رئيس مجلس الإدارة
نيفين منصور
رئيس التحرير
إبراهيم مصطفى
11:21 ص calendar السبت 18 يوليو 2026

التعلم الترابطي ودوره الخفي في اتخاذ القرار اليومي

دراسة حديثة تكشف كيف يمكن للإشارات البيئية اليومية أن تهيمن على اتخاذ القرار وتدفعه نحو نتائج غير تكيفية.

التعلم الترابطي ودوره
التعلم الترابطي ودوره الخفي في اتخاذ القرار اليومي

    ملخص

    في اكتشاف علمي جديد، كشفت دراسة نُشرت في The Journal of Neuroscience بقيادة باحثين من جامعة بولونيا أن اتخاذ القرار قد ينحرف عندما يصبح الدماغ شديد الحساسية للإشارات البيئية. أظهرت النتائج أن التعلم الترابطي، الذي يربط الإشارات بالنتائج، قد يتحول لدى بعض الأشخاص إلى عامل يرسّخ قرارات غير تكيفية، حتى مع تكرار العواقب السلبية. وتوضح الدراسة كيف يساهم هذا الخلل في تفسير أنماط سلوكية مرتبطة بالإدمان والقلق وصعوبة تعديل القرار مع تغيّر الظروف.

    دراسة تشرح سبب التمسك بقرارات ضارة رغم العواقب
    من التعلم الترابطي إلى القرار المتحيّز: ماذا يحدث في الدماغ؟

    كيف يتعلم الدماغ من الإشارات اليومية

     

    لا يمر يومنا من دون أن يلتقط الدماغ تفاصيل لا ننتبه لها غالبًا: لافتة مألوفة على الطريق، صوت في الخلفية، أو حتى مكان اعتدنا ارتياده. ومع تكرار التجربة، يبدأ العقل في ربط هذه الإشارات بما يحدث بعدها عادة، فيصبح المشهد أو الصوت بمثابة تنبيه مبكر لما ينتظرنا: مكافأة محتملة أو نتيجة سلبية ينبغي تجنبها.

    هذا النوع من التعلم يُعرف باسم “التعلم الترابطي” (associative learning)، وهو ببساطة تعلم الارتباطات التي تتكوّن مع الوقت بين إشارة ونتيجة. في الحياة اليومية، يساعد التعلم الترابطي الناس على اتخاذ قرارات أسرع وغالبًا أفضل، لأن الدماغ لا يبدأ من الصفر في كل مرة، بل يستند إلى خبرته السابقة بما تعنيه الإشارات البيئية.

    عندما تتحول الإشارات البيئية إلى قوة تقود القرار

     

    غير أن هذه الآلية لا تعمل بالطريقة نفسها لدى الجميع. فبالنسبة لأشخاص يعانون اضطرابات قهرية أو الإدمان أو القلق، قد تصبح الروابط المتعلمة أقوى من اللازم. بدل أن تكون الإشارات البيئية مجرد مرشد مفيد، تتحول إلى قوة تهيمن على اتخاذ القرار.

    في هذه الحالة، قد يشعر الشخص بأنه منجذب بقوة إلى صور أو أصوات معينة، أو مدفوع لتجنبها بشكل حاد، حتى لو قاده ذلك إلى نتائج أسوأ. ومع الوقت، قد يصبح الرابط بين الإشارات البيئية واتخاذ القرار شديد التأثير لدرجة تُرسّخ قرارات ضارة متكررة، لأن الإشارة نفسها تظل تدفع السلوك في الاتجاه القديم حتى عندما تتغير العواقب.

    دراسة ترصد كيف ينشأ القرار المتحيّز في اتخاذ القرار

     

    لتفسير كيف يحدث هذا الانحياز، قاد جوزيبي دي بيليغرينو (Giuseppe di Pellegrino) من جامعة بولونيا (University of Bologna) دراسة ركزت على طريقة تعلم الناس من الإشارات البيئية، وكيف يمكن أن تنقلب هذه العملية من أداة مفيدة إلى مصدر لمشكلات سلوكية. ونُشرت نتائج البحث في The Journal of Neuroscience، حيث تناولت الدراسة ما يُسمى اتخاذ القرار غير التكيفي، أي الخيارات التي تستمر في جلب الضرر أو الخسارة رغم تكرار النتائج السلبية.

    وبهذا تقترب الدراسة من تفسير كيف يظهر القرار المتحيّز عندما تفرض الإشارات البيئية نفسها على الاختيار، بحيث يستمر نمط اتخاذ القرار كما هو حتى عندما تُظهر الخبرة أن النتائج لم تعد ملائمة أو مفيدة.

