رئيس مجلس الإدارة
نيفين منصور
رئيس التحرير
إبراهيم مصطفى
02:34 م calendar السبت 18 يوليو 2026

تحدٍ صحي عالمي: ارتفاع سرطان القولون والمستقيم بين الأعمار الأصغر

ارتفاع مقلق في سرطان القولون والمستقيم بين الشباب يدفع الخبراء لإعادة النظر في مفاهيم الخطر والفحص المبكر.

لماذا أصبح سرطان
لماذا أصبح سرطان القولون والمستقيم أكثر شيوعًا بين الشباب؟ - illustration

    ملخص

    في دراسة حديثة تستند إلى أبحاث دولية نُشرت في مجلة The Lancet Oncology، رصد الباحثون ارتفاعًا ملحوظًا في معدلات الإصابة بسرطان القولون والمستقيم المبكر بين من هم دون سن الخمسين. وتشير النتائج إلى أن هذا الارتفاع يرتبط بعدة عوامل متداخلة، من بينها الاعتماد المتزايد على الأطعمة فائقة المعالجة، وانتشار السمنة، وتراجع مستويات النشاط البدني، إضافة إلى وجود متلازمات وراثية موروثة لدى بعض الفئات. ومع التقدم في الاختبارات الجينية ووسائل الفحص غير الجراحية، يؤكد الخبراء أن الكشف المبكر والتوعية الصحية يشكلان ركيزتين أساسيتين للحد من انتشار المرض وتحسين فرص العلاج والنجاة.

    سرطان القولون والمستقيم المبكر يتحول إلى تحدٍ صحي عالمي
    لماذا يرتفع سرطان القولون والمستقيم بين الشباب؟ - illustration

    موجة إصابات تحت سن الخمسين تثير قلق الخبراء

     

    لسنوات طويلة، ترسّخت فكرة أن سرطان القولون والمستقيم يصيب كبار السن بالدرجة الأولى. لكن هذه القناعة بدأت تتبدل مع تزايد تشخيص حالات لدى أشخاص أصغر عمرًا، وهو تحوّل يثير قلق خبراء الصحة في دول كثيرة. وارتفع الوعي العام بهذه الظاهرة بشكل لافت بعد وفاة الممثل تشادويك بوسمان (Chadwick Boseman) في عام 2020 عن عمر 43 عامًا، وهو حدث سلط الضوء على تنامي حالات سرطان القولون والمستقيم (CRC) بين من هم تحت سن الخمسين.

    ولتفسير أسباب هذا الارتفاع، يتجه الباحثون إلى تفكيك عوامل نمط الحياة والوراثة والفجوات في برامج الفحص، بالتوازي مع تقدم في الاختبارات الجينية وأدوات الكشف التي تفتح آفاقًا للوقاية والتشخيص في مراحل أبكر. وفي هذا السياق، رصدت دراسة دولية واسعة نُشرت في The Lancet Oncology مؤشرات واضحة على أن الاتجاه لم يعد محصورًا في منطقة واحدة من العالم.

    زيادة عالمية في سرطان القولون والمستقيم المبكر

     

    الدراسة الدولية الكبيرة وجدت نمطًا متصاعدًا في تشخيص سرطان القولون والمستقيم لدى البالغين الأصغر سنًا. وخلال الفترة من 2013 إلى 2017، ارتفعت معدلات الإصابة في 27 دولة من أصل 50 شملها التحليل لدى من هم تحت سن 50 عامًا. ورغم أن أعلى الأرقام لا تزال تُسجل في أمريكا الشمالية وأوروبا، فإن زيادات ملحوظة ظهرت أيضًا في أوروبا الشرقية، وجنوب وسط آسيا وجنوب شرقها، وأمريكا الجنوبية.

