رئيس مجلس الإدارة
نيفين منصور
رئيس التحرير
إبراهيم مصطفى
11:21 ص calendar السبت 18 يوليو 2026

مشتق فيتامين أ يضعف المناعة ضد السرطان ويحدّ من فعالية اللقاحات

دراستان حديثتان تكشفان أن فيتامين أ يمكن أن يضعف الاستجابة المناعية ضد السرطان، لكن مثبطات جديدة تعيد تنشيط الدفاعات المناعية بشكل فعال.

مشتق فيتامين أ يضعف
مشتق فيتامين أ يضعف المناعة ضد السرطان ويحدّ من فعالية اللقاحات

    ملخص

    في اكتشاف جديد، أظهرت دراستان من جامعة برينستون أن مشتق فيتامين أ المعروف باسم حمض الريتينويك يمكن أن يضعف المناعة الطبيعية ضد السرطان ويحدّ من فاعلية لقاحات الخلايا المتغصنة. نُشرت النتائج في Nature Immunology وiScience، موضحة أن حمض الريتينويك يعيد برمجة الخلايا المتغصنة لتطوير التسامح مع الورم، بينما تقلل من فعالية الخلايا البلعمية. وقد طوّر الباحثون مثبطًا جديدًا باسم (KyA33) يعيد تنشيط المناعة ويعزز فعالية اللقاحات، ما يمهّد الطريق لعلاجات مناعية مستقبلية أكثر فعالية ضد السرطان.

    كيف يعرقل حمض الريتينويك استجابة الجسم المناعية للسرطان؟
    مفارقة فيتامين أ: تعزيز الصحة أم إعاقة المناعة ضد السرطان؟

    عندما تتحول عناصر غذائية مألوفة إلى عقبة أمام مناعة الجسم

     

    يُنظر إلى فيتامين أ عادة بوصفه عنصرًا مهمًا للصحة، لكن تأثيره داخل الجسم لا يسير دائمًا في اتجاه واحد، خاصة عندما يتعلق الأمر بالسرطان. فبين نتائج مخبرية أوحت أحيانًا بفوائد، وأدلة أخرى ربطت الجرعات العالية بمخاطر، ظل تأثير مشتقاته محل جدل طويل.

    ولتفسير هذا التناقض وتسليط الضوء على ما قد يجري داخل بيئة الورم، كشف باحثون في جامعة برينستون (Princeton University) ضمن فرع جامعة برينستون التابع لمعهد لودفيغ لأبحاث السرطان (Ludwig Institute for Cancer Research) عن طرق جديدة يمكن لجزيء مشتق من فيتامين أ أن يعرقل بها مناعة الجسم ضد السرطان. وأوضح الفريق أن النتائج جاءت عبر دراستين نُشرتا في دوريتين علميتين.

    حمض الريتينويك وكيف يغير قواعد المواجهة داخل الورم

     

    الجزيء الذي ركزت عليه الدراستان هو حمض الريتينويك من نوع all-trans (all-trans retinoic acid)، وهو أحد نواتج أيض فيتامين أ ويُصنف ضمن الريتينويدات (retinoids). ووفق النتائج، أضعف هذا الجزيء استجابات مناعية طبيعية مضادة للسرطان، وفي ظروف محددة خفّض فاعلية نوع واعد من لقاحات السرطان.

    ولم تتوقف القصة عند تفسير الآلية فقط، إذ قادت النتائج إلى تطوير أول أدوية تجريبية صُممت لإغلاق مسار الإشارات الخلوية الذي يطلقه حمض الريتينويك داخل الخلايا، وهو مسار ظل استهدافه دوائيًا تحديًا طويلًا.

    كيف أضعف حمض الريتينويك لقاحات الخلايا المتغصنة

     

    في الدراسة الأولى المنشورة في Nature Immunology، قاد الباحث يبن كانغ (Yibin Kang) من معهد لودفيغ في برينستون، بالتعاون مع طالبة الدراسات العليا تساو فانغ (Cao Fang)، بحثًا ركز على الخلايا المتغصنة (dendritic cells) التي تُعرف اختصارًا بـ (DCs). وهذه الخلايا تُعد من أهم مفاتيح تشغيل الدفاع المناعي لأنها مسؤولة عن تنشيط الاستجابات المناعية وتوجيهها.

    ووجد الفريق أن حمض الريتينويك الذي أنتجته الخلايا المتغصنة أعاد برمجتها بطريقة دفعتها إلى تعزيز “التسامح” مع الورم بدل مواجهته. هذا التسامح المناعي خفّض بشكل واضح فاعلية لقاحات الخلايا المتغصنة، وهي نوع من العلاج المناعي للسرطان يهدف إلى تدريب الجهاز المناعي على التعرف إلى الورم ومهاجمته.

