رئيس مجلس الإدارة
نيفين منصور
رئيس التحرير
إبراهيم مصطفى
11:19 ص calendar السبت 18 يوليو 2026

كيف يحدد مصدر الهطول المطري استقرار المحاصيل ومخاطر الجفاف؟

لا يتعلق نجاح المحاصيل بكمية المطر فقط، بل بـ مصدر الهطول المطري الذي يحدد استقرار الإنتاج الزراعي ومخاطر الجفاف.

هل يؤثر مصدر الهطول
هل يؤثر مصدر الهطول المطري على إنتاج المحاصيل؟

    ملخص

    أظهرت دراسة حديثة نُشرت في Nature Sustainability أن مصدر الهطول المطري يؤثر مباشرة على إنتاجية الأراضي الزراعية واستقرار المحاصيل. باستخدام بيانات الأقمار الصناعية لعقدين، وجدت الباحثة يان جيانغ أن المناطق المعتمدة على رطوبة أرضية محلية أكثر عرضة للجفاف وانخفاض الغلال، بينما المطر القادم من المحيطات يوفر هطولًا أكثر انتظامًا. الدراسة تسلط الضوء على أهمية حماية الغابات وإدارة المياه بذكاء لضمان الأمن الغذائي العالمي، خصوصًا في مواجهة تغيّر المناخ وزيادة تواتر موجات الجفاف.

    كيف يحدد مصدر الهطول المطري استقرار المحاصيل ومخاطر الجفاف؟
    دور مصدر الهطول المطري في الأمن الغذائي العالمي

    ليس المهم كم يهطل المطر فقط… بل من أين يأتي

     

    حين ينظر المزارع إلى السماء القاتمة، يكون سؤاله الأول عادة: هل ستمطر بما يكفي لإنقاذ الموسم؟ لكن دراسة علمية جديدة تشير إلى أن السؤال الأهم قد يكون شيئًا آخر تمامًا: من أين جاء هذا المطر أصلًا؟ من المحيطات البعيدة أم من التربة والغابات القريبة؟

    لتفسير هذه الفكرة وتسليط الضوء على عامل خفي في استقرار المحاصيل العالمية، قادت يان جيانغ (Yan Jiang) من جامعة كاليفورنيا في سان دييغو (University of California San Diego) فريقًا بحثيًا قدّم دراسة نُشرت في مجلة Nature Sustainability. تتبّعت الدراسة مسار رطوبة الغلاف الجوي إلى المكان الذي تبخرت منه أولًا، سواء من سطح المحيطات أو من اليابسة مثل التربة والبحيرات والغابات، وربطت بين "مصدر الهطول المطري" وبين مخاطر الجفاف والإنتاجية الزراعية في مناطق مختلفة من العالم.

    مصدر الأمطار… من المحيطات أم من اليابسة؟

     

    توضح الدراسة أن ضوء الشمس يسخّن سطح الأرض والمحيطات، فيتحول الماء إلى بخار يرتفع في الجو ثم يعود في النهاية على شكل مطر. لكن ليس كل بخار الماء متساويًا في أثره على الزراعة.

    فالرطوبة القادمة من المحيطات تستطيع أن تقطع قارات كاملة داخل أنظمة جوية واسعة مثل الأنهار الجوية، والرياح الموسمية، والعواصف المدارية، فتجلب أمطارًا غالبًا ما تكون أغزر وأكثر انتظامًا إلى مناطق داخلية. في المقابل، ما يُعرف أحيانًا بـ "الهطول المعاد تدويره" يعتمد على تبخر الماء من التربة والنباتات القريبة، فيغذي عواصف محلية أكثر تقطعًا وأقل قابلية للتنبؤ.