    ويرجّح باحثون أن هذا الاتجاه العالمي يعكس تغييرات واسعة في نمط الحياة اليومي، تشمل التحولات في النظام الغذائي، وتراجع النشاط البدني، والحياة الحضرية، والتعرض لعوامل بيئية. ويشدد متخصصون على أن توسيع الفحص المبكر، وتحسين العادات الغذائية، وتعزيز التثقيف العام خطوات أساسية لإبطاء الارتفاع. ومن دون تدخل فعّال، يحذر خبراء من أن حالات سرطان القولون والمستقيم المبكر قد تواصل الصعود خلال العقود المقبلة.

    الأطعمة فائقة المعالجة واللحوم والمشروبات السكرية

     

    تشير الأدلة البحثية بشكل متزايد إلى أن النظام الغذائي قد يكون عاملًا كبيرًا في رفع مخاطر سرطان القولون والمستقيم. فقد ارتبطت كثرة تناول الأطعمة فائقة المعالجة، واللحوم الحمراء واللحوم المصنّعة، والمشروبات السكرية بزيادة الالتهاب وبقابلية أعلى للإصابة بالسرطان. ومع انتشار هذه الأنماط الغذائية في مجتمعات عديدة، يتعاظم الاهتمام بدورها المحتمل في زيادة سرطان القولون والمستقيم تحت سن الخمسين.

    وتقدم بيانات من كازاخستان مثالًا على حجم الفجوة بين العادات الغذائية والتوصيات الصحية. فقد أظهرت دراسة سكانية أن متوسط استهلاك اللحوم كان يقارب ضعف الحد الذي يوصي به الصندوق العالمي لأبحاث السرطان (World Cancer Research Fund) والبالغ 500 غرام أسبوعيًا. وفي المقابل، وجدت الدراسة نفسها أن 8.6% فقط من المشاركين كانوا يستهلكون السمك بالمستويات الموصى بها، وهو نمط قد يسهم في اختلالات غذائية ترتبط بارتفاع المخاطر.

    فجوات الفحص تزيد عبء سرطان القولون والمستقيم
    سرطان القولون لم يعد مرتبطًا بالشيخوخة فقط - illustration

    السمنة عامل مهم لكن مؤشرات الخطر قد تكون خادعة

     

    تُعد السمنة من العوامل المهمة المرتبطة بسرطان القولون والمستقيم، إذ يمكن للدهون الزائدة أن تدفع نحو التهاب مزمن وتتداخل مع عمليات الأيض الطبيعية. ومع ذلك، يشير باحثون إلى أن تأثير السمنة قد يكون أعقد مما يبدو، ما يعني أن بعض الطرق التقليدية في تقييم الخطر قد لا تكشف الصورة بالكامل.

    ويبرز هذا التعقيد في تحليل شمل 18 دراسة، حيث تبين أن كثيرًا من مرضى سرطان القولون والمستقيم يعانون فقدان وزن غير مقصود قبل التشخيص. وتوحي هذه النتيجة بأن الاعتماد على المقاييس المعتادة وحدها قد لا يلتقط أثر السمنة على الخطر بدقة، خاصة في سياق سرطان القولون والمستقيم المبكر الذي يظهر لدى فئات عمرية أصغر.

    الوراثة ومتلازمات السرطان الموروثة ودور الاختبارات الجينية

     

    إلى جانب نمط الحياة، تلعب العوامل الجينية دورًا كبيرًا في حالات سرطان القولون والمستقيم المبكر. ويشير الدكتور أليكسي تسوكانوف (Alexei Tsukanov)، رئيس مختبر الوراثة في المركز الوطني للأبحاث الطبية للأشعة (National Medical Research Center for Radiology)، إلى أن كثيرًا من الحالات لدى الأصغر سنًا ترتبط بمتلازمات سرطانية موروثة مثل "Lynch syndrome" و "familial adenomatous polyposis". وتنشأ هذه الاضطرابات بسبب طفرات في جينات كابحة للأورام، ما يرفع احتمال الإصابة بسرطان القولون والمستقيم في عمر أصغر بشكل حاد.

