رئيس مجلس الإدارة
نيفين منصور
رئيس التحرير
إبراهيم مصطفى
12:10 م calendar السبت 18 يوليو 2026

أراضي الخث في الكونغو تتسرّب: بحيرات المياه السوداء تطلق كربونًا قديمًا عمره آلاف السنين

لون المياه الداكن في بحيرات الكونغو ليس مجرد مشهد طبيعي، بل قد يكون إشارة إلى أن أراضي الخث في الكونغو تطلق كربونًا عمره آلاف السنين.

أراضي الخث في الكونغو
أراضي الخث في الكونغو تطلق كربونًا قديمًا إلى الغلاف الجوي - illustration

    ملخص

    ما الذي يحدث عندما تبدأ واحدة من أكبر خزائن الكربون المدارية في التسرب؟ هذا السؤال يعيد تسليط الضوء على دور أراضي الخث في الكونغو في المناخ العالمي. في دراسة نُشرت في Nature Geoscience، كشف باحثون من المعهد الفدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ أن بحيرات المياه السوداء في حوض الكونغو تطلق ثاني أكسيد الكربون يحتوي جزء منه على كربون قديم تراكم في أراضي الخث منذ آلاف السنين. وباستخدام التأريخ بالكربون المشع، تبيّن أن ما يصل إلى 40% من الانبعاثات مصدره خث قديم، وليس مواد نباتية حديثة فقط. وتسلط النتائج الضوء على هشاشة أراضي الخث في الكونغو، ودورها المحوري في دورة الكربون، واحتمال تأثرها بتغير المناخ وإزالة الغابات، بما قد يعيد تشكيل توازن الانبعاثات في المنطقة المدارية.

    هل تتحول بحيرات الكونغو إلى مصدر لانبعاثات قديمة؟
    هل تتسرب أراضي الخث في الكونغو؟ -illustration 

    المستنقعات المدارية وأراضي الخث ليست مجرد مساحات مائية بعيدة عن المدن، بل تُعد خزائن كربون هائلة تدخل في صميم دورة الكربون على الأرض، وبالتالي في المناخ العالمي. ففي مناطق مثل حوض الأمازون وحوض الكونغو وأراضي جنوب شرق آسيا الرطبة، تتراكم طبقات سميكة من بقايا نباتية لم تتحلل بالكامل عبر الزمن. ويُعرف الخث بأنه طبقات من مواد نباتية متراكمة جزئيًا تعمل كخزان طويل الأمد للكربون. هذه النظم البيئية، مجتمعة، تحتجز نحو 100 غيغاطن من الكربون.

    لتسليط الضوء على ما يحدث داخل واحدة من أكبر هذه الخزائن، تناولت دراسة نُشرت في Nature Geoscience بحيرات المياه السوداء في قلب حوض الكونغو، وكشفت نتيجة لافتة: جزء من ثاني أكسيد الكربون المتصاعد من هذه البحيرات لا يأتي من مواد نباتية حديثة فحسب، بل من كربون قديم تراكم منذ آلاف السنين في أراضي الخث القريبة.

    حوض الكونغو وخث الكونغو: مساحة صغيرة تخزن ثلث كربون الخث المداري

     

    يمتلك حوض الكونغو أحد أكبر وأهم مخازن الكربون المدارية على الكوكب. ورغم أن مستنقعات الكونغو وأراضيه الخثية تغطي 0.3 في المئة فقط من مساحة اليابسة عالميًا، فإنها تخزن قرابة ثلث الكربون الموجود في أراضي الخث المدارية حول العالم. وهذا يجعل خث الكونغو واحدًا من أكبر مخازن الخث المداري عالميًا، رغم أنه يقع في منطقة نائية يصعب الوصول إلى كثير من أجزائها.

    لكن هذه الأهمية لا تقابلها وفرة في الدراسات، لأن أجزاء واسعة من وسط حوض الكونغو يصعب الوصول إليها، والتنقل نحو بحيرات ومستنقعات معزولة يتطلب غالبًا قوارب أو زوارق تقليدية. لذلك بقي تأثير هذه النظم البيئية والأراضي الرطبة في المناخ العالمي غير محسوم بدقة لفترة طويلة.

    التأريخ بالكربون المشع يكشف مصدر انبعاثات الكونغو
    هل تتحول بحيرات الكونغو إلى مصدر لانبعاثات قديمة؟ - illustration

    بحيرات المياه السوداء في الكونغو… لون الشاي الأسود يخفي مفاجآت

     

    خلال العقد الماضي، قاد فريق من المعهد الفدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ (ETH Zurich) جهودًا لفهم حوض الكونغو بصورة أدق، وقد توصل في أعمال سابقة إلى نتائج غير متوقعة، بينها رصد نهر روكي باعتباره أحد أكثر أنهار المياه السوداء قتامة على الأرض.