    تشير نتائج جيانغ إلى أن النسبة بين الرطوبة القادمة من المحيط والرطوبة القادمة من اليابسة عامل حاسم في رسم خريطة مخاطر الجفاف الزراعي. تقول: إن هذا العمل "يعيد صياغة مفهوم مخاطر الجفاف؛ فالأمر لا يتعلق فقط بكمية الأمطار، بل بالمصدر الذي جاءت منه هذه الأمطار". ومعرفة ما إذا كان المطر يعتمد على رطوبة محيطية بعيدة أو على رطوبة أرضية محلية يوفّر، برأيها، أداة إضافية لصناع السياسات والمزارعين للتنبؤ بالإجهاد المائي قبل أن يتحول إلى أزمة.

    تتبّع رطوبة الجو لرسم خريطة الجفاف الزراعي

     

    باستخدام ما يقرب من عشرين عامًا من قياسات الأقمار الصناعية، قامت جيانغ بالتعاون مع جينيفر بيرني (Jennifer Burney) من جامعة ستانفورد (Stanford University) بحساب نسبة الأمطار العالمية التي تبدأ كتبخر من سطح اليابسة. وخلصتا إلى أنه عندما يأتي أكثر من نحو ثلث الهطول المطري في منطقة ما من مصدر أرضي، تصبح الأراضي الزراعية هناك أكثر حساسية للجفاف، ويتراجع محتوى رطوبة التربة وتنخفض الغلال.

    تبيّن أن الأنظمة الجوية التي تعتمد أساسًا على رطوبة منشأها المحيط تميل إلى إنتاج أمطار أغزر وأكثر انتظامًا، بينما الأنظمة المعتمدة على الرطوبة الأرضية تنتج زخات أخف وأقل استقرارًا، ما يجعل المحاصيل أكثر عرضة للخطر في المراحل الحرجة من النمو حين تكون المياه ضرورية. هذا الفهم يفتح الباب أمام طريقة جديدة لتحديد "البؤر الساخنة" لمخاطر الجفاف على استقرار المحاصيل العالمية، والتخطيط بشكل أفضل لإدارة المياه والمحاصيل.

    تشرح جيانغ أن "المزارعين في المناطق التي تعتمد بشدة على رطوبة منشأها اليابسة، مثل أجزاء من الغرب الأوسط الأمريكي أو شرق أفريقيا، يصبح توفّر المياه المحلية هو العامل الحاسم في نجاح الموسم". أي تغيّرات في رطوبة التربة أو في الغطاء النباتي، بما في ذلك إزالة الغابات، يمكن أن تُحدث سلسلة متتالية من الانخفاض في الغلال.

    كيف يحدد مصدر الهطول المطري استقرار المحاصيل ومخاطر الجفاف؟
    حماية التربة والغابات لضمان استدامة مصدر الهطول المطري

    الغرب الأوسط الأمريكي… حلقة جفاف تغذّي نفسها

     

    تسلّط الدراسة الضوء على منطقتين كـ "نقاط ساخنة" عالميًا، أولاهما الغرب الأوسط في الولايات المتحدة، أحد أهم أحواض الحبوب في العالم. تشير جيانغ إلى أن موجات الجفاف هناك أصبحت أكثر تكرارًا وحدّة في السنوات الأخيرة، رغم سمعة المنطقة كمنطقة عالية الإنتاجية الزراعية.

    وتقترح النتائج أن اعتماد الغرب الأوسط بدرجة كبيرة على الرطوبة الآتية من التربة والغطاء النباتي المحيط به يجعل الجفاف عرضة للتفاقم عبر ما تسميه جيانغ "حلقات تغذية راجعة للهطول". فعندما تجف الأرض، يقل التبخر منها، ما يُضعف تكوّن السحب المحلية ويقلل من الأمطار المستقبلية، فيدفع الدورة إلى مزيد من الجفاف.

    ولأن هذه المنطقة لاعب أساسي في أسواق الحبوب العالمية، فإن أي اضطرابات في إنتاجها قد تمتد آثارها إلى الأمن الغذائي خارج حدود الولايات المتحدة. لذلك تشير الدراسة إلى أن المزارعين في الغرب الأوسط قد يحتاجون إلى التركيز بشكل أكبر على الحفاظ على رطوبة التربة، وتحسين كفاءة الري، واختيار توقيت الزراعة بشكل استراتيجي للحد من خطر تراكم آثار موجات الجفاف.

