رئيس مجلس الإدارة
نيفين منصور
رئيس التحرير
إبراهيم مصطفى
09:47 م calendar السبت 18 يوليو 2026

هياكل غامضة في أعماق الأرض قد تفسّر سر قابلية كوكبنا للحياة

في أعماق الأرض، عند التقاء وشاح الأرض باللب الأرضي، تظهر هياكل غامضة قد تكون بقايا من محيط الماغما وتغيّر فهم العلماء لتاريخ الكوكب المبكر.

من محيط الماغما إلى
من محيط الماغما إلى الهياكل العميقة: قصة أعماق الأرض المخفية - illustration

    ملخص

    في دراسة حديثة نُشرت في مجلة Nature Geoscience، قدّم باحثون تفسيرًا جديدًا لوجود الهياكل العميقة الضخمة القريبة من الحد الفاصل بين الوشاح واللب، وهي مناطق تُبطئ الموجات الزلزالية بشكل واضح. تشير النتائج إلى أن هذه الهياكل قد تكون بقايا قديمة تعود إلى الزمن الذي كانت فيه الأرض مغطاة بمحيط من الصخور المنصهرة. ومع تبريد الكوكب، تسربت عناصر مثل السيليكون والمغنيسيوم من اللب إلى الوشاح عبر مليارات السنين، مما غيّر تركيب تلك الطبقات وشكّل البصمة الكيميائية للهياكل العميقة كما نراها اليوم. هذه العمليات الداخلية أثرت في تبريد الأرض، وفي النشاط البركاني، وفي قدرتها على الاحتفاظ بالغلاف الجوي والماء، وهو ما قد يفسّر سبب امتلاك الأرض بيئة قابلة للحياة مقارنة بالزهرة والمريخ.

    وشاح الأرض يكشف بصمات قديمة تعود لزمن محيط الماغما
    بقايا محيط الماغما في أعماق الأرض  - illustration

    ألغاز عند الحد الفاصل بين الوشاح واللب

     

    في أعماق الأرض السحيقة، على بعد نحو 1800 ميل تحت السطح، عند الحد الفاصل بين الوشاح واللب، تختبئ هياكل عملاقة حيّرت العلماء لسنوات طويلة. هذه البنى الغامضة، بحجمها الهائل وسلوكها غير المألوف، أربكت النماذج التقليدية التي تحاول تفسير كيف تكوّنت الأرض وكيف تطوّر باطنها مع الزمن. مؤخرًا، قدّمت دراسة نُشرت في Nature Geoscience، قادها عالم الجيوفيزياء يوشينوري مييازاكي (Yoshinori Miyazaki) من جامعة روتغرز (Rutgers University) بالتعاون مع فريق دولي، تفسيرًا جديدًا يربط بين هذه الأعماق الغامضة وبين السر الذي جعل كوكبنا صالحًا للحياة على المدى الطويل.

    بنى عميقة تبطئ الموجات الزلزالية بشكل غير عادي

     

    الهياكل التي ركزت عليها الدراسة تُعرف باسم large low-shear-velocity provinces، أي مناطق كبيرة بطيئة في تمرير الموجات القصية، و ultra-low-velocity zones، أي مناطق شديدة البطء في تمرير الموجات. الموجات القصية هي نوع من الموجات الزلزالية، أي الاهتزازات الناتجة عن الزلازل والتي تنتقل داخل جسم الأرض وتساعد العلماء على رسم صورة لباطن الكوكب.

    هذه المناطق تقع مباشرة فوق اللب في أسفل الوشاح. الأولى عبارة عن كتل صخرية ضخمة شديدة السخونة والكثافة، واحدة منها تحت قارة أفريقيا والأخرى تحت المحيط الهادئ. أما الثانية فتشبه طبقات رقيقة شبه منصهرة تلتصق بسطح اللب في شكل رقع تشبه البرك المتناثرة.

