العميق يُثبَّت بواسطة هذه الكائنات مقارنة بالكائنات ذاتية التغذية. الآن بات لدى الفريق تقدير كمي لهذه القسمة.
إعادة رسم قاعدة الشبكة الغذائية في الأعماق
لا تقف أهمية النتائج عند حد الإجابة عن سؤال "من يثبت الكربون؟"، بل تمتد إلى فهم أعمق لكيفية عمل الشبكة الغذائية في أعماق المحيط. تشير سانتورو إلى أن هناك جوانب أساسية في طريقة عمل هذه الشبكة ما زلنا لا نفهمها جيدًا، وأن هذا العمل يساعد في فك شفرة كيف يعمل "الطابق الأرضي" من السلسلة الغذائية في المياه العميقة.
المزيد من الألغاز ما زال بانتظار الفريق. فالخطوات القادمة ستتعمق في تفاصيل أدق من تثبيت الكربون، مثل كيفية تداخل دورة النيتروجين ودورة الكربون مع دورات عناصر أخرى في المحيط، بما في ذلك الحديد والنحاس.
سؤال آخر يشغل سانتورو وزملاءها هو ما الذي يحدث بعد أن تثبّت هذه الكائنات الكربون داخل خلاياها: كيف يصبح هذا الكربون متاحًا لبقية الشبكة الغذائية؟ وما نوع المركبات العضوية التي قد تسرّبها هذه الكائنات إلى المياه من حولها لتغذية كائنات أخرى في الظلام الدامس لأعماق المحيط؟
كل إجابة على واحد من هذه الأسئلة تقرّب العلماء خطوة من فهم الطريقة التي يخزّن بها المحيط الكربون على المدى الطويل، وبالتالي من القدرة على توقع كيف سيتفاعل هذا "الرئة الزرقاء" مع تغيّر مناخ الكوكب في العقود المقبلة.