    كما وصفت الدراسة تطوير مركب دوائي جديد يحمل اسم (KyA33)، مع اختباره قبل سريريًا، بحيث حجب إنتاج حمض الريتينويك داخل خلايا السرطان والخلايا المتغصنة معًا. ووفق نتائج تجارب على الحيوانات، حسّن (KyA33) أداء لقاحات الخلايا المتغصنة، كما أظهر إمكانات كعلاج مناعي مستقل.

    لماذا لا تحقق لقاحات السرطان الأداء المأمول؟

     

    لفتت الدراسة إلى طريقة تصنيع لقاحات الخلايا المتغصنة، إذ اعتمدت الفكرة على جمع خلايا مناعية غير ناضجة من دم المريض، ثم تنميتها في المختبر مع مستضدات مأخوذة من ورم المريض، قبل إعادتها إلى الجسم بهدف إطلاق استجابة قوية مضادة للورم. وتقوم هذه الآلية على مبدأ تدريب المناعة لتحديد الهدف بدقة، وهو ما جعل هذا النوع من لقاحات السرطان محل اهتمام لسنوات.

    ورغم التحسن في تحديد مستضدات مناسبة، كثيرًا ما لم تحقق هذه اللقاحات النتائج المرجوة. عند هذه النقطة حاول فريق فانغ وكانغ وزملاؤهما، ومن بينهم مارك إسبوزيتو (Mark Esposito) ومدير فرع برينستون جوشوا رابينوويتز (Joshua Rabinowitz)، فهم سبب الأداء دون التوقعات.

    ونقلت فانغ أن الفريق اكتشف أنه في ظروف تُستخدم عادة لإنتاج لقاحات الخلايا المتغصنة، بدأت هذه الخلايا خلال تمايزها في التعبير عن إنزيم (ALDH1a2)، ما أدى إلى إنتاج مستويات مرتفعة من حمض الريتينويك. وبعد ذلك فعّل الجزيء مسار إشارات داخل نواة الخلية قمع نضج الخلايا المتغصنة، فتراجعت قدرتها على تشغيل المناعة المضادة للورم. ورجح الباحثون أن هذه الآلية غير المعروفة سابقًا أسهمت في الأداء غير المثالي الذي تكرر رصده في تجارب سريرية على لقاحات الخلايا المتغصنة وغيرها من لقاحات السرطان.

    كما أظهرت النتائج أن حمض الريتينويك المنطلق من الخلايا المتغصنة شجّع تكوين خلايا بلعمية (macrophages) أقل فاعلية في مقاومة السرطان. ومع تراكم هذه الخلايا على حساب خلايا متغصنة وظيفية، تراجعت المحصلة النهائية للقاح بصورة أكبر.

    لقاحات الخلايا المتغصنة تواجه تحديًا جديدًا بسبب مشتق فيتامين أ
    كيف يؤثر حمض الريتينويك على دفاعات الجسم ضد الأورام السرطانية؟

    دواء جديد أعاد تنشيط الخلايا المتغصنة

     

    أظهر الباحثون أن حجب إنزيم (ALDH1a2)، سواء بطرق وراثية أو باستخدام (KyA33)، أعاد نضج الخلايا المتغصنة وقدرتها على تنشيط الدفاعات المناعية. وعندما صُنعت لقاحات الخلايا المتغصنة بوجود (KyA33)، ولّدت استجابات مناعية قوية ومحددة في نماذج فئران لسرطان الميلانوما، وأخرت تطور الأورام وأبطأت تقدم المرض.

    وعند إعطاء (KyA33) مباشرة للفئران، عمل المركب أيضًا كعلاج مناعي مستقل، فقلل نمو الورم عبر تحفيز الجهاز المناعي.

    استراتيجية لتعطيل مسار كان عصيًا على تطوير الأدوية

     

    في الدراسة الثانية المنشورة في iScience، قاد مارك إسبوزيتو بحثًا ركز على تصميم أدوية تمنع إنتاج حمض الريتينويك وتعطل إشارات الريتينويدات من جذورها. ورغم أن العلماء درسوا الريتينويدات لأكثر من قرن، ظلت محاولات تطوير أدوية توقف إشاراتها بأمان تفشل مرارًا.

    ووفق ما ورد في الدراسة، جمع النهج الجديد بين النمذجة الحاسوبية والفحص الدوائي واسع النطاق. هذا المزيج وفر الإطار الذي استُخدم لتطوير (KyA33)، واعتبره الباحثون تقدمًا كبيرًا في استهداف مسار قاوم التطوير الدوائي لعقود.

