رئيس مجلس الإدارة
نيفين منصور
رئيس التحرير
إبراهيم مصطفى
10:05 ص calendar السبت 18 يوليو 2026

الحديد-60 في جليد القطب الجنوبي يكشف أثر انفجار نجمي قديم

في أعماق جليد القطب الجنوبي، عثر العلماء على ذرات الحديد-60 النادرة، ما أعاد فتح سؤال قديم حول السحابة البينجمية المحلية التي يتحرك النظام الشمسي داخلها اليوم.

الحديد-60 في جليد
الحديد-60 في جليد القطب الجنوبي يكشف مرور النظام الشمسي داخل سحابة نجمية - illustration

    ملخص

    أعاد اكتشاف الحديد-60 داخل جليد القارة القطبية الجنوبية فتح نافذة غير متوقعة على البيئة الكونية التي يتحرك خلالها النظام الشمسي. فالنظير المشع النادر، الذي يتشكل داخل النجوم الضخمة ويُقذف إلى الفضاء بعد انفجارها كمستعرات عظمى، ظهر في عينات جليدية يعود عمرها إلى ما بين 40 ألفًا و80 ألف عام، في نتيجة تدعم فرضية أن الأرض تمر داخل السحابة البينجمية المحلية الغنية ببقايا انفجار نجمي قديم.
    الدراسة المنشورة في Physical Review Letters قادها فريق من مركز هلمهولتز دريسدن روسندورف، واعتمدت على تحليل مئات الكيلوغرامات من جليد القطب الجنوبي بحثًا عن آثار شديدة الندرة من الحديد-60. وبعد مراحل طويلة من المعالجة الكيميائية والفصل الذري، تمكن الباحثون من رصد بضع ذرات فقط بين تريليونات الذرات الأخرى، باستخدام تقنيات فائقة الحساسية في أستراليا.
    النتائج لا تشير فقط إلى وجود مادة نجمية محفوظة في الجليد، بل توحي بأن الأرض قد تكون ما تزال تجمع ذرات قادمة من السحابة البينجمية المحلية أثناء حركة النظام الشمسي عبرها. والأهم أن كمية الحديد-60 في الجليد الأقدم كانت أقل مما تُظهره العينات الأحدث، وهو ما يلمح إلى أن هذه السحابة ليست متجانسة، بل تتغير كثافتها وتركيبها من منطقة إلى أخرى.
    تكمن أهمية هذا الاكتشاف في أنه يحول الجليد القطبي إلى سجل كوني، لا يروي تاريخ مناخ الأرض وحده، بل يحتفظ أيضًا ببصمات أحداث وقعت خارج النظام الشمسي. فالحديد-60 لم يعد مجرد نظير مشع نادر، بل أداة لفهم أصل السحب المحيطة بنا، وربما لفهم كيف تترك الانفجارات النجمية آثارها داخل البيئة التي تتحرك فيها الأرض اليوم.

    آثار كونية نادرة تظهر داخل جليد عمره 80 ألف عام
    الحديد-60 يكشف تحرك النظام الشمسي داخل سحابة بينجمية - illustration

    ذرات نادرة تربط الأرض بانفجار نجمي قديم

     

    قد يبدو الفضاء الذي يعبره النظام الشمسي هادئًا وفارغًا، لكن ما يحيط بنا يحمل آثارًا كونية أقدم بكثير من تاريخ البشر. وتشير دراسة جديدة إلى أن النظام الشمسي، بما فيه الأرض، يمر حاليًا عبر سحابة تحمل بقايا انفجار نجمي قديم، وأن الدليل على ذلك لم يأت من تلسكوب بعيد، بل من جليد القارة القطبية الجنوبية.

    لتتبع مصدر الحديد-60 على الأرض وفهم علاقته بهذه السحابة، قاد فريق دولي من مركز هلمهولتز دريسدن روسندورف (Helmholtz-Zentrum Dresden-Rossendorf, HZDR) دراسة نُشرت في Physical Review Letters، بحثت عن آثار الحديد-60 (iron-60) في جليد قديم من القطب الجنوبي. والحديد-60 شكل مشع ونادر من الحديد، يتكوّن داخل النجوم الضخمة وينطلق في الفضاء عندما تنفجر تلك النجوم كمستعرات عظمى.

    أبرز ما توصلت إليه الدراسة أن عينات الجليد من القارة القطبية الجنوبية، التي يعود عمرها إلى ما بين 40 ألفًا و80 ألف عام، احتوت على الحديد-60. وهذا يدعم فكرة أن السحابة البينجمية المحلية (Local Interstellar Cloud) المحيطة بالنظام الشمسي تضم مادة من بقايا مستعر أعظم قديم. ومع مرور النظام الشمسي داخل هذه السحابة، يبدو أن الأرض تلتقط جزءًا من تلك الذرات النادرة وتحتفظ بها في سجلها الجليدي.