    فهم جديد لانحياز اتخاذ القرار في القلق والسلوك القهري
    العلاقة بين الإشارات البيئية والإدمان واتخاذ القرار

    فروق فردية كبيرة في الاعتماد على الإشارات البيئية

     

    تكشف الدراسة أن الناس يختلفون بشكل واسع في مقدار اعتمادهم على الإشارات البيئية عند اتخاذ القرار. بعض الأفراد يعتمدون بشدة على ما حولهم من تفاصيل بصرية وأصوات خلفية لتوجيه اختياراتهم، بينما يعتمد آخرون على هذه الإشارات بدرجة أقل بكثير.

    هذا الاختلاف ليس تفصيلًا جانبيًا، لأن الاعتماد العالي على الإشارات البيئية قد يعني أن اتخاذ القرار يصبح شديد الحساسية لأي علامة مألوفة. ومع الوقت، يمكن أن يتحول ذلك إلى انحياز ثابت، يجعل الشخص يكرر خيارات ضارة متكررة بمجرد ظهور الإشارة المرتبطة بها، حتى لو تغيّرت النتائج الفعلية.

    لماذا يصعب على البعض تعديل اتخاذ القرار؟

     

    تذهب الدراسة خطوة أبعد لتوضح المشكلة الأساسية لدى من يوصفون بأنهم شديدو الاعتماد على الإشارات البيئية. عندما تتبدل الظروف وتصبح الإشارات المألوفة علامة على نتائج أكثر خطورة أو أقل فائدة، يواجه هؤلاء صعوبة في التكيف.

    بحسب ما خلص إليه الباحثون، قد يعاني الأشخاص الأكثر حساسية للإشارات من ضعف في تحديث معتقداتهم حول معنى تلك الإشارات، كما يواجهون صعوبة في فك الارتباطات القديمة التي لم تعد صالحة. عمليًا، يستمر الدماغ في الاستجابة كما لو أن شيئًا لم يتغير، رغم أن الواقع يرسل رسالة واضحة بأن النتائج لم تعد كما كانت.

    ومن هنا يمكن فهم كيف يستمر اتخاذ القرار غير التكيفي مع الزمن. بدل أن يتغير نمط اتخاذ القرار مع المعلومات الجديدة، قد يكرر الشخص الخيار المحفوف بالمخاطر أو السلوك الضار مرة بعد أخرى، لأن الإشارات البيئية ما زالت تملك القوة الأكبر في توجيه القرار.

    ما الذي يعنيه ذلك لفهم الإدمان والقلق؟

     

    تشير نتائج الدراسة إلى أن بعض الأشخاص يمتلكون حساسية أعلى للإشارات البيئية مقارنة بغيرهم، وفي الوقت نفسه لديهم قدرة أقل على مراجعة ما تعلموه حول تلك الإشارات عندما تتغير الظروف. هذا المزيج قد يساعد في تفسير لماذا تبدو بعض أنماط اتخاذ القرار صعبة الكسر، ولماذا يستمر الانجذاب أو التجنب القهري حتى عندما تتضح الأضرار.

    ومن هذا المنظور، يمكن فهم الإدمان والاضطرابات القهرية والقلق بوصفها حالات تتداخل فيها الإشارات البيئية بقوة مع التعلم الترابطي، فتؤثر في اتخاذ القرار وتدفع نحو قرارات مؤذية متكررة. وقد يظهر ذلك أيضًا في صورة سلوكيات إدمانية تستمر رغم العواقب السلبية، أو في تجنب قهري يفرض نفسه على الاختيار حتى عندما لا يعود مفيدًا.

    خطوة تالية نحو فهم أوسع لدى المرضى

     

    يشير فريق البحث إلى أنه يخطط لمواصلة دراسة التعلم الترابطي في مجموعات من المرضى، بهدف فهم ما إذا كانت أنماط اتخاذ القرار الضارة التي تميز الإدمان والاضطرابات القهرية والقلق أكثر احتمالًا لدى من لديهم حساسية استثنائية تجاه المشاهد والأصوات التي تؤثر في اختياراتهم.

    وبينما تبدو الفكرة بسيطة في ظاهرها، إلا أنها تفتح بابًا مهمًا لفهم سبب تمسك البعض بقرارات مؤذية رغم تكرار العواقب السلبية. فحين يصعب تحديث معنى الإشارات البيئية، يصبح تعديل اتخاذ القرار أبطأ وأكثر تعقيدًا، حتى عندما تكون المؤشرات واضحة.

    الاكثر مشاهدة

    تم نسخ الرابط