    ورغم أهمية التشخيص المبكر، تُهمَل الإشارات التحذيرية في أحيان كثيرة. وقد تشمل الأعراض تغيّرًا مستمرًا في عادات التبرز، ووجود دم في البراز، وفقدان وزن غير مفسر، واستمرار انزعاج أو ألم في البطن. ويؤكد تسوكانوف أهمية الاختبارات الجينية لمن لديهم تاريخ عائلي مع المرض، موضحًا أن تحديد طفرة وراثية موروثة يتيح مراقبة سريرية مدى الحياة وتدخلًا مبكرًا، بما يحسن معدلات البقاء بشكل كبير.

    فحوصات غير جراحية مثل اختبار COLOTECT®

     

    مع تطور وسائل الكشف، تظهر أدوات فحص جديدة توسّع فرص اكتشاف سرطان القولون والمستقيم في مراحل أبكر. ومن بين هذه الأدوات اختبار "COLOTECT® Stool DNA Methylation Test" من شركة بي جي آي جينوميكس (BGI Genomics)، وهو اختبار يبحث عن علامات جينية مرتبطة بسرطان القولون والمستقيم عبر تحليل الحمض النووي في البراز. ويعتمد على رصد مؤشرات محددة تشمل SDC2و ADHFE1 و PPP2R5C، ما يوفر نهجًا غير تدخلي للتعرف على تغيّرات مرتبطة بالسرطان في وقت مبكر.

    وتأتي أهمية مثل هذه الخيارات في أنها تمنح مسارات إضافية للفحص المبكر، خاصة في ظل اتساع دائرة الخطر وارتفاع الحالات تحت سن الخمسين في أكثر من منطقة حول العالم.

    فجوات برامج الفحص وتحدي التوعية العامة

     

    لا تكفي التكنولوجيا وحدها إذا ظل الوصول إلى الفحص غير متكافئ. فبحسب المعطيات المتاحة، تختلف برامج فحص سرطان القولون والمستقيم على نطاق واسع بين المناطق. وفي أجزاء من أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى، ما تزال البرامج غير متجانسة؛ إذ أن دولًا مثل كازاخستان وليتوانيا ولاتفيا وجورجيا أنشأت جهودًا وطنية للفحص، بينما تعتمد دول أخرى على فحوصات تُجرى عند توفر الفرصة، ما يترك حالات عديدة دون اكتشاف حتى مراحل متأخرة.

    تؤكد جيما أراكليان (Jemma Arakelyan)، المستشارة في معهد أبحاث الأورام المناعية (Immune Oncology Research Institute) والرئيسة التنفيذية لمعهد "The Institute of Cancer and Crisis" في أرمينيا، أن التعليم خطوة حاسمة لتحسين النتائج. وترى أن تحسين الكشف المبكر يتطلب تثقيف مقدمي الرعاية الصحية والجمهور بأهمية الفحص، بحيث لا تضيع إشارات مبكرة يمكن التعامل معها في الوقت المناسب.

    تحدٍ متصاعد يحتاج إلى استجابة منسقة

     

    سرطان القولون والمستقيم لم يعد حكرًا على كبار السن، وارتفاع سرطان القولون والمستقيم المبكر بات قضية صحية لا يمكن تجاهلها. ومع تداخل عوامل نمط الحياة والوراثة وتفاوت برامج الفحص، تصبح المواجهة مسؤولية مشتركة بين الحكومات والأنظمة الصحية والأفراد، عبر رفع الوعي، ودعم خيارات غذائية ونمط حياة أكثر صحة، وتوسيع الوصول إلى الفحص المبكر والاختبارات الجينية. ومع استمرار صعود الحالات تحت سن الخمسين في أماكن متعددة حول العالم، تزداد الحاجة إلى التحرك قبل أن يتحول هذا الاتجاه إلى واقع ثابت.

    تم نسخ الرابط