    لماذا يبحث العلماء عن الحديد-60 في الجليد القطبي

     

    كان العلماء قد وجدوا في دراسات سابقة دلائل على أن الأرض تعرضت للحديد-60 القادم من انفجارات نجمية قريبة قبل ملايين السنين. لكن السؤال بقي معلقًا عندما ظهر الحديد-60 في ثلوج قطبية أحدث نسبيًا، رغم عدم وجود انفجارات نجمية قريبة من الأرض في الزمن الحديث يمكن أن تفسر هذا الوجود بسهولة.

    هنا ظهرت فرضية مختلفة. يوضح الدكتور دومينيك كول (Dominik Koll)، من معهد فيزياء حزم الأيونات وأبحاث المواد في مركز هلمهولتز دريسدن روسندورف، أن الفكرة كانت أن السحابة البينجمية المحلية قد تحتفظ بالحديد-60 لفترات طويلة. وإذا كان النظام الشمسي يعبر هذه السحابة، فقد تجمع الأرض جزءًا من مادتها بمرور الوقت.

    في البداية لم يكن بالإمكان إثبات ذلك. لذلك واصل كول مع البروفيسور أنتون فالنر (Anton Wallner) دراسة عينات جيولوجية أخرى، بينها رواسب من أعماق البحار يصل عمرها إلى 30 ألف عام. وقد احتوت تلك الرواسب أيضًا على الحديد-60، غير أن الباحثين لم يستطيعوا حينها استبعاد كل التفسيرات المنافسة.

    عينات أقدم تكشف تغيرات في السحابة البينجمية المحلية

     

    الفرق في الدراسة الجديدة أن العينات الجليدية كانت أقدم بكثير من الثلوج الحديثة، إذ تعود إلى فترة بين 40 ألفًا و80 ألف عام. هذا الامتداد الزمني أتاح للباحثين مقارنة كمية الحديد-60 التي وصلت إلى الأرض في الماضي بما رُصد في الثلوج والرواسب الأحدث.

    ويعتقد العلماء أن النظام الشمسي دخل السحابة البينجمية المحلية قبل عشرات الآلاف من السنين، وأنه قد يغادرها خلال بضعة آلاف من السنين المقبلة. كما تشير التقديرات إلى أن النظام الشمسي يوجد حاليًا قرب الحافة الخارجية لهذه السحابة، وهو ما يجعل أي تغير في كمية الحديد-60 مهمًا لفهم الوسط الذي نتحرك خلاله.

    عند مقارنة العينات، وجد الباحثون أن كمية الحديد-60 التي وصلت إلى الأرض بين 40 ألفًا و80 ألف عام كانت أقل مما يصل اليوم. ويرى كول أن هذا قد يعني أن النظام الشمسي كان من قبل في وسط يحتوي على نسبة أقل من الحديد-60، أو أن السحابة نفسها ليست متجانسة، بل تتغير كثافتها من منطقة إلى أخرى.

    العثور على الحديد-60 في جليد قديم يعيد رسم علاقة الأرض بالفضاء
    جليد القارة القطبية الجنوبية يحمل آثارًا من انفجار نجمي بعيد - illustration

    ما الذي يكشفه الحديد-60 عن السحابة المحيطة بالنظام الشمسي

     

    من أهم ما لفت الباحثين أن إشارة الحديد-60 تغيّرت خلال عشرات الآلاف من السنين فقط. وبالمقاييس الكونية، تعد هذه مدة قصيرة نسبيًا. هذا التغير السريع جعل تفسير السحابة البينجمية المحلية أكثر قوة، لأنه لا يتوافق جيدًا مع فرضية أن الحديد-60 مجرد أثر قديم يتلاشى ببطء منذ ملايين السنين.

    بكلمات أبسط، لا يبدو أن الحديد-60 في الجليد القطبي مجرد بقايا بعيدة من حدث كوني قديم فقد أثره تدريجيًا. بل تشير النتائج إلى أن الأرض قد تكون تجمع حاليًا مادة من السحابة التي يعبرها النظام الشمسي. ولهذا يصبح الحديد-60 في جليد القارة القطبية الجنوبية أداة لدراسة السحابة البينجمية المحلية، لا مجرد أثر إشعاعي نادر.

    بالنسبة إلى كول، يعني ذلك أن السحب المحيطة بالنظام الشمسي مرتبطة بانفجار نجمي. والأهم أن هذه النتيجة تمنح العلماء فرصة جديدة لفهم أصل تلك السحب، من خلال أرشيفات أرضية محفوظة في الجليد والرواسب.

    كيف استخرج العلماء الحديد-60 من مئات الكيلوغرامات من الجليد

     

    لم يكن رصد الحديد-60 مهمة بسيطة. فقد نُقل نحو 300 كيلوغرام من جليد القارة القطبية الجنوبية من معهد ألفريد فيغنر هلمهولتز لأبحاث القطب والبحار (Alfred Wegener Institute Helmholtz Centre for Polar and Marine Research, AWI) في بريمرهافن إلى دريسدن، حيث خضعت العينات لمعالجة كيميائية طويلة.

    بعد كل هذه المراحل، لم يبق من الجليد سوى بضع مئات من المليغرامات من الغبار. ومن هذه الكمية الصغيرة، كان على العلماء فصل الحديد-60 بعناية شديدة، مع تجنب فقد أي جزء من المادة النادرة أثناء التحضير.