    كما أشارت النتائج إلى أن تطوير مثبطات تستهدف (ALDH1a2) و(ALDH1a3) مثّل إنجازًا علميًا كبيرًا. إذ أوضحت الدراسة أن مسار حمض الريتينويك كان المسار الوحيد بين اثني عشر مسارًا كلاسيكيًا لإشارات المستقبلات النووية الذي لم ينجح استهدافه دوائيًا من قبل.

    وقال كانغ إن النتائج مجتمعة كشفت التأثير الواسع لحمض الريتينويك في إضعاف استجابات مناعية حيوية ضد السرطان، وفي الوقت نفسه قدّمت حلًا لتحدٍ قديم في علم الأدوية عبر تطوير مثبطات آمنة وانتقائية لمسار الإشارات المرتبط به، مع إثبات جدوى قبل سريرية لاستخدامها في العلاج المناعي للسرطان.

    إنزيمات إنتاج حمض الريتينويك ومفارقة فيتامين أ في السرطان

     

    أوضحت الدراستان أن حمض الريتينويك يُنتج عبر إنزيم يسمى (ALDH1a3)، والذي يوجد غالبًا بمستويات مرتفعة في خلايا سرطانية بشرية. كما ينتج إنزيم قريب منه، (ALDH1a2)، حمض الريتينويك داخل مجموعات معينة من الخلايا المتغصنة.

    وبمجرد إنتاج حمض الريتينويك، نشّط مستقبلًا داخل نواة الخلية، مطلقًا سلسلة إشارات غيّرت نشاط الجينات. وفي الأمعاء، عُرف أن هذا المسار عزز تكوين الخلايا التائية المنظمة (regulatory T cells) المعروفة اختصارًا بـ (Tregs)، وهي خلايا تساعد في منع تفاعلات مناعية ذاتية ضارة. لكن ما لم يكن مفهومًا سابقًا هو كيفية تأثير حمض الريتينويك في الخلايا المتغصنة نفسها، وهو ما سلطت عليه النتائج الجديدة الضوء.

    وفي صلب القصة جاءت مفارقة فيتامين أ والسرطان. ففي تجارب مخبرية، تمكن حمض الريتينويك من جعل خلايا سرطانية تتوقف عن النمو أو تموت، ما دعم الاعتقاد بخصائص مضادة للسرطان. لكن في المقابل أشارت تجارب سريرية كبيرة وأدلة أخرى إلى أن تناول فيتامين أ بكميات عالية زاد خطر السرطان وأمراض القلب والأوعية الدموية، ورفع معدلات الوفيات. كما ارتبطت مستويات مرتفعة من إنزيمات (ALDH1A) داخل الأورام بسوء البقاء على قيد الحياة عبر سرطانات عديدة، بينما فشلت محاولات سابقة في فصل وظائف هذه الإنزيمات عن إنتاج حمض الريتينويك.

    وقال إسبوزيتو إن دراستهم كشفت الأساس الآلي لهذا التناقض. وذكر أنهم أظهروا أن (ALDH1a3) كان مفرط التعبير في سرطانات متنوعة لإنتاج حمض الريتينويك، بينما فقدت الخلايا السرطانية استجابتها لإشارات مستقبلات الريتينويدات فتفادت تأثيراتها التي قد تعيق التكاثر أو تدفع التمايز.

    كيف استغل السرطان حمض الريتينويك لإسكات المناعة

     

    بينت النتائج أن حمض الريتينويك أثّر أساسًا في البيئة المناعية المحيطة بالورم أكثر من تأثيره في الخلايا السرطانية نفسها. فعندما دخل إلى البيئة الدقيقة للورم، قمع استجابات مناعية عدة، بما في ذلك نشاط الخلايا التائية التي تستهدف الورم عادة. وتوضح هذه الصورة كيف يمكن لحمض الريتينويك أن يغير توازن مناعة السرطان داخل الورم.

    ولتأكيد ذلك، أظهر الفريق أن مثبطات (ALDH1a3) حفزت هجمات مناعية قوية ضد الأورام في نماذج فئران، ما دعم احتمال استخدامها كعلاجات مناعية قوية.

    من الأبحاث قبل السريرية إلى أفق التجارب البشرية

     

    إلى جانب النتائج العلمية، أعلن الباحثون أن إسبوزيتو وكانغ أطلقا شركة تقنية حيوية باسم (Kayothera) لدفع مثبطات (ALDH1A) إلى الاختبارات السريرية. وتهدف الشركة إلى تطوير علاجات لأمراض متعددة تتأثر بحمض الريتينويك، بما في ذلك السرطان والسكري وأمراض القلب والأوعية الدموية.

    تم نسخ الرابط