من القاهرة إلى كاليفورنيا: خرائط الجفاف القاري تتسع بسرعة مقلقة
دراسة علمية كبرى تحذر من جفاف قاري متسارع يهدد بتفاقم أزمة المياه والغذاء عالميًا.
دراسة تحذر: الجفاف القاري يهدد الأمن المائي العالمي
في تحذير علمي غير مسبوق، كشفت دراسة حديثة أن العالم يشهد تحولًا خطيرًا في الدورة الهيدرولوجية، مع تسارع فقدان المياه العذبة في أربع مناطق رئيسية تمتد من أمريكا الشمالية إلى الشرق الأوسط. الباحثون يحذرون من "إفلاس مائي" عالمي يهدد الأمن الغذائي ويفوق تأثير ذوبان الجليد القطبي، داعين إلى سياسات إدارة مياه جوفية أكثر استدامة وتعاون دولي عاجل لاحتواء الكارثة القادمة.

جفاف قاري غير مسبوق يهدد الأمن المائي والغذائي العالمي: دراسة علمية تكشف تحوّلاً خطيرًا في الدورة الهيدرولوجية
في تحول مقلق وصفه الباحثون بالخطير وغير المسبوق، حذّرت دراسة حديثة من تسارع وتيرة فقدان المياه العذبة على مستوى القارات، خاصة في النصف الشمالي من الكرة الأرضية، مما يشكل تهديدًا مباشرًا للأمن المائي والغذائي العالمي. الدراسة، التي نشرتها جامعة ولاية أريزونا في مجلة Science Advances بتاريخ 25 يوليو، كشفت عن أربع مناطق جغرافية وُصفت بـ"مناطق الجفاف القاري الكبرى"، مما يعكس تغيرًا عميقًا في التوازن الهيدرولوجي الطبيعي.
تسارع فقدان المياه العذبة يتجاوز توقعات النماذج المناخية
استندت الدراسة إلى بيانات تمتد لأكثر من 22 عامًا تم جمعها عبر الأقمار الصناعية GRACE وGRACE-FO، وهي برامج أمريكية-ألمانية متخصصة في قياس التغيرات في الجاذبية الأرضية لرصد تحركات المياه. النتائج أظهرت أن المناطق الجافة على سطح الأرض تتوسع سنويًا بمعدل يعادل ضعف مساحة ولاية كاليفورنيا، في حين لا تشهد المناطق الرطبة نموًا مماثلًا، مما يدل على اختلال خطير في الدورة الهيدرولوجية للكوكب.
والمثير للقلق أن 75% من سكان العالم، في أكثر من 100 دولة، يعيشون اليوم في مناطق فقدت كميات من المياه العذبة منذ عام 2002. ومع استمرار النمو السكاني العالمي، فإن الضغط على هذه الموارد المحدودة سيزداد بشكل كبير خلال العقود القادمة.
المياه الجوفية: العامل الخفي في ارتفاع منسوب البحار
كشفت الدراسة أن 68% من المياه العذبة المفقودة تعود إلى استنزاف المياه الجوفية، متجاوزة بذلك التأثير المشترك للصفائح الجليدية في غرينلاند والقطب الجنوبي على مستوى سطح البحر. هذا الاكتشاف يعكس تحوّلًا مفاجئًا في مصادر تغذية المحيطات، ويؤكد أن إدارة المياه الجوفية باتت قضية مركزية في الجغرافيا المائية المعاصرة.
البروفيسور جاي فاميليتي، الباحث الرئيسي بالدراسة، صرّح بأن العالم يواجه أزمة مركبة تتضمن جفاف القارات، وانخفاض في إمدادات المياه العذبة، وتسارع في ارتفاع منسوب البحار، محذرًا من أن استمرار هذا النمط سيقود إلى عواقب كارثية إذا لم يُعالج من خلال تعاون دولي فوري وفعّال.
