رئيس مجلس الإدارة
نيفين منصور
رئيس التحرير
إبراهيم مصطفى
11:21 ص calendar السبت 18 يوليو 2026

الضوء الأحمر في الطب: سر جديد من عيون اليعاسيب

قدرة اليعاسيب على رصد الضوء الأحمر العميق تقدم نموذجًا علميًا قد يساعد في تحسين استخدام الضوء داخل الأنسجة البشرية

استخدامات الضوء الأحمر
استخدامات الضوء الأحمر في الطب قد تستفيد من اكتشاف جديد عن اليعاسيب

    ملخص

    كيف يمكن لحشرة صغيرة مثل اليعاسيب أن تكشف أسرار الضوء الأحمر العميق وتفتح الباب أمام تقنيات طبية متقدمة؟ الإجابة قد تغيّر فهمنا للرؤية والتطبيقات الحيوية. ففي اكتشاف علمي حديث نُشر في مجلة Cellular and Molecular Life Sciences، كشف باحثون من جامعة أوساكا متروبوليتان عن آلية متطورة تمكّن اليعاسيب من رؤية الضوء الأحمر العميق بطريقة مشابهة للثدييات. وأظهر البحث إمكانية تعديل بروتين الأوبسين لزيادة حساسيته للأطوال الموجية القريبة من الأشعة تحت الحمراء، ما يفتح آفاقًا جديدة في الأوبتوجينيتكس. ويعزز هذا التقدم استخدام الضوء الأحمر في الطب، خاصة للوصول إلى الخلايا العميقة داخل الأنسجة بدقة وكفاءة أعلى.

    أوبسين اليعاسيب وقدرته على رصد الضوء الأحمر العميق تفتح بابًا للأوبتوجينيتكس
    رؤية الضوء الأحمر عند اليعاسيب تكشف أسرار أوبسين قد يفيد الطب

    لم يعد فهم رؤية الحشرات مجرد سؤال بيولوجي محدود، فدراسة جديدة تظهر أن أوبسين اليعاسيب قد يحمل قيمة مهمة في الطب والتقنيات الحيوية.

    من الضوء الأحمر في الطب إلى عيون اليعاسيب

     

    تعتمد تقنيات طبية وبحثية متزايدة على الضوء الأحمر، لأن الأطوال الموجية الأطول قادرة على النفاذ إلى الأنسجة بعمق أكبر من الضوء الأقصر. ولهذا لم يعد الاهتمام بالضوء الأحمر محصورًا في الفيزياء أو البصريات، بل امتد إلى الأحياء والطب، خاصة حين يتعلق الأمر ببروتينات يمكنها التقاط هذا الضوء والاستجابة له بكفاءة. ولهذا تزداد أهمية فهم استخدامات الضوء الأحمر في الطب، خصوصًا عندما تكشف الطبيعة عن آليات بصرية غير متوقعة لدى كائنات صغيرة مثل اليعاسيب.

    ولتفسير كيف يمكن لحشرة طائرة أن تقود إلى فكرة ذات قيمة طبية، توصل فريق من جامعة أوساكا متروبوليتان (Osaka Metropolitan University) إلى اكتشاف لافت نُشر في مجلة Cellular and Molecular Life Sciences. فقد أظهر الباحثون أن اليعاسيب تمتلك آلية لرؤية الضوء الأحمر العميق تشبه إلى حد كبير الآلية الموجودة لدى الثدييات، بما فيها الإنسان. والأهم أن هذا الاكتشاف لم يتوقف عند وصف قدرة بصرية نادرة، بل فتح الباب أمام احتمال تطوير أدوات حيوية تستجيب للضوء القريب من الأشعة تحت الحمراء.

    أوبسين اليعاسيب وقدرته على رصد الضوء الأحمر العميق

     

    تعتمد الرؤية اللونية لدى الإنسان على بروتينات موجودة في العين تُعرف باسم "أوبسين" (opsin). وهذه البروتينات هي التي تتيح للعين إدراك الأطوال الموجية المختلفة، لذلك يمتلك البشر ثلاثة أنواع رئيسية منها ترتبط بالأزرق والأخضر والأحمر. ومن خلال هذا التنوع تصبح الرؤية اللونية ممكنة.