    شرق أفريقيا… بين التوسع الزراعي وفقدان الغابات

     

    المنطقة الثانية التي تلفت الدراسة الانتباه إليها هي شرق أفريقيا الاستوائية. هنا يواجه المزارعون نوعًا مختلفًا من الخطر، لكنه لا يقل خطورة. فالتوسع السريع في الأراضي الزراعية، بالتزامن مع استمرار فقدان الغابات المطيرة المجاورة، يهدد مصادر الرطوبة التي تغذي الهطول المطري في المنطقة.

    تصف جيانغ هذا الوضع بأنه "صراع خطير": المزارعون يزيلون الغابات من أجل توسيع المساحات المزروعة، لكن تلك الغابات نفسها تساهم في توليد الأمطار التي تعتمد عليها الزراعة المطرية. إذا اختفى هذا المصدر من الرطوبة بسبب إزالة الغابات، فإن الأمن الغذائي المحلي سيدخل دائرة الخطر.

    مع ذلك، تؤكد جيانغ أن شرق أفريقيا ما زال أمامه متسع من الوقت لتجنّب تدهور أكبر. فإدارة أراضٍ أكثر ذكاءً، تشمل الحفاظ على الغابات المتبقية واستعادة الغطاء النباتي المتدهور، يمكن أن تحمي الهطول المطري وتدعم استمرار نمو الإنتاج الزراعي، بدل أن يصبح التوسع الزراعي نفسه سببًا في انهياره.

    الغابات… مولّدات مطر طبيعية فوق الحقول

     

    تشدّد الدراسة على أن الغابات والأنظمة البيئية الطبيعية ليست مجرد مخزون للتنوع الحيوي، بل تلعب دورًا مباشرًا في "صناعة المطر". عبر عمليتي التبخر والنتح، تطلق الأشجار والنباتات كميات كبيرة من بخار الماء إلى الغلاف الجوي، ما يساعد على تكوين السحب التي تعود بالأمطار على الأراضي الزراعية المحيطة.

    تصف جيانغ الغابات الجبلية في المناطق المرتفعة بأنها "مولّدات مطر طبيعية"، وتضيف أن حماية هذه النظم البيئية لا تتعلق فقط بحماية الأنواع الحية، بل أيضًا بضمان استدامة الزراعة في الأجزاء السفلية من الأحواض المائية، حيث يعتمد المزارعون على أمطار تتغذّى جزئيًا على ما تطلقه تلك الغابات من رطوبة.

    نحو تخطيط مائي وزراعي أذكى في عالم أكثر جفافًا

     

    تقدّم هذه الدراسة إطارًا جديدًا يربط بين قرارات استخدام الأراضي وأنماط الهطول المطري والتخطيط الزراعي. في عالم يتزايد فيه تأثير تغيّر المناخ، يمكن أن يصبح هذا النهج جزءًا مهمًا من استراتيجيات الزراعة المتكيّفة مع المناخ، بهدف تعزيز القدرة على الصمود في وجه الجفاف وحماية استقرار المحاصيل العالمية.

    كما تعرض طريقة رسم خرائط معتمدة على الأقمار الصناعية لمصادر الرطوبة الجوية، يمكن أن تساعد في توجيه الاستثمارات نحو مشاريع الري، وتقنيات حفظ مياه التربة، وبرامج حماية الغابات. بهذه الأدوات، يصبح بوسع الحكومات والمزارعين معًا العمل بشكل استباقي للحفاظ على المطر الذي تعتمد عليه المحاصيل، سواء كان مصدره المحيطات البعيدة أو الغابات القريبة.

    الاكثر مشاهدة

    تم نسخ الرابط