    في الدراسة الأحدث، ركز الباحثون على بحيرتين داكنتي اللون بسبب المواد النباتية: أكبر بحيرة مياه سوداء في أفريقيا “لاك ماي ندومبي” (Lac Mai Ndombe) التي تُعرف أيضًا باسم بحيرة ماي ندومبي، وبحيرة أصغر هي “لاك تومبا” (Lac Tumba) أو بحيرة تومبا. وتبدو مياه بحيرة ماي ندومبي كأنها شاي أسود كثيف، لأن المواد العضوية الذائبة من النباتات تلوّن المياه بدرجات بنية داكنة.

    تزيد مساحة Lac Mai Ndombe بأكثر من أربع مرات عن بحيرة كونستانس، وتجاورها غابات مستنقعية واسعة وغابات مطيرة منخفضة شبه غير مضطربة تنمو فوق ترسبات خث عميقة. ومع انجراف بقايا النبات والمواد العضوية من الغابات المحيطة إلى داخل البحيرة، يزداد لون المياه قتامة.

    الكربون القديم يتسرب عبر البحيرات

     

    أظهرت القياسات أن كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون تتسرب من بحيرة ماي ندومبي وبحيرة تومبا إلى الغلاف الجوي. المثير هنا لم يكن وجود الانبعاثات بحد ذاته، بل مصدرها. فبينما جاء جزء من الانبعاثات من مواد نباتية حديثة النمو، تبين أن ما يصل إلى 40 في المئة من ثاني أكسيد الكربون مصدره خث تراكم قبل آلاف السنين في نظم بيئية قريبة. أي أن انبعاثات ثاني أكسيد الكربون (CO2) لم تكن حديثة بالكامل كما قد يتبادر إلى الذهن.

    توصل الباحثون إلى ذلك عبر تحديد عمر ثاني أكسيد الكربون الذائب باستخدام تقنية radiocarbon dating، المعروفة عربيًا بالتأريخ بالكربون المشع. ويعتمد التأريخ بالكربون المشع على قياس نظائر الكربون لتقدير عمر المادة، ما يسمح بتمييز الكربون الحديث عن الكربون القديم الذي ظل مخزونًا في الخث لآلاف السنين. وبذلك، أكد التأريخ بالكربون المشع أن جزءًا من الانبعاثات يحمل بصمة زمنية أقدم بكثير مما كان متوقعًا.

    يقول ترافيس دريك (Travis Drake)، المؤلف الأول للدراسة، وهو عالم ضمن مجموعة “Sustainable Agroecosystem (SAE)” التي يقودها البروفيسور يوهان سيكس (Johan Six) في ETH Zurich، إنهم فوجئوا بأن الكربون القديم يُطلق إلى الغلاف الجوي عبر البحيرة. ويضيف ماتي بارتيل (Matti Barthel)، الفني البحثي المشارك في SAE، أن خزان الكربون يبدو وكأنه يحتوي على تسرّب يسمح بخروج الكربون القديم.

    كيف يتحرر الكربون القديم من الخث؟ أسئلة لم تُحسم بعد

     

    كان الاعتقاد السائد سابقًا أن الكربون المخزن في خث حوض الكونغو يبقى محبوسًا لفترات طويلة جدًا، ولا يتحرر إلا في ظروف محددة مثل الجفاف الممتد. لكن النتائج الجديدة تضع هذا التصور أمام تساؤلات، لأن آلية تحرير الكربون القديم من المواد النباتية غير المتحللة بالكامل ما تزال غير واضحة.

    ولا يعرف الباحثون حتى الآن المسارات الدقيقة التي تسمح بانتقال هذا الكربون من تربة الخث إلى مياه بحيرات المياه السوداء. والسؤال الأهم الذي يطرح نفسه: هل يشير هذا التسرب إلى بداية اختلال يزعزع استقرار الخث، أم أنه جزء من توازن طبيعي قد يُعوَّض بتشكل خث جديد؟

    تغير المناخ وخطر تجفف أراضي الخث في الكونغو

     

    يرتبط تسرب الكربون القديم بمخاوف أوسع تتعلق بتغير المناخ. فإذا أصبحت الظروف أكثر جفافًا، قد تجف تربة الخث بوتيرة أكبر ولفترات أطول، ما يسمح للأكسجين بالتغلغل أعمق داخل الطبقات الخثية. وعندما يصل الأكسجين إلى طبقات كانت معزولة نسبيًا، تتسارع عمليات التحلل الميكروبي لمواد عضوية كانت مستقرة، وقد يزداد إطلاق ثاني أكسيد الكربون من هذا المخزون الهائل إلى الغلاف الجوي.