    أما اليعاسيب، فقد تميزت بين الحشرات بقدرتها على رصد الضوء الأحمر. وفي هذا السياق، حدد فريق قاده البروفيسور ميتسوماسا كوياناغي (Mitsumasa Koyanagi) والبروفيسور أكيهيسا تيراكيتا (Akihisa Terakita) من كلية الدراسات العليا للعلوم في جامعة أوساكا متروبوليتان بروتين "أوبسين" محددًا لدى اليعاسيب يستجيب للضوء عند نحو 720 نانومتر. وهذا الطول الموجي يقع بعد أعمق درجة حمراء يستطيع الإنسان عادة رؤيتها.

    ويقول تيراكيتا إن هذا البروتين يعد من أكثر الأصباغ البصرية حساسية للأحمر التي اكتُشفت حتى الآن، مضيفًا أن اليعاسيب على الأرجح ترى الأحمر العميق بدرجة تتجاوز معظم الحشرات الأخرى. وبذلك لم تعد رؤية الضوء الأحمر عند اليعاسيب مجرد تفصيل بصري نادر، بل أصبحت مدخلًا لفهم آلية حيوية تحمل قيمة أوسع من عالم الحشرات نفسه.

    تطور متوازٍ بين اليعاسيب والبشر

     

    من أكثر النتائج إثارة في الدراسة أن الآلية التي يستخدمها أوبسين اليعاسيب لرصد الضوء الأحمر بدت مطابقة للآلية الموجودة في الأوبسين الأحمر لدى الثدييات، بما فيها الإنسان. ويقول ريو ساتو (Ryu Sato)، الباحث الأول في الدراسة وطالب الدراسات العليا، إن هذا التشابه كان غير متوقع، لأنه يشير إلى أن العملية التطورية نفسها حدثت بشكل مستقل في سلالات بعيدة الصلة جدًا ببعضها.

    وهنا تظهر بوضوح فكرة "التطور المتوازي"، أي أن كائنات لا تجمعها قرابة قريبة قد تصل وحدها إلى الحل البيولوجي نفسه. ففي حالة اليعاسيب والثدييات، يبدو أن الطرفين انتهيا إلى الاستراتيجية الجزيئية ذاتها تقريبًا من أجل الإحساس بالضوء الأحمر. وهذا لا يضيف فقط إلى فهمنا لتطور الرؤية، بل يمنح الاكتشاف بعدًا أوسع يتعلق بكيفية تكرار الطبيعة للحلول الناجحة حين تواجه المشكلة نفسها.

    رؤية الضوء الأحمر العميق: اكتشاف بيولوجي بتأثير طبي كبير
    من عيون اليعاسيب إلى الطب: اختراق جديد في فهم الضوء الأحمر

    لماذا تحتاج اليعاسيب إلى هذه الرؤية الخاصة؟

     

    بعد أن تأكد الباحثون من قدرة اليعاسيب على رصد الأحمر العميق، حاولوا فهم السبب الوظيفي وراء ذلك. فافترضوا أن هذه الحساسية العالية قد تساعدها في العثور على شريك التزاوج أثناء الطيران. ومن أجل اختبار هذه الفكرة، درس الفريق "الانعكاس الضوئي" (reflectance)، أي كمية الضوء التي يعكسها السطح عند سقوط الضوء عليه.

    وأظهرت القياسات وجود فروق واضحة بين الذكور والإناث في الطريقة التي تعكس بها أجسامها الضوء من الأحمر حتى النطاق القريب من الأشعة تحت الحمراء. وتشير هذه النتيجة إلى أن الذكور قد تعتمد على هذه الفروق البصرية الدقيقة لتمييز الإناث بسرعة وهي في الجو. وهكذا، لا يبدو أوبسين اليعاسيب مجرد تكيف بصري غريب، بل جزءًا من نظام يساعد الحشرة على قراءة إشارات دقيقة في بيئتها والتفاعل معها في لحظات سريعة وحاسمة.

    من فهم الرؤية إلى تعديل الأوبسين داخل المختبر

     

    الجانب الأكثر أهمية في الدراسة ربما لم يكن فقط اكتشاف آلية رؤية الضوء الأحمر عند اليعاسيب، بل ما فعله الباحثون بهذه المعرفة بعد ذلك. فقد تمكنوا من تحديد موضع واحد داخل بروتين الأوبسين يحدد طريقة استجابته للضوء. وبعد تعديل هذا الموضع، نجحوا في دفع حساسية البروتين نحو أطوال موجية أطول، أي أقرب إلى الضوء القريب من الأشعة تحت الحمراء.

    ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد. فقد صمم الفريق نسخة معدلة من الأوبسين تستجيب لأطوال موجية أطول من ذلك، ثم أظهر أن الخلايا التي تحتوي على هذا الأوبسين المعدل يمكن تنشيطها عند تعريضها للضوء القريب من الأشعة تحت الحمراء. وهنا تحوّل الاكتشاف من دراسة عن حشرة ورؤيتها إلى خطوة عملية نحو استخدامات حيوية محتملة، لأن البروتين لم يعد فقط يشرح كيف ترى اليعاسيب، بل صار أداة قابلة للتعديل والاستفادة منها.

    لماذا يهم هذا الاكتشاف في الأوبتوجينيتكس؟

     

    تكمن قيمة هذه النتيجة في مجال "الأوبتوجينيتكس" (optogenetics)، وهو مجال يستخدم بروتينات حساسة للضوء للتحكم في الخلايا ودراستها داخل الأنسجة الحية. وتزداد أهمية الضوء القريب من الأشعة تحت الحمراء هنا لأنه قادر على اختراق الجسم بعمق أكبر، ما يسمح بالوصول إلى خلايا يصعب الوصول إليها باستخدام أطوال موجية أقصر.

    ويقول كوياناغي إن الفريق نجح في دفع حساسية نسخة معدلة من أوبسين قريب من الأشعة تحت الحمراء، مأخوذ من يعاسيب فصيلة "Gomphidae"، نحو أطوال موجية أطول، كما أثبت أن هذا الأوبسين المعدل قادر على إحداث استجابات خلوية عند التعرض للضوء القريب من الأشعة تحت الحمراء. وبرأيه، فإن هذه النتائج تظهر أن هذا البروتين يمكن أن يصبح أداة واعدة في الأوبتوجينيتكس، وقادرًا على رصد الضوء حتى في أعماق الكائنات الحية.

    ما الذي تضيفه الدراسة لفهم الرؤية والتقنيات الحيوية؟

     

    ما يميز هذا العمل أنه جمع بين أكثر من طبقة علمية في وقت واحد. فهو من جهة يفسر رؤية الضوء الأحمر عند اليعاسيب، ومن جهة ثانية يقدم مثالًا قويًا على التطور المتوازي بين مجموعات حيوانية بعيدة، ومن جهة ثالثة يفتح احتمالًا واضحًا لاستخدام أوبسين اليعاسيب في أدوات بحثية وطبية مستقبلية.

    وبهذا المعنى، لم تعد القصة مجرد حشرة ترى الأحمر بشكل أفضل من غيرها، بل أصبحت مثالًا على كيف يمكن لتفصيلة صغيرة في عالم الحيوان أن تقود إلى فكرة كبيرة في البيولوجيا التطبيقية. ومن تتبع رؤية الضوء الأحمر عند اليعاسيب، وصل الباحثون إلى أفق أوسع يرتبط بالأوبتوجينيتكس وباستخدامات الضوء الأحمر في الطب، وبأدوات قد تساعد يومًا ما في دراسة الخلايا العميقة داخل الجسم بدقة أكبر.

    أسئلة شائعة (FAQ):

     

     ##كيف ترى اليعاسيب الضوء الأحمر العميق؟

    تمتلك اليعاسيب بروتينًا بصريًا يسمى أوبسين قادرًا على امتصاص أطوال موجية طويلة تصل إلى الضوء الأحمر العميق، ما يمنحها قدرة رؤية تتجاوز معظم الحشرات.

     ##ما أهمية الضوء الأحمر في التطبيقات الطبية؟

    يتميز الضوء الأحمر بقدرته على اختراق الأنسجة بعمق أكبر مقارنة بالأطوال الموجية القصيرة، مما يجعله مفيدًا في دراسة الخلايا والعلاج الضوئي.

    ## ما هو الأوبتوجينيتكس وكيف يستخدم الضوء الأحمر؟

    الأوبتوجينيتكس هو مجال علمي يستخدم بروتينات حساسة للضوء للتحكم في نشاط الخلايا، ويتيح الضوء الأحمر الوصول إلى خلايا عميقة داخل الجسم.

     ##هل يمكن استخدام بروتينات اليعاسيب في الطب مستقبلًا؟

    تشير الأبحاث إلى إمكانية تعديل بروتين الأوبسين لدى اليعاسيب لاستخدامه في أدوات طبية وبحثية، خاصة في التحكم بالخلايا باستخدام الضوء القريب من الأشعة تحت الحمراء.

    الاكثر مشاهدة

    تم نسخ الرابط