    اللافت أن هذه البنى تبطئ الموجات الزلزالية بشكل كبير مقارنة بما يحيط بها من صخور الوشاح، ما يشير إلى أنها تحتوي على مواد مختلفة أو تعيش في ظروف فيزيائية مغايرة تمامًا لما حولها. مييازاكي يصفها بأنها ليست مجرد شذوذات عشوائية، بل أشبه ببصمات باقية من أقدم فصول تاريخ الأرض، وإذا فهمنا سبب وجودها يمكن أن نفهم كيف تشكل كوكبنا ولماذا أصبح قابلًا للحياة.

    بصمات من محيط الماغما القديم

     

    تعود الدراسة إلى زمن بعيد للغاية، حين كانت الأرض مغطاة بما يشبه محيطًا عالميًا من الصخور المنصهرة، يُعرف في الجيولوجيا باسم محيط الماغما. مع مرور الوقت وبرودة هذا المحيط، كان من المتوقع أن يتكوّن الوشاح في صورة طبقات كيميائية متمايزة، على غرار ما يحدث عندما يتجمّد عصير فتنفصل الطبقة الأكثر تركيزًا عن الماء المتجمد.

    لكن ما كشفت عنه القياسات الزلزالية الحديثة يناقض هذا التصور البسيط. فبدلًا من رؤية طبقات كيميائية واضحة ومتسلسلة، يظهر الوشاح الداخلي كمنطقة أكثر تعقيدًا، حيث تبدو large low-shear-velocity provinces و ultra-low-velocity zones مثل أكوام غير متجانسة تتجمع في قاع الوشاح.

    مييازاكي يوضح أن هذا التناقض كان نقطة الانطلاق في البحث: إذا بدأنا من فرضية وجود محيط ماغما عالمي وأجرينا الحسابات، لا نحصل على البنية التي نراها اليوم في باطن الأرض. كان هناك شيء مفقود في الصورة يجب إضافته ليكتمل المشهد.

    كيف تغيّر الهياكل العميقة مرور الموجات الزلزالية في أعماق الأرض؟
    ما علاقة الهياكل العميقة بالنشاط البركاني؟ - illustration

    دور اللب في خلط باطن الأرض عبر مليارات السنين

     

    العامل المفقود الذي يقترحه فريق البحث هو اللب نفسه. فوفقًا للنموذج الذي قدّموه، تسللت عبر مليارات السنين عناصر مثل السيليكون والمغنيسيوم من اللب إلى الوشاح. هذا "التسرب" البطيء للعناصر من الداخل العميق للكوكب نحو الأعلى كان كفيلًا بتشويش أي طبقات كيميائية قوية قد تكون تشكلت بفعل برودة محيط الماغما الأول.

    هذا الخلط المستمر قد يفسّر أيضًا التركيب الغريب للمناطق ذات السرعة المنخفضة في أسفل الوشاح. ويرى العلماء أن هذه الهياكل قد تكون بقايا مبردة من ما يسمّى basal magma ocean، أي محيط ماغما قاعدي قديم، تم تغييره مع الزمن بفعل المواد القادمة من اللب.

    مييازاكي يشرح أن الفكرة التي يقترحونها هي أن جزءًا من المادة في هذه المناطق ربما تسرب فعليًا من اللب. وإذا أضفنا هذا "المكوّن القادم من اللب" إلى الصورة، تصبح البيانات الزلزالية وما نراه اليوم داخل الأرض أكثر منطقية وتناسقًا مع النماذج النظرية.

    من أعماق الوشاح إلى الغلاف الجوي والحياة على السطح

     

    لا تتوقف أهمية هذه النتائج عند حدود كيمياء المعادن أو تركيب الصخور في الأعماق. فالتفاعل بين الوشاح واللب يؤثر بشكل مباشر في كيفية تخلّص الأرض من حرارتها الداخلية، وفي تطور النشاط البركاني، وحتى في الطريقة التي تغيّر بها الغلاف الجوي بمرور الزمن الجيولوجي.