نقطة التحوّل الهيدرولوجي بدأت في عام 2014
أوضح تحليل البيانات أن نقطة التحول الكبرى بدأت خلال عامي 2014 و2015، وهي فترة معروفة بتأثير ظاهرة "إل نينيو الكبرى"، والتي أدت إلى تسارع موجات المناخ المتطرف. خلال هذه الفترة، ازدادت معدلات استهلاك المياه الجوفية بشكل غير مسبوق، وتجاوز الجفاف القاري معدلات ذوبان الأنهار الجليدية.
وأشار الباحث هريشيكيش تشاندانبوركار، المؤلف الرئيسي للدراسة، إلى أن العالم يفقد موارد مائية غير متجددة، مثل المياه الجوفية العميقة والجليد، التي يجب أن تكون بمثابة احتياطي للأزمات، لكن الاستهلاك غير المستدام أدى إلى اقتراب "إفلاس مائي" يهدد النظم البيئية والمجتمعات البشرية على حد سواء.

خريطة الجفاف القاري: مناطق ساخنة تمتد عبر القارات
توصل الباحثون إلى أن مناطق الجفاف المتفرقة بدأت تتصل جغرافيًا لتشكّل أربع مناطق جفاف قاري كبرى:
- جنوب غرب أمريكا الشمالية وأمريكا الوسطى، بما في ذلك مناطق زراعية ومدن ضخمة مثل لوس أنجلوس وفينيكس ومكسيكو سيتي.
- ألاسكا وشمال كندا، حيث يُلاحظ ذوبان متسارع للجليد وتراجع في التربة الصقيعية.
- شمال روسيا، التي تعاني من ذوبان الثلوج وتغيرات حادة في المناخ القاري.
- الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأجزاء من أوراسيا، وتشمل مدنًا رئيسية مثل القاهرة وبغداد ودبي، إضافة إلى مساحات زراعية واسعة في الهند والصين وأوكرانيا، فضلًا عن بحري قزوين وآرال اللذين يشهدان تراجعًا حادًا في مستويات المياه.
واللافت أن المناطق الاستوائية كانت الاستثناء الوحيد، حيث استمرت في الاتجاه نحو الرطوبة، وهو ما لم تتنبأ به نماذج المناخ الصادرة عن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC)، مما يعزز الدعوة لإعادة تقييم النماذج المناخية الحالية.
دعوة إلى إدارة مائية مستدامة وتبادل بيانات دولي
أكد فريق الدراسة أن التغيرات المائية لا ترتبط فقط بتغير المناخ، بل بغياب سياسات فعالة لإدارة المياه الجوفية على وجه الخصوص. وشدد الباحثون على ضرورة تحديث استراتيجيات الإدارة المائية عبر تكثيف الرصد الميداني ومشاركة البيانات بين الدول، لإقامة قاعدة معرفية تُستخدم في التخطيط السليم والمبكر للتكيف مع الجفاف القاري.
كما أشار البروفيسور فاميليتي إلى أن الفشل في التعامل مع هذه الأزمة سيؤدي إلى تسارع ارتفاع منسوب البحار وزيادة الضغوط الاقتصادية والبيئية على الأجيال القادمة.
دعم علمي لتقرير البنك الدولي حول أزمة المياه العالمية
من المتوقع أن تلعب هذه الدراسة دورًا رئيسيًا في دعم تقرير مرتقب للبنك الدولي سيتناول الجوانب الإنسانية والاقتصادية لأزمة فقدان المياه العذبة. وسيساهم البحث في تقديم توصيات عملية تساعد الدول على وضع سياسات فعالة لمواجهة أزمة المياه العالمية.
وأكد الباحثون في ختام الدراسة أن فقدان المياه الأرضية قد تجاوز التوقعات العلمية، وأن الجفاف القاري لم يعد تحديًا بيئيًا فحسب، بل أزمة تتطلب استجابة سياسية، وعلمية، واستراتيجية عاجلة لحماية موارد المياه وضمان الأمن المائي العالمي في المستقبل القريب.