    ويشير سيكس إلى أن هذه النتائج تساعد على تحسين نماذج المناخ العالمية، لأن البحيرات المدارية والأراضي الرطبة كانت ممثلة بشكل ضعيف في هذه النماذج حتى الآن.

    مستويات المياه والميثان: توازن حساس في بحيرة ماي ندومبي

     

    لم يقتصر اهتمام الفريق على ثاني أكسيد الكربون. ففي دراسة موازية نُشرت في Journal of Geophysical Research، فحص الباحثون انبعاثات أكسيد النيتروس والميثان من بحيرة ماي ندومبي. الميثان غاز دفيئة مؤثر، وزيادة انبعاثاته قد تغيّر توازن التأثير المناخي للمنطقة.

    وجد الباحثون أن مستوى المياه يلعب دورًا حاسمًا في كمية الميثان التي تصل إلى الغلاف الجوي. فعندما تكون مستويات البحيرة مرتفعة، تستهلك الكائنات الدقيقة الميثان بكفاءة أكبر قبل أن يتسرب إلى الهواء. أما خلال موسم الجفاف، ومع انخفاض مستوى المياه، تقل كفاءة تفكيك الميثان فتُطلق كميات أكبر منه.

    ويحذر البروفيسور جوردن هيمنغواي (Jordon Hemingway) من أن تغير المناخ قد يخل بهذا التوازن؛ فإذا أصبحت فترات الجفاف أطول وأكثر حدة، فقد تتحول بحيرات المياه السوداء في المنطقة إلى مصادر كبيرة للميثان تؤثر في المناخ العالمي، مع الإقرار بأن نقطة التحول التي عندها يحدث ذلك لا تزال مجهولة.

    إزالة الغابات قد تزيد الجفاف وتبقي مستويات المياه منخفضة

     

    ليست العوامل المناخية وحدها مصدر القلق. فالتغيرات في استخدام الأراضي قد تكون تهديدًا أشد. إذ تشير التقديرات إلى أن عدد سكان جمهورية الكونغو الديمقراطية قد يتضاعف ثلاث مرات بحلول عام 2050، ما يرفع الطلب على الأراضي الزراعية ويدفع نحو مزيد من إزالة الغابات.

    ويمكن لإزالة الغابات أن تُفاقم ظروف الجفاف، فتُبقي مستويات بحيرة ماي ندومبي في الكونغو وبحيرة تومبا منخفضة لفترات أطول. ويشرح بارتيل هذه الفكرة عبر تشبيه الغابات بـرئة الأرض الخضراء، مؤكدًا أنها لا تقوم بتبادل الغازات فقط، بل تُبخر الماء عبر الأوراق لتغني الغلاف الجوي ببخار الماء، ما يعزز تكوّن السحب وهطول الأمطار التي تغذي الأنهار والبحيرات.

    أسئلة شائعة (FAQ)

     

     ##ما هي أراضي الخث ولماذا هي مهمة للمناخ؟

    أراضي الخث هي نظم بيئية رطبة تتراكم فيها بقايا نباتية غير متحللة بالكامل، ما يسمح بتخزين كميات كبيرة من الكربون لفترات طويلة، وبالتالي تؤدي دورًا رئيسيًا في دورة الكربون العالمية.

    ##كيف يمكن للكربون القديم أن يعود إلى الغلاف الجوي؟

    عندما يتعرض الخث للجفاف أو يتغير توازن المياه، قد يتسرب الكربون المخزن إلى الأنهار والبحيرات، ثم يتحرر في صورة ثاني أكسيد الكربون أو ميثان إلى الغلاف الجوي.

    ## ما خطورة إطلاق الكربون القديم؟

    إطلاق كربون مخزن منذ آلاف السنين يزيد تركيز غازات الدفيئة في الجو، ما قد يعزز الاحترار العالمي إذا لم يُعوَّض بتخزين جديد.

    ## كيف تؤثر إزالة الغابات على أراضي الخث؟

    إزالة الغابات قد تقلل الرطوبة المحلية وتزيد فترات الجفاف، ما يرفع احتمالات تجفف الخث وتسارع تحلل المواد العضوية وإطلاق الكربون المخزن.

    الاكثر مشاهدة

    تم نسخ الرابط