    وللتأكد من أن العملية لم تُفقدهم الحديد-60، استخدم الفريق في مختبر دريسدن لمطيافية الكتلة بالمسرّع (DREsden Accelerator Mass Spectrometry, DREAMS) نظيرين مشعين آخرين هما البيريليوم-10 والألومنيوم-26. وبما أن مستوياتهما المتوقعة في جليد القارة القطبية الجنوبية معروفة جيدًا، استطاع الباحثون التحقق من جودة التحضير قبل الانتقال إلى القياسات النهائية.

    كيف رُصدت ذرات الحديد-60 بين تريليونات الذرات

     

    في المرحلة الأخيرة، استخدم العلماء منشأة مسرّع الأيونات الثقيلة (Heavy Ion Accelerator Facility, HIAF) في الجامعة الوطنية الأسترالية (Australian National University). وبحسب الفريق، تعد هذه المنشأة حاليًا الوحيدة في العالم القادرة على رصد كميات صغيرة للغاية من الحديد-60.

    اعتمد الجهاز على مرشحات كهربائية ومغناطيسية لفصل الذرات بحسب الكتلة، حتى لم يبق من عينة أصلية تضم 10 تريليونات ذرة سوى بضع ذرات من الحديد-60. وتصف أنابيل رولوفز (Annabel Rolofs) من جامعة بون (University of Bonn) صعوبة المهمة بأنها تشبه البحث عن إبرة في 50 ألف ملعب كرة قدم مملوء بالقش حتى السقف، ثم العثور عليها خلال ساعة واحدة.

    أما فالنر فيرى أن سنوات التعاون الدولي سمحت بتطوير طريقة شديدة الحساسية، باتت قادرة على رصد البصمة الواضحة لانفجارات كونية قديمة داخل سجلات جيولوجية موجودة على الأرض اليوم.

    ما حدود هذه النتائج وما الأسئلة التي تفتحها

     

    تدعم الدراسة بقوة فكرة أن الحديد-60 في الجليد القطبي مرتبط بالسحابة البينجمية المحلية التي يعبرها النظام الشمسي. لكنها لا تنهي كل الأسئلة. فما زال العلماء بحاجة إلى فهم شكل هذه السحابة بدقة أكبر، وكيف تتوزع المادة داخلها، ومتى بدأ النظام الشمسي فعلًا في جمع هذه الذرات النادرة.

    كما أن انخفاض الحديد-60 في الجليد الأقدم مقارنة بما يصل اليوم يفتح احتمالين مهمين. فقد يكون النظام الشمسي مرّ سابقًا في منطقة أفقر بالحديد-60، أو قد تكون السحابة نفسها ذات كثافة متغيرة بشدة. وفي الحالتين، يصبح الجليد القطبي سجلًا مهمًا لا لفهم الأرض فقط، بل لفهم الوسط الكوني الذي تتحرك فيه.

    وبذلك يتحول الحديد-60 من رقم صغير في عينة جليد إلى دليل على علاقة الأرض بمحيطها الكوني. فالذرات المحفوظة في الجليد ليست مجرد تفصيل فيزيائي معقد، بل أثر صغير يربط كوكبنا بما حدث خارج حدود النظام الشمسي، وربما بما خلّفه موت نجم بعيد قبل زمن طويل.

    جليد أقدم قد يكشف ما قبل دخول السحابة

     

    يخطط الباحثون الآن لدراسة أنوية جليدية أقدم، تعود إلى فترة سبقت دخول النظام الشمسي إلى السحابة البينجمية المحلية. ويشارك معهد ألفريد فيغنر في مشروع "Beyond EPICA - Oldest Ice"، الذي يهدف إلى استخراج عينات جليدية أعمق وأقدم من تاريخ الأرض.

    إذا أتاحت هذه العينات مقارنة مستويات الحديد-60 قبل دخول السحابة وبعده، فقد يحصل العلماء على صورة أوضح عن عبور النظام الشمسي للسحابة البينجمية المحلية، وعن مدى ارتباط هذا العبور ببقايا مستعر أعظم قديم. وبالنسبة إلينا، تبقى الفكرة مدهشة في بساطتها. بعض الذرات التي اختبأت في الجليد قد تكون رسائل دقيقة من نجم انتهى قبل زمن بعيد.

    أسئلة شائعة (FAQ):

     

     ##ما هو الحديد-60؟

    الحديد-60 نظير مشع ونادر يتكوّن داخل النجوم الضخمة وينتشر في الفضاء بعد انفجارها كمستعرات عظمى.

     ##لماذا يوجد الحديد-60 في جليد القطب الجنوبي؟

    تشير النتائج إلى أن الأرض تجمع ذرات الحديد-60 أثناء عبور النظام الشمسي داخل السحابة البينجمية المحلية المحملة ببقايا انفجار نجمي قديم.

     ##ما هي السحابة البينجمية المحلية؟

    هي سحابة من الغاز والغبار الكوني تحيط بالنظام الشمسي حاليًا، ويُعتقد أنها تحتوي على مواد خلفتها مستعرات عظمى قديمة.

    الاكثر مشاهدة

    تم نسخ الرابط