    هذا المنظور الجديد يساعد على طرح سؤال أوسع: لماذا انتهت الأرض ككوكب يحوي مياهًا سائلة وحياة وغلافًا جويًا مستقرًا نسبيًا، بينما أصبح كوكب الزهرة شديد السخونة مع غلاف جوي أكثر سماكة بنحو مئة مرة من غلاف الأرض ومعظمه من ثاني أكسيد الكربون، في حين تحوّل المريخ إلى عالم بارد وقاحل بغلاف جوي رقيق جدًا؟

    يعترف مييازاكي بأن العلماء لا يفهمون هذه الفروق بالكامل حتى الآن، لكن ما يحدث في داخل الكوكب، من طريقة تبريده إلى كيفية تطوّر طبقاته الداخلية، قد يكون جزءًا كبيرًا من الإجابة. فالتاريخ الحراري للكوكب وتفاعلات طبقاته العميقة يمكن أن ينعكس في النهاية على سطحه وغلافه الجوي وما إذا كان قادرًا على الاحتفاظ بالماء والحياة.

    سجل من أعماق الأرض لتاريخ تكوّن الكوكب ونشاطه البركاني

     

    للوصول إلى هذه النتائج، جمع الفريق بين ثلاث أدوات رئيسية: رصد الموجات الزلزالية، وهي وسيلة لرؤية باطن الأرض عبر تتبع حركة الاهتزازات الناتجة عن الزلازل؛ ودراسات فيزياء المعادن، وهو الفرع الذي يدرس سلوك المعادن تحت ضغوط ودرجات حرارة عالية؛ بالإضافة إلى محاكاة حاسوبية لحركة المواد داخل الكوكب، أو ما يعرف بالنماذج الجيوديناميكية.

    هذا المزج بين مجالات علمية مختلفة سمح للباحثين بإعادة النظر في large low-shear-velocity provincesو ultra-low-velocity zones ليس كظواهر شاذة ومزعجة للنماذج، بل كسجلات أساسية لكيفية تشكّل الأرض في بداياتها. وتشير الدراسة إلى أن هذه البنى العميقة قد تساهم في تغذية البقع البركانية الساخنة على السطح، مثل هاواي وآيسلندا، ما يربط مباشرة بين ما يجري في أعماق الوشاح وبين النشاط البركاني المرئي على سطح الكوكب.

    الباحث جي دنغ (Jie Deng) من جامعة برينستون (Princeton University)، المشارك في الدراسة، يرى في هذا العمل مثالًا واضحًا على كيف يمكن لتكامل علوم الكواكب والجيوفيزياء وفيزياء المعادن أن يساعد في حل بعض أقدم ألغاز الأرض. ويشير إلى أن فكرة احتفاظ الوشاح العميق بذاكرة كيميائية للتفاعلات المبكرة بين اللب والوشاح تفتح طرقًا جديدة لفهم المسار الفريد الذي سلكته الأرض في تطورها.

    قصة أكثر ترابطًا عن ماضي كوكب فريد

     

    يؤكد الباحثون أن كل بصمة جديدة تُكتشف في أعماق الأرض تضيف سطرًا جديدًا في قصة الكوكب، وتجعل هذه الأعماق السحيقة جزءًا أساسيًا من فهمنا لتاريخ الأرض.

    مييازاكي يقول إن العلماء، رغم قلة الأدلة المباشرة التي يمكن الحصول عليها من تلك الأعماق الهائلة، بدأوا يبنون قصة منطقية عن الماضي البعيد للأرض. والدراسة الحالية تمنحهم قدرًا أكبر من اليقين بشأن كيفية تطوّر الكوكب، ولماذا يعد كوكبًا فريدًا بالفعل من حيث تاريخه الداخلي وقدرته على احتضان الحياة.

    الاكثر مشاهدة

    تم نسخ الرابط